ثمانون طريقة صوفية في مصر رهانها التعايش

الباحث عبدالحكيم خليل سيد أحمد يحاول في كتابه التأصيل النظري لظاهرة التصوف ومراحل نشأتها وتطورها وكيفية ظهور الطرق الصوفية داخل المجتمع المصري.
الخميس 2020/12/03
الصوفية ثقافة متعددة الألوان

الصوفية ليست فرقة واحدة بل هي متعددة، لكنها نجحت في الوصول إلى كل المناطق العربية وأكثرها بعدا، كما نجحت في أن تصبح ثقافة شعبية، مازالت ملامحها موجودة وظاهرة إلى اليوم رغم خفوت المد الصوفي. وربما نحن اليوم في حاجة ماسة إلى الصوفية التي تعتبر حاضنة هامة للتسامح والتعايش، وهذا يتطلب بداية فهمنا لها.

تمتد الطرق الصوفية في مصر بجذورها إلى القرنين الثالث والرابع الهجري وباتت من الظواهر الاجتماعية الثابتة التي تنتشر في ربوع البلاد، فغطت مساحتها الجغرافية كلها، حتى اللحظة الراهنة، فلم تكد تخلو قرية أو مدينة من أتباع هذه الطريقة أو تلك.

وقد بلغت الطرق الصوفية في مصر الـ80 طريقة، إلا أن أغلبها ينبثق في الأصل من 6 طرق كبرى هي “الرفاعية، والبدوية، والجيلانية، والشاذلية، والخلوتية، والدسوقية”، ولذا هي تتشابه في أورادها وشروط الانتساب لها والمواصفات المطلوبة في شيخها وآلية خلافة الطريقة.

التأصيل النظري

يتتبع الباحث عبدالحكيم خليل سيد أحمد في كتابه “الطرق الصوفية بين الوافد والموروث” قضية الوافد والموروث في الطرق الصوفية في مصر، مؤكدا أن التصوف يمثل ثقافة ذات جذور راسخة داخل المجتمع المصري بشكل خاص والمجتمع الإسلامي بوجه عام تتصل بالمشاعر العميقة للشعب، كما يمثل التراث الصوفي والحفاظ عليه مكسبا ثقافيا باعتباره جزءا لا يتجزأ من الهوية الوطنية، ويعبر عن التميز والتفرد القومي، وبالتالي تنمية الإحساس بالذات الثقافية والهوية الثقافية المتميزة نحو هذا التراث الشعبي.

التصوف يمثل ثقافة ذات جذور راسخة داخل المجتمع المصري
التصوف يمثل ثقافة ذات جذور راسخة داخل المجتمع المصري 

انطلق سيد أحمد في كتابه، الصادر عن دار مصر العربية، من محاولة التأصيل النظري لظاهرة التصوف ومراحل نشأتها وتطورها وكيفية ظهور الطرق الصوفية داخل المجتمع المصري وعوامل انتشارها، عارضا لأوجه التشابه ومظاهر الاختلاف بينها، وكذا عرض للتنظيم الإداري لها وأنشطتها المختلفة، ليتطرق بعد ذلك لأولياء الله الصالحين وفلسفة الوافد الموروث المرتبط بالجانب الروحي، ثم يتوقف مع البناء الاجتماعي للطرق الصوفية من حيث وسائل جذب المريدين وشروط الانضمام للطريقة والفئات الاجتماعية والانتشار الجغرافي لكل طريقة.

 كما يتحدث عن تجليات الرمز الصوفي في الطريقة الرقاعية، وعالم الكرامات في الطريقة البدوية، واللغة الصوفية وإعادة الإنتاج في الطريقة النقشبندية، وأخيرا التسامح الصوفي وتقبل الآخر في الطريقة الشاذلية خاصة والطرق الصوفية الأخرى عامة، حيث يعرض لمفهوم التسامح وقبول الآخر بوصفهما أساس الحياة الفكرية والروحية للطرق الصوفية.

يقول الباحث إن أولياء الله الصالحين الوافدين بثقافاتهم المختلفة عن تلك الثقافة التي تحيا بداخلها قد تبادلوا المفاهيم الصوفية والأفكار الخاصة بهذه الثقافات الوافدة علينا بالتأثير والتأثر ليس فقط على مستوى العلاقة التاريخية والاشتراك في البعد الوجداني الواضح فيهما، بل تجاوزت العلاقة ذلك لتصل إلى تشابه بنيوي ملفت من حيث السمات العامة والطموح إلى بناء ثقافة خاصة بعالم الأولياء وأتباعهم من المتصوفة على مر العصور، امتلك معرفتها الزهاد الأوائل، وأعاد صياغتها الأولياء من الرعيل الأول أمثال الجنيد وغيره، وحاولوا تطبيقها.

