ثلج إيرينا ناجي

المرأة في لوحة إيرينا وحتى الرجال أيضا شخصّتهما الفنانة في لحظة اصطادتها من جريان نهر الزمن لتنصبها بيضاء بألوانها، مُشعة ببياضها، و”ثلجية” في وجه كل من يتربص بها أو يريد لها الاندثار.
الجمعة 2018/08/31
من أعمال الفنانة إيرينا ناجي

ربما من أروع ما يكون أن تكون فنانة متزوجة بفنان مثلها ويعيشان في انسجام فني قل نظيره، غير أن ذلك، هو من أخطر ما يكون فنيا لا سيما في عين النقاد والجمهور الفني.

فغالبا ما يتم إظهار أحدهما على حساب الآخر، أو يُصار إلى اعتبار أن أحدهما يسعى إلى تقليد الآخر، قد يكون هذا ما عانى منه كل من الفنانين إيرينا ناجي الروسية الأصل والفلسطينية الهوى، والفلسطيني الغزاوي ماهر ناجي، لا سيما أن الفنانة إيرينا من الواضح أنها تتمتع بعذوبة لافتة، وأن الفنان ماهر يملك شخصية قوية ونبيلة في الآن ذاته كتلك التي ملكها معظم الرجال في الأيام الغابرة.

وقد لا يكون الإعلام تناول تجربة الفنانين، إلاّ من خلال انتقاد مبطن أو الغمز من قناة أحدهما على حساب الآخر، ولكن ماذا لو تمت الإشارة إلى ما لا يتشاركان فيه فنيا بما يعزّز الاختلاف في الرؤية والتقنية المُتبعة على السواء؟

ألبس ماهر ناجي كنعانياته ملابس تراثية مزركشة كتصريح عن موقف من التاريخ ورغبة في ترسيخه في الذاكرة، لذلك بدت تفاصيل الملابس حادة الحضور وواضحة المعالم، وهو القائل في إحدى مقابلاته عن النسوة الفلسطينيات اللواتي روين ذاكرته منذ أن كان طفلا “وكيف أنسى؟”، أما إيرينا فهي المأخوذة بالتراث الفلسطيني الذي حدثها عنه الفنان طويلا قبل أن تراه بأم عينها حينما عادت معه للعيش في غزة.

ربما لأجل ذلك جاءت النساء مرتديات الزي الفلسطيني في لوحاتها غائمات وأثيريات، كأنهنّ خرجن للتو من قصص حاكها خيال عاشق أكثر مما نسجتها ذاكرة عميقة تغذّت على واقع وأينعت على أزهاره المطرزة بخيطان ماهرة.

وربما لأجل ذلك أيضا، عندما تقع عينك على إحدى لوحات الفنانة تشعر بأنك دخلت إلى عالم أشبه بالقصص الخرافية ذات النهايات السعيدة، حتما، مهما اشتد الألم الذي اختبرته الفنانة بعيشها في غزة.

للنساء الفلسطينيات في لوحات ماهر حضور طاغ يحصل “طغيانه” من أنهنّ أكثر “حقيقية” من النسوة اللواتي ترسمهنّ إيرينا، امرأة ماهر تشبه فلسطينيات اليوم وقد حولهنّ الفنان إلى رموز خرجت مباشرة من رحم واقع مُضرج بحمرة قاتمة لا تُحضرها الفنانة إيرينا إلى لوحاتها.

نساء ماهر قادرات على الحب وعيش أنوثتهنّ والصمود والكدّ في آن واحد حسب ما تتطلب الظروف، أما المرأة في لوحة إيرينا، الحالمة المزركشة بالضوء قد لا تشبه فلسطينية الحاضر/ الواقع، لذلك يجيء واقعها ممّا ترمز إليه وليس العكس، كما في لوحة ماهر، حيث يسبق الواقع الرمز.

المرأة في لوحة إيرينا وحتى الرجال أيضا شخصّتهما الفنانة في لحظة اصطادتها من جريان نهر الزمن لتنصبها بيضاء بألوانها، مُشعة ببياضها، و”ثلجية” في وجه كل من يتربص بها أو يريد لها الاندثار.

هانئة إيرينا، لا تخاف على نسائها من الاندثار، مُفتخرة برجالها الأقوياء الباهرين بحضورهم وبروح الأمان الذي ينشروه في فضاء اللوحات، هذا ما لا نعثر عليه في لوحات ماهر ناجي المشغول بالحركة في لوحاته، تلك التي أراد تثبيتها ففاضت فيها الظلال واحتدت الألوان ولم تهدأ.

وكأن الفنانة استمدت من غريزتها الأنثوية المنجرفة نحو الحياة هذه الرؤية الصافية التي كأنما تقول “كل شيء على ما يرام.. كل شيء سيكون على ما يرام”، مهما قست الظروف. أما في لوحات ماهر حتى تلك التي تريد أن تصوّر حفلات الرقص والزرع، فثمة قلق لا يهدأ وبوارق كابوسية تذكّر بمغيبات لشموس مختلفة تتدرج ألوانها من الحمرة القانية إلى الذهبي المُشبع فالأزرق العميق.

الظلال المترامية في خلفية و”أمامية” لوحاته، يقابلها الانقشاع في لوحاتها، الرومانسية في لوحاتها، الدرامية في لوحاته، الشاعرية في لوحاتها، الغنائية في لوحاته، الملحمية في لوحاته، الخرافية في لوحاتها، هو البحيرة الداكنة وهي السطح الذي يتصدع عليه الضوء زخارف آثرة.

لفلسطين الخالدة حقول سحرية تنمو فيها شجرة تحمل ثمرتين مختلفتين: إيرينا وماهر.

17