ثلاث محن للحكومات التونسية المتعاقبة

الجمعة 2017/01/20

ملفات كبيرة تعقّدت على امتداد حكومات ما قبل الثورة وما بعدها حتى بات الأمل في حلّها من باب المعجزات. من جملة تلك الملفّات ثلاثة هي ملف المفروزين أمنيا من قدماء الاتحاد العام لطلبة تونس الممنوعين من العمل بسبب نضالاتهم السياسية في الجامعة ضد نظام زين العابدين بن علي، وملف التنمية المعطلة في منطقة الشمال الغربي حيث تتساقط الثلوج وتقطع الطرقات ويموت المواطنون من البرد، وملف المعابر الحدودية مع الجارة ليبيا التي تعرف معيقات كثيرة تعطل مصالح المواطنين من الطرفين، فيما تأخر تدخل الدولة التونسية في هذا الملف السيادي إلى الأسبوع المنقضي بتعلة غياب دولة مستقرة في ليبيا يمكن التفاوض والتفاهم معها.

يعتبر ملف قدماء الاتحاد العام لطلبة تونس المفروزين أمنيا من أشد الملفات حرجا للحكومات التونسية المتعاقبة. فهو من المواضيع المتصلة بالمصالحة الوطنية من جهة، وبالعدالة الاجتماعية من جهة ثانية، وبإعادة الحق إلى أصحابه في أي دولة قانون تحترم مواطنيها الذين ناضلوا ووهبوا حياتهم ومستقبلهم من أجل شعبهم.

فهذه الفئة من التونسيين الذين صار أغلبهم من الكهول اليوم تتلخص مأساتهم في كونهم لم يؤثروا السلامة لأنفسهم ولم يقبلوا بالذلّ ورفضوا الاستكانة للاستبداد. وواجهوا نظام بن علي المستبدّ بشجاعة نادرة ولاقى الكثير منهم ويلات السجون والمعتقلات والمنافي والمحاكمات الجائرة. والنتيجة كانت الحرمان من الحق في العمل. كما طالت العقوبات عائلاتهم التي لم تكن بالضرورة تتبنى مواقف أبنائها.

واصطلح على تسمية هؤلاء بـ”المفروزين أمنيا” لأنهم اجتازوا مناظرات الانتداب للعمل في القطاع العام أو في الوظيفة العمومية بنجاح، ولكن وقع فرزهم قبل الإعلان عن النتائج النهائية. فأسماؤهم تحذف من قائمة المقبولين نهائيا للعمل بسبب ما كان يسمى البحث الأمني، حيث كانت قائمات الناجحين في مناظرات التشغيل تعرض على جهاز الاستعلامات في وزارة الداخلية ليحذف منها كلّ من كان يمارس نشاطا سياسيا معارضا لبن علي. ويتم تعويض المفروزين بآخرين من المنتسبين للحزب الحاكم أو ممن دفعوا رشاوى.

هذا الملف على وجاهته وعلى عدالة قضية أصحابه لم تنجح الحكومات المتتالية بعد الثورة في حله، رغم أنها تمكنت من حل ملفات أعقد بكثير منه مثل ملف المتمتعين بالعفو التشريعي العام الذي جمع إرهابيين حصلوا على تعويضات كبيرة، وسرعان ما استأنفوا أنشطتهم المعادية للدولة وللنظام الديمقراطي وللمجتمع المدني. وقد بلغ عدد المتمتعين بالعفو التشريعي العام حوالي ستين ألفا. بينما لا يتجاوز عدد المفروزين أمنيا المعطلين عن العمل ثماني مئة مفروز.

ويخوض المفروزون أمنيا نضالات مريرة من أجل استعادة حقوقهم التي حرمهم منها نظام بن علي. وتتمثل هذه النضالات في مسيرات وتحركات احتجاجية في مختلف الجهات التونسية لم تتوقف منذ عهد بن علي إلى اليوم، إضافة إلى إضرابات وحشية عن الطعام تهدد حيوات الكثير منهم من أصحاب الأجساد الذاوية.

