ثمار آثمة تتناقلها البشرية منذ أرخيميدس

الإنسان من مخلوق يرتجف إلى مخلوق يعرف إلى مستخدم خاضع.
الأحد 2021/04/18
مستخدمو الإنترنت خاضعون للرقابة والتحكم

لقد غيّر العلم الحياة البشرية وارتقى بالبشر إلى تسيد العالم، وتغيرت الملحمة الإنسانية من الخوف من المجهول والاهتمام بما هو بسيط إلى مراتب أبعد، ثورة بدأت بالفكر والعلم والتقنية وما زالت متواصلة مع التكنولوجيا، استبدلت حياة الكائن الخائف بحياة الكائن القوي والفاعل، ولكن منذ نشأته لم ينج العلم من الاستخدامات السيئة.

تدين البشرية بجزء كبير جدا من تقدمها وتحسن طرائق عيشها إلى الفتوحات اللامتناهية التي جاءت مع التطور البديع للعلوم والتقنيات، والفيض الغزير من النظريات والتطبيقات التي تغلغلت في أدق تفاصيل الحياة اليومية بعد رحلة طويلة وشاقة من التراكم الذي ضاعف كل مرة من رصيدها المعرفي والفكري والحضاري، وجعلها ترتفع شيئا فشيئا عن مستوى سائر الأناسي الأخرى التي تقاسمها الأرض بعدما كانت مشغولة باتقاء البرد والجوع وصد عدوان الحيوانات، متوهمة بأن الدنيا مملوءة بالقوى المجهولة والإرادات المتعسفة المستبدة.

 ومع ذلك فقد بزغت من لب هذه الحقيقة المتواضعة ما يسميها ألبير باييه “الملحمة الإنسانية الكبرى”، ملحمة تجسدت وانبثقت حين شرع الإنسان يتحرر بالفكر، ويتحول تحولا فذا ومذهلا من مخلوق يرتجف إلى مخلوق يعرف، ليأتي عصر النهضة في أوروبا مدشنا لفجر جديد في حياة البشرية، من خلال حفره لانعطافة بالغة الأهمية قادت في النهاية إلى صياغة ملامح العالم اليوم بكل وضوح؛ فقد عاد العلم إلى الظهور أكثر تألقا وأشد إقداما مما كان عليه من قبل، وإذا بنا في عهد كوبرنيك وغاليلي وكبلر نشهد تلك الإنسانية نفسها التي كانت في ما مضى مُكبّة على الأرض، باحثة في قلق عن سبل العيش، وقد قذفت بنفسها تبتغي أن تفتح السماء، وانهزمت الكواكب، وسارت تحت لواء القانون الكبير الذي صاغه نيوتن وفق ألبير باييه في كتابه “دفاع عن العلم” بترجمة عثمان أمين.

العلم والسياسة

لوحة فادي يازجي
لوحة فادي يازجي

لقد كان العلم بكل فروعه ومجالاته المعرفية، في مقدمة الحرب على السلطوية ودكتاتورية التخلف والخرافة، ونحن ندين اليوم للعلم بتحرير الجنس البشري من نير الاستبداد وطغيان أصحاب الأفكار القديمة البالية، كما ندين له أيضا بالحرية الفكرية المتزايدة، حتى أضحى العلم والتنوير صنوين أو اسمين لشيء واحد، كما يرى حسين علي في كتابه “العلم والأيديولوجيا”.

 كل هذا التطور الذي حمل وعودا طوباوية جميلة وآسرة، تحقق بعضها مقدما صورة مشرقة عن جمال العقل البشري وقوته الإبداعية والخيرية، لم يكن بمنأى عن الاستخدام السيء وتوظيفه في مآرب أخرى تجافي روح العلم وغاياته ومقاصده، خاصة عندما نحا الساسة وأصحاب السلط والحكومات ناحية الاستقواء بالعلوم والتقنيات المختلفة لدعم تفردهم وأيديولوجياتهم واستبدادهم وتقويض إرادة الشعوب بما يلائم توجهات السلطة السياسية وخدمة أهدافها، في تزاوج مرضي وقسري فرضه الاستبداد على العلم، مشوها بذلك الجوهر الحقيقي للعلم باعتباره البحث عن الوقائع والقوانين بحثا بريئا كما يرى باييه.

