ثلاث مدن في شرق المتوسط تؤرخ لحقبة أدهشت الغرب

يقدم المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب الكويتي عناية فائقة لنقل ما يفيد وينفع المكتبة العربية، ويمدها بما يوسع الآفاق المعرفية، ويتيح للقارئ العربي فرصة اكتشاف المستور والمجهول في مجالات متعددة، وآخر إصداراته في هذا الصدد كتاب فيليب مانسيل “ثلاث مدن متوسطية- سواحل البحر الأبيض المتوسط بين التألق والهاوية”.
الخميس 2018/01/11
بيروت إحدى مدن الفرح والانفتاح في الشرق

في الشهر الأخير من السنة الماضية، أصدر المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بالكويت، الجزء الأول من كتاب بعنوان “ثلاث مدن متوسطية- سواحل البحر الأبيض المتوسط بين التألق والهاوية”. وهو من تأليف فيليب مانسيل، أما الترجمة فقد أنجزها الأستاذ مصطفى قاسم.

المدن الثلاث

يمكن اعتبار الكتاب المذكور وثيقة في غاية الأهمية حيث أنه يروي فصولا من تاريخ المنطقة الشرقية للبحر الأبيض المتوسط التي تضم تركيا ومصر وسوريا ولبنان وفلسطين في الفترة التي كانت فيها هذه البلدان خاضعة انطلاقا من القرن السادس عشر وحتى القرن العشرين للهيمنة العثمانية.

المدن الثلاث المعنية بالأمر هي سميرنا (أزمير)، والإسكندرية، وبيروت. واختيار هذه المدن يعود إلى أنها تعكس بحسب المؤلف “الحوار المشرقي”. فقد يكون مؤسسو سميرنا عام 688 ق.م مستعمرين يونانيين. وكان مؤسس الإسكندرية عام 331 ق.م الإسكندر الأكبر. أما اسم بيروت فقد اشتقّ من كلمة فينيقية قديمة تعني”عين الماء”.

هذه الصورة المشرقة للمدن الثلاث كانت تخبو بين فترة وأخرى خصوصا عندما تستيقظ النعرات الدينية والقومية وغيرها

تشترك المدن الثلاث في أنها مدن مينائية. وقد أشار شيشرون، المفكر والخطيب الروماني الشهير في كتابه “الجمهورية” إلى أن المدن المينائية “تتميز عن المدن الداخلية بضرب من الفساد والانحلال الأخلاقي”. ويعود ذلك إلى أنها مدن مفتوحة، تستقبل وتستضيف، كما يمكن أن تطرد وتقصي. وتسمح موانئ هذه المدن بأن تنشط فيها الحركة التجارية لتصبح التجارة جسرا بين الشعوب والثقافات واللغات والأديان أيضا. بالإضافة إلى كل هذا جسدت المدن الثلاث فترات الحوار والسلام والتسامح بين قوميات وأجناس مختلفة، خصوصا بين أوروبا والعالم العربي، وبين الإسلام والمسيحية واليهودية.

كما جسدت فترات التصادم والنزاعات والحروب الطائفية والدينية والقومية. ويشير فيليب مانسيل إلى أن المدن الثلاث أصبحت في القرن التاسع عشر، بفضل موانئها، من ضمن المدن العشر “الأكبر والأكثر عالمية في المنطقة”. وكانت موانئ المدن الثلاث “الأكثر كشفا للعلاقات بين الشرق والغرب وللقوة بين الطرفين”. لذلك كانت هذه المدن تتميز بنزعة تمردية على الأفكار النمطية السائدة، وإليها كان يلجأ الباحثون عن الحرية، وعن المتع.

كما أن هذه المدن فتحت أبوابها واسعة أمام القادمين إليها من أديان ومن قوميات وجنسيات مختلفة. لذلك تعايش فيها المسلمون والمسيحيون واليهود. وفيها كانت تبنى الكنائس والمساجد والمعابد اليهودية جنبا إلى جنب. كما أن سكانها كانوا يتكلمون لغات متعددة. أما أعيانها فكانوا يحبذون التكلم باللغة الفرنسية التي كانت آنذاك لغة عالمية. وقد استغلت الدول العظمى التي برزت في القرن التاسع عشر متمثلة بالخصوص في كل من فرنسا وبريطانيا انفتاح المدن الثلاث لتشرع في رسم وتدبير مخططاتها الرامية إلى الهيمنة على بلدان شرق المتوسط، وإضعاف الإمبراطورية العثمانية ثم إسقاطها في ما بعد.