وكانت حكومة الحبيب الصيد قد شكلت لجنة تتكون من نواب من مجلس نواب الشعب ومن ممثلين عن الحكومة وممثلين عن المفروزين. وتقدمت هذه اللجنة أشواطا في حل الملف. ولكن تفاجأ الرأي العام بإيقاف الحكومة لمسار فض الملف من جانب واحد ودون تبرير. ورحلت حكومة الصيد ورحّلت الملف لحكومة يوسف الشاهد دون أن يتم حسمه نهائيا إلى اليوم.

كما يعد ملف تنمية مناطق الشمال الغربي التونسي، الذي يضم أربع محافظات هي الكاف وجندوبة وباجة وسليانة، من الملفات العويصة التي توارثتها الحكومات التونسية المتعاقبة منذ عهد بورقيبة وبن علي إلى اليوم. فهذه الجهات تزخر بالثروات الطبيعية وتتوفر على تضاريس جبلية كان يمكن أن تكون مصدرا مهما لإنتاج الثروة، ولكنها تعد مصدر محنة وشقاء لسكان هذه المناطق.

ففي الصيف تعرف هذه الجهات قلة الانتظام في التزود بالماء الصالح للشراب، وفي الشتاء تتكدس الثلوج فيها فتتعطل الحياة وتتوقف في أحيان كثيرة. ولم تتمكن الدولة التونسية إلى الآن من توفير التدخلات العاجلة التي تقدر عليها من فتح طريق يدوم قطعها أياما أو إسعاف مريض عجز عن الوصول إلى المستشفيات.

أما توفير استراتيجية تنموية تراعي خصوصيات هذه الجهات وتستبق أزمات الصيف والشتاء قبل حدوثها عبر بنية تحتية عصرية من شبكة طرقات آمنة وشبكة جسور وقناطر تضمن سيولة الحركة ومناطق صناعية مجهزة تغري بالاستثمار وتوظيف الأموال، فهذا ما يتحدث عنه الجميع ولم ينجزه أحد. وفي المقابل تستمر معاناة أهالي الشمال الغربي وتتكرر مآسيهم ويموت الكثير منهم من البرد وتسقط الأكواخ على رؤوسهم.

الملف الثالث الذي كلما امتحنت فيه الدولة التونسية فشلت هو ملف المعابر الحدودية مع الجارة ليبيا. فلا هي تمكنت من السيطرة على هذه المعابر بالشكل الذي يضمن تدفق حركة عبور المسافرين والسلع دون عبور الأسلحة والمواد الممنوعة والإرهابيين، ولا نجحت في توفير بدائل لسكان المناطق الحدودية تكفيهم شرّ الالتجاء إلى المخاطرة بممارسة التهريب. وحتى منطقة التجارة الحرة التي وُعدت بها منطقة بنقردان ما زالت في مرحلة معالجة العراقيل العقارية التي تواجه المشروع.

وغياب الدولة وأجهزتها عن ملف المناطق الحدودية مع ليبيا وتأخر التدخل، وفّرا الفرصة للدبلوماسية الشعبية للتدخل والتفاوض مع الأطراف الليبية بدلا عن الدولة. وهو ما أربك الحكومة المركزية في العاصمة التونسية وجعلها ترسل وفدا حكوميا على عين المكان ليستلم الملف فيمهل نفسه أسبوعين قبل إعلان الإجراءات والقرارات.

منطقة بنقردان الأقرب إلى ليبيا تشهد موجة من الاحتجاجات لم تتوقف منذ أسابيع وصلت إلى حد غلق الطرقات وتعطيل المرور لعامة الناس. وقد ألفت هذه الجهة الاحتجاجات وبلغت في كل مرة درجة من العنف خطيرة حتى في عهد بن علي، إذ أن أول عاصفة من الاحتجاجات واجهها نظام بن علي كانت في بنقردان صيف 2010 قبل أن تشتعل في شتاء السنة نفسها في سيدي بوزيد. والأسباب هي نفسها دائما أي غياب التنمية والارتهان بتجارة المعابر مع ما فيها من تضييقات أو بالتهريب. والعقل السياسي التونسي الحاكم عاجز باستمرار عن حل هذه المشكلة.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

9