وهكذا يمكن اليوم رصد تجلي هذه الثمرة الآثمة من خلال الترابطات الوثيقة التي أصبحت تنظم العلاقة بين التجمعات العلمية وبين أجهزة ومؤسسات السلطة السياسية كما يرى حسين علي إلى الحد الذي قاد عالما كبيرا بحجم ومكانة ألبرت أينتشين إلى النظر نظرة موغلة في التشاؤم جراء هذا الانحراف المريع في استخدام العلم، نافيا أيّ غاية نبيلة وشريفة للعلم، لأن هذا الأخير حسبه لم يستخدم حتى اليوم سوى في خلق العبيد. ففي “زمن الحرب يستخدم في تسميمنا وتشويهنا، وفي زمن السلم يجعل حياتنا قلقة منهوكة ومرهقة”.

 أما الكاتب الفرنسي سيوران المتوفى عام 1995، فقد حاول أن يعدل من سوداوية هذه الصورة ويرسمها في اتجاه آخر بالقول إن التقدم الإنساني حاصل ولكن دون تحقيق تقدم فعلي، وكل خطوة ضئيلة في التقدم سنندم عليها في ما يقبل من أيام، وكل إنجازات الجنس البشري ستتوجه في النهاية ضدنا وإلى صدورنا.

ولعل هذه الفكرة تجد مسوغا لها حتى في العالم القديم، بداية من أرخميدس (257 – 212 ق.م) الذي كان له حظ في زيادة معارف البشر، لكنه في الجهة المقابلة ساهم في إنقاص أعمارهم، فقد استحدث مخترعات آلية عجيبة وضعها تحت تصرف هيرون ملك سيراكيوز في حربه ضد الرومان، وقتل في النهاية على يد جندي روماني بينما كان مستغرقا في حل مسألة رياضية.

وقد استمر تطويع التطبيقات العلمية والتقنية في إفناء الآخرين منذ ذلك الحين حتى وصل الأمر إلى حدود خيالية بالقذف بكل ما جادت به علوم الذرة والبيولوجيا والرياضيات والفيزياء وغيرها من العلوم في ساحات الحرب وإخضاع الآخرين والسيطرة عليهم بما يملكون من معرفة، بغض النظر عمّا تثيره هذه الممارسات من مماحكات ونقاشات دياليكتيكية في ساحة الفلسفة الأخلاقية، لعل أبرزها موقف جان جاك روسو القادم من عصر الأنوار الذي أبدى امتعاضا من التطور الكاسح للعلم في زمانه دون كوابح، وتجلى ذلك في مقالة “خطاب حول العلوم والفنون” التي دونها من أجل مسابقة أكاديمية ديجون بفرنسا سنة 1750، وظفر بها على جائزة الأكاديمية في جوابه عن سؤال “هل أسهم إرساء العلوم والفنون في تطهير الأخلاق؟”.

 جاء جواب روسو بالنفي وبيّن فيه العلاقة العكسية بين تطور العلوم والفنون وفساد الأخلاق بتراجع الفضائل التي تربى عليها الوعي الأوروبي منذ الدرس الأخلاقي الإغريقي العريق، فيما كان عصر الأنوار متفائلا بالتطور الحازم للبشرية نحو ما يغذي طموحاتها ويجلب لها السعادة، أبدى روسو موقفا متشائما أمام انهيار الفضائل بمقدار صعود العلم.

في العصر الحديث تأسست بيروقراطية من أجل البحث والتطوير على مستوى الحكومات، كما تأسست المعاهد العلمية للاستشارة التي تعكس وظائفها الديالكتيك الخاص لنقل العلم إلى البراكسيس السياسي.

ينطوي مفهوم البراكسيس «praxis» على معنى المداومة وكثرة الاشتغال بالشيء، وهو من أصل يوناني «براكتيكوس»، ويُعدّ واحدا من المفاهيم التي شاع استخدامها في الفكر الفلسفي منذ ذلك الحين، وقد استخدمت للدلالة على النشاط المستمر الذي توضع من خلاله مبادئ العلوم موضع التطبيق.