صور مشرقة

يكشف فيليب مانسيل أن سميرنا والإسكندرية وبيروت كانت تتميز أيضا بحرية جنسية أدهشت الأوروبيين. وقد قام كارلو غولدوني، الكاتب المسرحي الإسباني الشهير بتأليف مسرحية بعنوان “مدير فرقة سميرنا” وفيها يرسم صورة لتاجر تركي ثري من المدينة يشكل فرقة أوبرالية مدفوعا برغبته في الاستمتاع بأجساد المغنيات الجميلات، ولا غرض له سوى ذلك.

أزمير وبيروت والإسكندرية موانئ الإنسانية السعيدة

وكانت الحياة في سميرنا موسومة بالأفراح والمسرات حتى أن الكونتيسه بولين كونتاس نويستليتز كتبت تقول “لم أر في حياتي مثل هذا الضحك والمرح المنفلتين يجتمعان مع كل هذا الحس الطبيعي”. وفي طريقه إلى القدس، وصف الكاتب الفرنسي سميرنا بأنها “باريس أخرى”، و”واحة الحضارة، وتدمر في وسط صحاري الهمجية”. وقبل أن يستلم محمد علي السلطة في مصر عام 1805، كانت الإسكندرية تعيش حياة بائسة، مقفرة من المباهج والمسرات. وكان كل شيء فيها “غارقا في الإهمال”. وكانت تعطي إحساسا بالبؤس لا نظير له. وفي طريق عودته من القدس عام 1806، وجد شاتوبريان الإسكندرية “أتعس مكان في العالم وأكثر المدن هجرا من الناس”. لكن في ظرف عقدين فقدت الإسكندرية مظاهرها القديمة لتتحول إلى مدينة كوزموبولوتية، فيها تتعايش أجناس وقوميات وأديان مختلفة. فكان هناك اليونانيون والإيطاليون والبريطانيون والفرنسيون والهولنديون. وانطلاقا من عام 1817، أصبح ميناؤها يعج بالسفن القادمة من جميع أنحاء أوروبا. وقد ازدادت الإسكندرية عظمة وبهاء بعد أن أصبحت عاصمة ثانية للبلاط. وفي كتابه “شتاء في مصر” كتب الفرنسي أوجين بوتو عام 1860 يقول “هناك -يعني الإسكندرية- يتحدث الناس كل اللغات، وهناك ترى كل أنواع الأزياء، وهناك ترى كل أقوام الشرق والغرب. وهذا التنوع وذلك المزيج هما اللذان يشكلان الطابع الحقيقي للإسكندرية”. ولعل التنوع هو الذي جعل الشاعر اليوناني الكبير قسطنطين كفافيس يختار الإقامة في الإسكندرية. وفي ذلك كتب يقول “لقد اعتدت الآن على الإسكندرية، ومن المرجح أن أبقى هنا حتى لو اغتنيت. ما زلت غير متأكد تماما من أنني سأبقى هنا، لأنها بالنسبة إلي أقرب إلى الوطن، فهي تربطني بذكريات حياتي، وكيف لشخص مختلف مثلي أن يحتاج إلى مدينة كبيرة مثل لندن”.

ويرى فيليب مانسيل أن محمد علي أسهم في ازدهار بيروت التي فتحها الجنود المصريون عام 1831. وقبل ذلك كانت هذه المدينة “مجرد متاهة من الأزقة الضيقة والبيوت ذات الأسقف البارزة، وقد “حشرت داخل أسوار صليبية سميكة”.

لكن انطلاقا من العقد الرابع من القرن التاسع عشر، شهدت بيروت ازدهارا يماثل ازدهار سميرنا والإسكندرية. وفيها تعايشت أجناس ولغات وأديان مختلفة. لكن هذه الصورة المشرقة للمدن الثلاث كانت تخبو بين فترة وأخرى خصوصا عندما تستيقظ النعرات الدينية والقومية وغيرها لتشرّع العنف والمذابح والحروب.

14