 ويرى أنهم بالفعل نجحوا في توطيد دولتهم الأوليائية التي تبنت نوعا من الثقافة الخاصة بهم التي قد تكون امتزجت فيها بثقافات يونانية وفارسية وهندية، إلى جانب الرسالات الثلاث التي تباينت في تناولها لأفكار الصوفية ومبادئها على مر التاريخ من اليهودية إلى المسيحية وأخيرا الإسلام. بما أحدث إثراء للثقافة المتلقية نتج عنه تحول وتلاحق وتناسل لمفاهيم وأفكار جديدة في أفضية متجددة وعوالم متكاثرة. تبنى فيها مجتمعنا تلك الأفكار الصوفية الوافدة إليه مع احتفاظه بخصوصيته الثقافية.

 وليس ذلك فقط بل قام على تبنيها ودعمها في شكل من أشكال التغير الثقافي والمزج بين ثقافتين احتاجت كل منها للأخرى لتعزز في ما بينهما المفاهيم التراثية والهوية العربية والدينية على حد السواء بين القديم والجديد والمواءمة بين الوافد والموروث.

ويرى سيد أحمد أنه كان لحركات الفتح الإسلامية لدول عربية وغير عربية أثرها في الاحتكاك الثقافي الذي استقى منه الصوفيون الأوائل أمثال ابن عربي والسهروردي والحلاج وغيرهم نظريات متعددة، استعانوا بها على تشكيل مناهجهم ونظرياتهم الصوفية الخاصة، وكان لمبدأ الحب في الله الذي اشتهرت به الزاهدة العابدة رابعة العدوية أثره الكبير في اتخاذ مبدأ التسامح وقبول الآخر، وإن لم يكن يدين بدين الإسلام، فهذه رابعة العدوية تشغل نفسها بحب الله الذي يملأ قلبها حتى لا يبقى مكان داخل هذا القلب لكره أحد حتى ولو كان الشيطان نفسه، وهكذا يتعامل الصوفية مع بقية المذاهب الإسلامية الأخرى بمقتضى قول النبي “من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم”.

ولهذا استوعبت الطرق الصوفية كافة الطوائف والمهن والثقافات والشرائح الاجتماعية داخل ربوع الوطن العربي والإسلامي وخارجه أيضا، حتى المخالفة في أفكارها الداعية إليها.

عبدالحكيم خليل سيد أحمد : الطرق الصوفية اعتمدت في نشر مبدأ التسامح والقبول والتعايش مع الآخر
عبدالحكيم خليل سيد أحمد : الطرق الصوفية اعتمدت في نشر مبدأ التسامح والقبول والتعايش مع الآخر

ويضيف “تبرز في حياة المجتمع المصري مثاليات الصوفية بما هيأت عبر القرون من تسامح فكري وتذوق الشعب طعم الوئام وازدهار العبادات وانطلاق الفنون والآداب، في إطار مطالعة عوالم الرأي والفكر في تحرر خلاق. ومن أهمها الآداب الموروثة في حلقات الورع والذكر والأناشيد وذكرى أولياء الله الصالحين، وغيرها من المناسبات الدينية الخاصة في مسالك الطرق الصوفية، وما تعنيه من مبادئ صلبة وممارسات حية للملايين من الأسر على مر العصور”.

ويتابع سيد أحمد أن الطريقة الشاذلية نسبة إلى الشيخ أبوالحسن الشاذلي اتخذت منهج التسامح وقبول الآخر أحد الأسس التي قامت عليها دعائمها، سواء كان بين أتباعها داخل الطريقة أو داخل المجتمع التي تقدم لصالحه خدمات تقدم من الطريقة لأفراد هذا المجتمع، على المستوى المحلي أو المستوى العام داخل ربوع المجتمع، والدافعة في الوقت ذاته إلى الأمن والاستقرار لأفراد المجتمع، لشدة الاحتياج إلى هذا السلوك والفهم الاعتقادي الذي يؤدي إلى التنمية الشاملة داخل المجتمع المصري.

