ثمانون عاما على اكتشاف مملكة ماري: الوجه الحضاري المهدد

الجمعة 2014/02/28
أثار تعكس دور مملكة ماري كطريق تجارية بين بلاد الشام وما بين النهرين

باريس- بمناسبة مرور ثمانين عاما على اكتشاف مملكة ماري في موقع تل الحريري الواقع في سوريا على الضفة اليمنى من نهر الفرات، بالقرب من بلدة البوكمال والحدود السورية-العراقية، يقام في “معهد العالم العربي” في باريس معرض بعنوان “منذورون لعشتار، سوريا يناير 1934، أندريه بارو يكتشف ماري”.

هو معرض استثنائي يروي لنا حكاية اكتشاف مملكة تاريخية لعبت دورا مهما في الطريق التجارية بين بلاد الشام وبلاد ما بين النهرين، على يد فريق أثري تحت إشراف العالم الفرنسي أندريه بارو، وكان من نتائجه الباهرة الكشف عن صفحات مجهولة من تاريخ سوريا والشرق القديم.

يحكي المعرض معتمدا على عدد هام من الوثائق والصور التي تعرض لأول مرة، كيف حدث هذا الاكتشاف والمراحل التي مرت بها أعمال التنقيب خلال مرحلة الحكم الفرنسي لسوريا ولبنان بعد نهاية الحرب العالمية الأولى، والمراحل التي تلتها واستمرت حتى عام 2011. أما أندريه بارو (1901-1980) الذي ارتبط اسمه بهذا الاكتشاف فكان معروفا منذ مرحلة العشرينات بتخصصه في تاريخ الشرق القديم، وقد ساهم في العديد من التنقيبات في سوريا ولبنان والعراق، ومنها تلك التي حصلت في مدينتي جبيل وبعلبك.


كتابة مسمارية


بالنسبة لمملكة ماري، فإن ما لفت الأنظار إليها هو عثور أهالي المنطقة بالصدفة في شهر أغسطس عام 1933، أثناء التحضير لدفن أحد موتاهم، على تمثال لرجل مفقود الرأس وعليه كتابة مسمارية. فتمّ إبلاغ الضابط الفرنسي في بلدة البوكمال بما عثروا عليه وكان يدعى كابان، فساعدهم على انتزاع التمثال الذي يستعيد أجواء النحت السومري، وقام بدوره بإبلاغ مديرية الأثار التابعة للمفوضية السامية في بيروت.

ومن بيروت وصل خبر الاكتشاف الجديد الى باريس، وأيقن المهتمون الفرنسيون بالآثار الشرقية أهميته الاستثنائية، فطلب رونيه دوسو مسؤول قسم الشرق القديم في متحف “اللوفر” من العالم أندريه بارو أن يذهب دون تأخير إلى سوريا حتى يباشر أعمال التنقيب. وبالفعل، لبى بارو طلب رونيه دوسو وقام باستئجار منزل في بلدة البوكمال حتى يقيم فيه مع فريق عمله.

بدأت أعمال التنقيب في 14 ينايرعام 1933، وقد أسفرت عن اكتشافات مدهشة عكست حضارة متطورة. كان أول تلك الاكتشافات تمثال لرجل يقف وهو يضم يديه، وقد وردت كتابة مسمارية على كتفه تشير إلى أنه يدعى أشكي ملك ماري. هذا التمثال هو من ممتلكات متحف حلب، وقد أودع في المتحف السوري في إطار التعاون بين دائرة الآثار السورية ومتحف “اللوفر” الفرنسي.

مشاهد تختلط فيها الأسطورة بالمعتقدات الدينية ورموز السلطة وتمنح الملك مزايا إلهية

وعندما بدأ العمل على توسيع متحف “معهد العالم العربي” في باريس أعاره متحف حلب إلى المعهد، وهذا ما يفسر وجوده اليوم فيه وحضوره في المعرض، إلى جانب منحوتات أخرى بديعة عثر عليها في ماري وبالتحديد في معبد عشتار، إلهة الحب والخصوبة والحرب. وجميع هذه التحف تنتمي إلى مجموعة متحف “اللوفر” الذي أعارها خصيصا للمعهد بمناسبة المعرض المقام حاليا، وذلك في إطار اتفاقيات التعاون بين “اللوفر” و”معهد العالم العربي”.


وطني وسوريا


ازدهرت مملكة ماري في أواسط الألف الثالث قبل الميلاد ومطلع الألف الثاني، وقد عثر في أنقاضها على بقايا قصور ملكية ومعابد دلّت على تطور عمارتها المدنية والدينية، وكانت جدرانها مزينة بالرسوم الملونة. ومن بين قصورها، نشير إلى قصر الملك زمري ليم الذي شيّد في الألف الثاني قبل الميلاد، وهو يتألف من قسمين (شرقي وغربي) وتحيط به أسوار دفاعية.

من لوحاته الجدارية الشهيرة تلك التي تجسد تنصيب الملك زمري ليم على يد الآلهة، وتأتي في المقدمة الإلهة عشتار الواقفة على ظهر أسد. ويبدو الملك مرتديا ثوبا أنيقا وعلى رأسه القبعة الملكية ويحمل بيده عصا. مشاهد تختلط فيها الأسطورة بالمعتقدات الدينية ورموز السلطة وتمنح الملك مزايا إلهية، كما تبيّن كذلك نفوذه السياسي والاجتماعي.

بالنسبة للمنحوتات التي نشاهدها في المعرض فهي صغيرة الحجم ومصنوعة من الحجر الكلسي، وهي تبين أهمية هذا الفن في حضارة ماري واستناده إلى قيم روحية وجمالية عالية، ومنها التماثيل التي عثر عليها في معبد عشتار وتبدو فيها الشخصيات واقفة على قدميها ومحدقة بعيونها الواسعة والمكحّلة بالسواد بينما ترتسم على شفتيها ابتسامة رقيقة.

عانت مملكة ماري كغيرها من ممالك بلاد الشام وبلاد الرافدين من الصراع بين مختلف القوى المجاورة والتي كانت مهيمنة في زمنها، وقد تلقّت ضربة قاضية بعد أن هاجمها الملك حمورابي وقضى عليها، كما ورد في الألواح المسمارية التي تروي أنه أحرقها ودمرها بالكامل. وتبقى آثارها اليوم شاهدة على حضارتها المميزة وإبداعاتها في مجال الفنون والعمارة والاجتماع والسياسة والتنظيم المديني.

إنّ اكتشاف مملكة ماري كان من شأنه أن يغيّر في مسيرة العالم أندريه بارو، بل وساهم في منحه موقعا مميزا بين علماء عصره المتخصصين في حضارات الشرق القديم، كما أصبح المسؤول الأول عن القسم الشرقي في متحف “اللوفر” عام 1946، ثم مديرا لهذا المتحف من عام 1958 حتى عام 1962. ترى ماذا سيكون موقفه اليوم لو اطلع على التدمير الذي لحق بسوريا؟ وهو القائل “إنّ على كل إنسان متمدن في العالم أن يقول إنّ لي وطنين، وطني الذي أعيش فيه وسوريا”.

17