ومن المعلوم أن حكومة الولايات المتحدة ترعى لوحدها خمسا وثلاثين من مثل هذه الوكالات العلمية، في إطارها يتكون تواصل دائم بين العلم والسياسة، يتعاظم دورها كلما كان هنالك توزيع لمهام البحث الاختصاصية، والمسألة تدور في الحوار بين العلم والسياسة حول سياسة بحث طويلة الأمد، وهذه هي محاولة وضع العلاقات بنموها الطبيعي بين التقدم التقني، وبين عالم الحياة الاجتماعية تحت الضبط.

الإنترنت والمعطيات

 
Thumbnail

في ظل الثورة الرابعة شهدت عملية تطويع العلم قفزة رهيبة جدا بدخول شركات كبرى لها ارتباطات بالكيانات السياسية في عمليات تدجين الشعوب والأفراد ومراقبتهم وهندسة سلوكهم وفق ما يخدم أجنداتها وأهدافها المعلنة وغير المعلنة، فسلطة إحداث التغييرات في العالم التي تناهت إلى ملوك الأعمال في العصر الحديث لتزيد بمراحل عن أيّ سلطة تناهت إلى أفراد في أيّ عصر مضى.

 وقد يكون هؤلاء أقل حرية في أن يطيحوا بالرؤوس مما كان نيرون أو جنكيزخان، ولكنهم يستطيعون أن يقضوا لهذا بالموت جوعا ولذاك بالثراء العريض، ويستطيعون تحويل مجاري الأنهار وإسقاط الحكومات في حد ذاتها، خصوصا بعد انتشار أجهزة الكمبيوتر وإنترنت الأشياء في جميع مجالات الحياة، فمجتمع الإعلام اليوم يتميز بالانتشار المستمر والمتزايد لأنظمة المعلومات التي تخترق تنظيماتنا الشخصية والمهنية، حيث تتأثر هذه الأخيرة في مجملها باستعمال المعلوماتية وذلك بغية خلق المعطيات وتخزينها وتحليلها وتدميرها إذا تطلب الأمر ذلك.

استخدام الإنترنت منتشر على نطاق واسع في أميركا الشمالية وكذلك في شمال أوروبا وغربها مع اختراق بنسبة أكثر من 90 في المئة، بينما تبقى النسبة منخفضة في وسط وشرق أفريقيا بأقل من 20 في المئة، لذلك أصبح استخراج البيانات منتشرا وكل ما يفعله البشر يوميا بالإنترنت مكشوف ومراقب، ونحن نعيش اليوم في عالم يزداد ازدحاما بالأجهزة المتصلة بالشبكات التي تلتقط اتصالاتنا وحركاتنا وسلوكنا وعلاقاتنا، وحتى عواطفنا وحالاتنا الذهنية، والتي توظفها الحكومات والدول في عمليات التحكم والسيطرة على الرأي العام.

استخدامات العلم في السياسة تتزايد باطّراد لغايات متعددة تصب جميعها في بوتقة تحقيق السيطرة وإخضاع الشعوب

شركات التكنولوجيا بخبرائها، لاسيما غوغل وآبل وفيسبوك وأمازون، صارت تستحوذ على بيانات مستخدميها لتخلق أشكالا جديدة من السلطة ووسائل التعديل السلوكي التي تعمل خارج الوعي الفردي والمساءلة حتى في البلدان التي تعرف بأنها ديمقراطية، مستغلة مخزونا هائلا من البيانات الضخمة المتأتية من استخدام المليارات من البشر لمواقع التواصل الاجتماعي الحديثة، ويكفي أن تثير فينا الفزع القدرة المهولة لشركة مثل غوغل، التي تمكنها من التنبؤ بسلوكات المستخدمين، واستغلال ذلك في أغراض تتعدى الإعلانات إلى أغراض أخرى استخباراتية وسياسية.