الصوفية والتسامح

يؤكد الباحث أن التصوف اهتم كثيرا بخلق التسامح بينه وبين الآخر، سواء كان لهذا الآخر فكر أو مذهب أو عقيدة مختلفة، أو حتى دين غير هذا الدين الذي يدين به التصوف الإسلامي بشكل خاص. حيث يمثل التسامح لدى الصوفية منبعا من منابع الرسالات السماوية الذي يستمدون منه روحانية التصوف وصفاته الزاهية. ويمثل حرص الصوفية على التكافل والامتزاج، والتزاوج الداخلي والخارجي، وإحسانهم صنعا بإتقان لغاتهم واحترام عاداتهم والتقدم بهذا المنهج الإثنولوجي الرائع لنشر الصوفية، يمثل ذلك كله لب التسامح في أسمى معانيه.

ويشير سيد أحمد إلى أن الصوفية المسلمين ينظرون إلى المتصوفة من غير المسلمين نظرة غير مختلفة عن نظرتهم إلى قرنائهم المسلمين، فالجميع امتداد وطني شامل الأخلاق والمعاملة للأهالي ولبعضهم البعض. فالكل يدعو إلى طمأنينة النفوس، والارتباط بالله في غير تكلف أو مشقة، وإنما النفس الايمانية التي أقرتها الشعائر السماوية، دون الميل إلى لفة على حساب أخرى، أو جنس على حساب جنس آخر، لقوله تعالى “لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً”.

ولطالما اهتم التصوف وناشد أتباعه وكل من انتمى إليه فكرا أو سلوكا أو محبة إلى ثقافة التسامح والعفو وكظم الغيظ والترفع عن سفاسف الأمور والاشتغال بذكر الله، وهو بهذه الصفات استطاع بكل رسوخ البقاء على الحياد في صراعات الفرق والمذاهب الأخرى. فنجده قد تبنى ثقافة التسامح وعاشها واقعا من خلال فهمه لكتاب الله وفهمه للآيات الكريمة ذات الصلة، وفهمه واقتدائه بأخلاق رسول الله، ومن خلال قوله تعالى “خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ” في حين أننا تلمسنا واقعا في أخلاق وسلوك الصوفي المتسامح، والذي لا يعني في الوقت نفسه التنازل عن الثوابت الشرعية التي أمر الله بها ونهى عنها.

التصوف اهتم كثيرا بخلق التسامح بينه وبين الآخر سواء كان لهذا الآخر فكر أو مذهب أو عقيدة مختلفة

ويلفت سيد أحمد إلى أن الطرق الصوفية استبعدت منذ بداية نشأتها في عصورها الأولى صفة الجدال الذي يوصل صاحبه إلى نتيجة راضية بالنسبة إليه، لذلك نادوا بمبدأ “الجدال قتال” بمعنى البعد عن التخاصم أو العناد أو التشاحن ولو على مستوى القول، لما يؤديه في نهاية الأمر من الغضب والفرقة التي تغلق الباب أمام هذا الآخر في نقاش يعتمد على الإصغاء وتبادل الحوار في المستقبل، والإقناع عن طريق المعايشة بينه وبين الآخر، وترك حرية الاختيار في نهاية الأمر لهذا الآخر.

ويوضح أن الطرق الصوفية اعتمدت في نشر مبدأ التسامح والقبول والتعايش مع الآخر على عدة محاور ـ مبادئ منها أولا استخدام عصر المعلومات من خلال تطوير وسائل الاتصال التي تربط بين أفرادها وبين ربوع الوطن المصري والعربي على حد السواء. ثانيا انتقاء طبيعة الرسائل التي تتدفق من خلال هذا الوسيط الاتصالي وتطبيقاته في مجال الإعلان عن أنشطة الطرق الصوفية وبين أتباعها، وسرعة تدفقها وطرق توزيعها واستقبالها.

كما اعتمدت ثالثا على وسيط إعلامي، وعادة ما يكون من خريجي جامعة الأزهر المعروفين بالوسطية والاعتدال، يكون من شأنه تمثيل الطرق الصوفية، بما ينميها وينشر رسالتها الفكرية  والتربوية المعاصرة، خاصة المتعلقة بآثارها الإيجابية والسلبية على النشء، باعتبارها محورا أساسيا للتعامل مع الآخر ودعوته بالحسنى، اتفاقا مع قوله تعالى “وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ”.

15