ثلاث سنوات وما زال للصراع بقية

الاثنين 2014/03/17

تنهي الأزمة السورية سنواتها الثلاث على وقع مشهد مأساوي بتفاصيله الكارثية ومأساته الإنسانية، وفي ظل صورة غير واضحة المعالم على المستويات السياسية والعسكرية، سواء كان على صعيد الأطراف الداخلية، أو لجهة الموقفين الدولي والإقليمي.

وعلى أعتاب السنة الرابعة تبدو الأمور وكأنها تبدأ من جديد، أو كأنها توقفت عند لحظات الانقسام الأولى، لا جديد سوى بعض عمليات سياسية وعسكرية من كلا الطرفين في محاولات يائسة لتحريك الأوضاع الجامدة، في حين أن الوقائع تعاند رغبات كليهما بالتغيير، وعلى وقع ذلك، يستمر المشهد السوري ينزف ضحايا ومهجّرين وضائعين جدد، تارة يجري توزيعهم على الجوار الإقليمي، وتارة يتكفل البحر بابتلاع بعضهم الآخر، فيما الباقون تستهلكهم أدوات النظام العسكرية بين الموت بالبراميل والصواريخ أو الموت جوعا وبردا.

ليس ثمة في الأفق ما يشير إلى إمكانية الخروج من هذا المأزق، بل إن التقديرات تذهب إلى توقع استمرار الصراع في سوريا لزمن طويل، استنادا إلى الخبرة التاريخية في الحروب الأهلية، ذلك أن محفّزات هذا النوع من الصراع تستمر مفاعليها لزمن طويل ولا يتسنى انتزاعها من سياق الصراع قبل أن تأخذ مداها كاملا، بمعنى أنها تستهلك جيلا كاملا شرب عقيدة الصراع وأوجد ذرائع استمراره في البنى الاجتماعية التي يصدر عنها، في هذه الحالة فإن نهاية هذا النمط الصراعي، تكون مرهونة بوصول البيئات الداعمة له إلى حالة الإنهاك والقناعة بلا جدوى القتال، وهذه حالة لا يبدو أنها قريبة في الواقع السوري.

يراهن بعض خبراء المعطيات على أن مسألة تغيير موازين القوى على الأرض، من خلال تقديم دعم نوعي للمعارضة، قد يساهم في تسريع إنهاء الأزمة وإجبار النظام وحلفاءه على الرضوخ للحل السياسي، وثمة من يعتقد بوجود توجه أميركي جديد بعد قناعة إدارة أوباما، باستحالة الحل السياسي ضمن الشروط الحالية التي يشعر نظام بشار الأسد في ظلها بامتلاك فرصة القضاء على المعارضة واستعادة زمام الأمور في سوريا، وثمة توجه إقليمي، خليجي بالتحديد، يلاقي هذا التوجه الأميركي انطلاقا من قناعة خليجية بأن انتصار الأسد في سوريا، يشكل دعما للمشروع الإيراني الذي يهدف إلى السيطرة على الإقليم وقضمه قطعة- قطعة.

لكن أثبتت التجربة أن إدارة أوباما طرفا لا يعتد بوعوده في الملف السوري، وذلك لاختلاف أهدافه عن أهداف الدول الإقليمية. فبالنسبة إلى إدارة أوباما يبدو أنها تستحسن إطالة أمد القتال في سوريا طالما هو قتال بين أعداءها “تنظيم القاعدة” و”حزب الله” وحالة استنزاف لإيران، وبالتالي لا تبدو إدارة أوباما متسرعة في إيجاد حل سريع للأزمة السورية، خاصة وأن البعد الإنساني غير مهم ما دامت هناك شعوب كثيرة تعاني كالشعب السوري، ولا تجد تدخلا لمعاناتها أو دعوات للتدخل من أجل إنقاذها في الصومال وأوغندا وحتى في كوريا الشمالية وماينمار والصين نفسها.

ما يزيد من تعقيد الأزمة السورية وهي تدخل سنتها الرابعة، نشوب الأزمة الأوكرانية، حيث حوّل العالم أنظاره إلى ما يجري في أوكرانيا التي شكلت رافدا مأساويا للمأساة السورية، فمن المتوقع أن ينعكس تدهور العلاقات بين الغرب والروس إلى تشدّد روسي في الملف السوري، وقد أوردت تقارير عسكرية مؤخرا زيادة الدعم العسكري الروسي لقوات الأسد، وحتى مشاركة جنرالات رُوسْ في إدارة المعارك، فضلا عن تزويد كتائبه بالأسلحة.

قبل ثلاث سنوات، كانت سوريا تعيش أزمة محلية، تمثلت في نظام حكم فاسد حوّل البلد إلى معتقل كبير واضطهد أبناءه، وصارت سوريا يوما بعد آخر مجرد مزرعة لعائلة فاسدة، جعلت منها بلدا هامشيا ومتأخرا على كل المستويات، وكان النظام يغطي فساده بإدعاءاته عن المقاومة والممانعة والتي لم تكن أكثر من واجهات دعائية لتثبيت استبداده، وبعد ثلاث سنوات، ولأن السوريين أرادوا تغيير هذه المعادلة الظالمة، وبعد أن سُدّت كل أبواب المستقبل أمامهم، أبى النظام إلا أن يحوّل سوريا إلى ميتم كبير، ودار للخراب يجهّز فيها العدة والعتاد لحرب تدوم سنين طويلة، ألم يقل أنصاره دائما “الأسد أو نحرق البلد”.


كاتب سوري

8