وقد ذكرت أستاذة العلوم الاجتماعية في جامعة هارفارد شوشانا زوبوف في كتابها المثير للجدل المعنون بـ”رأسمالية المراقبة” بأن التحليل التنبؤي للكثير من البيانات التي تصف حياة مئات الملايين من الناس وسلوكهم يسمح بتحديد الروابط والأنماط السلوكية، والاستدلال على المعلومات المتعلقة بالأفراد، والتنبؤ بسلوكهم المستقبلي، فالمستخدمون تحولوا إلى مادة خام، استخرجت منهم الشركة ما تُطلق عليه زوبوف وصف “الفائض السلوكي”.

ويتكون هذا الفائض من بيانات تتخطى ما تحتاجه غوغل لتحسين الخدمات التي تقدمها لمستخدميها. وبإضافة ذلك إلى قدرات الشركة الهائلة في مجال الذكاء الاصطناعي، مكّن السيل الجارف للمعلومات غوغل من خلق ما تراه زوبوف الأساس الحقيقي لصناعة المراقبة، أي “منتجات التنبؤ” التي تتوقع ما سيفعله المستخدمون “عاجلا أم آجلا”، ففيسبوك على سبيل المثال تقوم من خلال نظام قياس منسوب التصفح بستة ملايين تنبؤ بالسلوك اليومي للأفراد في الثانية.

وبرغم أن المراقبة لم تكن من صميم الخارطة الجينية للثورة التكنولوجية، إلا أن السلطة الأداتية التي تمتلكها معظم “الحكومات العالمة” بإمكانها تحويل

الحياة إلى مادة متحكم فيها، خصوصا إذا كانت لها ارتباطات وعلاقات متبادلة بين كبرى شركات التكنولوجيا.

القمع الآلي

لوحة نهاد الترك
لوحة نهاد الترك

 الرغبة في التحكم في السلوكيات الفردية واللعب بعواطف الأفراد واستمالتهم إلى ما يشبه العبودية الرقمية الطوعية القائمة على تقديم البيانات أساس اشتغال العالم الرقمي اليوم، إلا أن سؤال المستقبل والرغبة في التحكم في سلوكيات الأفراد المستقبلية يظل هدفا للحكومات والنظم السياسية تحت عنوان “الحكم بالخوارزميات”.

 فقد استفادت رأسمالية المراقَبة التي أتاحتها شركات التكنولوجيا الكبرى واستفادت من الحكومات، من التحول الذي تحدث عنه جيل دولوز من المجتمعات التأديبية كالأسرة والمدرسة، نحو مجتمعات المراقَبة المباشرة، حيث أضحت قادرة على تعديل السلوك البشري عالميا ليناسب الأهداف التجارية المختلفة من خلال الرهان على بيع الخدمات وشراء المراقَبة، مراقبة تتيحها الخوارزميات والذكاء الاصطناعي.

 لم يعد المُراقِب هو الفاعل السياسي والمُراقَب هو المواطن البسيط والمقهور، كما صوره جورج أورويل في روايته الشهيرة “1984”، وإنما أصبحنا أمام مواطن يقدم طوعيا بياناته لعالم “الأنفوسفير” أو المجال الاتصالي، لكي تُستخدم ضده تباع للفاعل الاقتصادي والسياسي من جهة، وتُستثمر في توجيه سلوكه المستقبلي من جهة أخرى.

 أضحى المُراقَب مسيرا ومشاهدا في الآن نفسه، في حين أن الفاعل الاقتصادي خفي وغير قابل للمساءلة ما دام المواطن يلج العالم الرقمي بطوعية نكون إذن أمام سيرورة رسملة للحياة الإنسانية تستفيد من الاقتصاد الإلكتروني من أجل مراقَبة الإنسان والتنبؤ بسلوكياته ولن تنتهي إلا برسملة و”أتمتة الإنسان نفسه” كما تقول شوشانا زوبوف في كتابها “رأسمالية المراقبة”، واليوم توجد أنساق من اللوغاريتمات للتوصية أو للمساعدة على اتخاذ القرار قادرة على رسم ملامح حالة العود المُحتملة للسجين، وكيفما كان سلوك السجين الواقعي وتاريخه ودوافعه الشخصية وكلامه الخاص، فإن الآلة ستقترح إما الاحتفاظ به في السجن أو إطلاقه بالسراح المُقيَّد.

 لقد برزت معالم الحكم بالخوارزميات والذكاء الاصطناعي من خلال نظام المراقبة الشاملة التي أفرزتها جائحة كورونا، وطفت على السطح تقنيات تتبّع وضبط ومراقبة جديدة تتحسس كل سكنات وحركات الناس/ المواطنين، لاسيما في الصين وبقية البلدان التي تشهد تطورا مذهلا في التكنولوجيا.

مستخدمو الإنترنت تحولوا إلى مادة خام، استخرجت منهم الشركة ما تطلق عليه زوبوف وصف "الفائض السلوكي"

فقد وظفت الصين أكثر الأنظمة تعقيدا لتحديد المخالطين عبر خوارزميات ذكاء اصطناعي تعتمد على مجموعة من البيانات الشخصية، واعتمدت السلطات الصينية في تتبع الفايروس على تطبيق “علي باي” (AliPay)، المحفظة الإلكترونية التي استبدلت في 2015 النقود والبطاقة الائتمانية كنظام دفع سواء في المتاجر الضخمة أو حتى للتبرع لمشرّد على حافة الطريق.

 وترتبط هذه التطبيقات بحساب البنك أو بطاقة الفيزا، ويصبح عليك فقط أن تمسح بكاميرا هاتفك رمزا إلكترونيا مربعا (QR code) على ملصق بجانب نقاط البيع ليأخذك هاتفك إلى صفحة تحدد بها المبلغ الذي ستدفعه، إضافة إلى تطبيق آخر يفرز المواطنين بناء على حالتهم الصحية ويمنحهم لونا معينا، لكن تبين لاحقا بأنه عند الانتهاء من التسجيل به، يرسل التطبيق ملفا إلى خادم مركزي (server) في مديرية الأمن العام الصينية يتضمن البيانات الشخصية وبيانات الموقع.

ونالت تقنيات تتبع الفايروس في الصين القسط الأكبر من اهتمام بعض المؤسسات الحقوقية، إذ وصفتها منظمة “هيومان رايتس ووتش” بالقمع الآلي، لذلك جاءت أكثر الانتقادات في سياق استخدام السلطات الصينية ذات التقنيات لتتبع معارضيها وخاصة مسلمي الإيغور، وعدم وضوح الخوارزميات المسؤولة عن تحديد كود الصحة الذي يسمح أو يمنع الأفراد من الدخول إلى الأماكن العامة، وامتدت الانتقادات حول مخاوف اختراق خصوصية المواطنين لتطال تقنيات تتبع كوريا الجنوبية وسنغافورة ودولة الاحتلال الإسرائيلي.

تتزايد باطّراد استخدامات العلم في السياسة، لاسيما العلمي التقني الذي يميز العصر الذي نعيشه، وهذا لغايات متعددة تصب جميعها في بوتقة واحدة تهدف إلى تحقيق السيطرة وإخضاع الشعوب لسلطة الممسكين بتلابيب القوة والسلطة، حيث تلجأ الحكومات والنظم السياسية دائما إلى السطو على الثمار الخيرة للعلم وتحويلها وتحويرها من أجل بسط نفوذها، فكلما ظهر اختراع أو تقنية جديدة إلا وكان لهذه النظم حظ وافر منها لا يمكن أن تتنازل عنه.

 وسيبقى هذا السلوك ملازما ومزمنا للطغمة السياسية في جميع دول العالم من أجل تحصيل القوة والسلطة والعبودية، ولو كان ذلك باتباع طرق وأساليب شريرة؛ لكن مع ذلك يجب القول، على رأي برتراند رسل، بأن القوة الجديدة التي يخلقها العلم تكون خيرة بقدر الحكمة التي يتميز بها الإنسان، وتكون قوة شريرة بقدر ما في الإنسان من حمق، لذلك فإن أريد للحضارة العلمية أن تكون حضارة خيرة، فقد وجب أن تقترن بزيادة المعرفة زيادة الحكمة، ونعني بالحكمة الإدراك السليم لغايات الحياة، وهذا في ذاته أمر لا يقدمه العلم.

10