ثمانيني تخلى عن تقاعده ليثبت أنه ليس هناك وضع بلا أمل

السبت 2014/02/01
الإبراهيمي.. ومهندس اتفاق الطائف

لندن- اعتبر اختيار الأخضر الإبراهيمي لخلافة كوفي أنان في سوريا، مهمة إضافية شديدة التعقيد لهذا الدبلوماسي الجزائري المخضرم المتقاعد، وقد قال الإبراهيمي حينها: “لم أعتقد طوال حياتي المهنية أن هناك وضعا بلا أمل أو أنه من المستحيل تغيير الواقع القائم رغم كل ما يقال حولي”.

في المهمة الصعبة التي يضطلع بها في التوسط بين وفدي النظام والمعارضة السوريين في جنيف، يستخدم الأخضر الإبراهيمي (80 عاما) الحزم والبراغماتية.. والمزاح، ويتسلح بالصبر، مكررا أن مجرد جمع الطرفين إلى طاولة واحدة إنجاز في حدّ ذاته.

ويشرف هذا الدبلوماسي المخضرم منذ 25 يناير على “حوار” بين طرفين يتحاربان منذ ثلاث سنوات وجلبتهما الضغوط الدولية إلى جنيف، ويعقد يوميا مؤتمرا صحافيا مقتضبا حول مسار الجلسات من دون أن يشفي غليل الصحافيين الذين يتولون تغطية المحادثات.

ويدرك الإبراهيمي، منذ اللحظة الأولى صعوبة المهمة التي يقوم بها بين طرف متمسك بالبقاء في السلطة وآخر مصمم أكثر من أي وقت مضى على الإطاحة به عن سدّة الحكم. ولعل لإدراكه هذا جعله يقول إنه لم يشعر بأية “خيبة أمل” إزاء عدم تحقيق أي “تقدم ملموس" في المفاوضات، لأنه لم يكن ينتظر مثل هذا التقدم.على الرغم من تعقيدات المهمة، يبقى المبعوث الأممي والعربي سريع النكتة في أجوبته على الصحافيين التي تتسم بالكثير من العفوية.

ذات الروح يسعى إلى بثّها داخل الجلسات المغلقة، حيث يلجأ غالبا إلى ممازحة المفاوضين، بحسب ما نقل عنه أحد المشاركين. وقد قال للمجتمعين مرة “على الوتيرة التي نسير عليها، سيستغرق الأمر عشرين عاما. لا بد من الاستعجال، بعد عشرين سنة، لن أكون هنا”. وقال أشخاص حضروا اجتماعات مع الإبراهيمي إنه أوضح أنه يعول كثيرا على الارتجال في جزء كبير من عمله.

إلا أن ليونته الدبلوماسية لا تعني أنه لن يكون حازما عندما يستدعي الأمر ذلك. ويروي مصدر مطلع على المفاوضات أن الإبراهيمي تعرض في إحدى الجلسات لتهجم شخصي من أحد أعضاء وفد المعارضة، فكان جوابه قاسيا ومفحما.

كما يرفض في مؤتمراته الصحافية بإصرار الرد على ما يسميه “الأسئلة الملغومة” التي يطرحها صحافيون قريبون من المعارضة أو النظام وتتضمن مواقف سياسية أو تحاول جعله ينزلق في اتجاه اتخاذ موقف ما. ولم يتعرض أداء الإبراهيمي حتى الآن لأي انتقاد علني من أيّ من الطرفين. وقالت متحدثة باسم الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية رفيف جويجاتي إن وفد المعارضة “ممتن للسيد الإبراهيمي لتسهيله المحادثات وإعطائنا الفرصة لعرض رؤيتنا لسوريا الجديدة”. وأشارت إلى أن “كون الإبراهيمي عربيا ويتكلم العربية ويفقه الثقافة العربية، فهذا يلعب دورا مهما”.

ويقول فريد ايكهارت، المتحدث السابق باسم الأمين العام السابق للأمم المتحدة كوفي أنان إن “الأخضر الإبراهيمي يتمتع بنزاهة وصراحة متميزتين بالنسبة إلى دبلوماسي”، مضيفا “أعتقد أن هذا يجعله موضع ثقة على الفور”. وقد خلف الإبراهيمي أنان في مهمة الوساطة في سوريا بتكليف من الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون.

المبعوث العربي والأممي إلى سوريا يتمتع بصبر لا محدود بالنسبة إلى رجل بلغ الثمانين

ويقول عميد كلية العلاقات الدولية في جامعة باريس للعلوم السياسية غسان سلامة، الذي يعرفه عن قرب، إن الابراهيمي يتمتع أيضا “بصبر لا محدود بالنسبة إلى رجل بلغ الثمانين”، مضيفا “يبحث باستمرار عن نقاط الضعف عند المتنازعين ويسعى من دون هوادة وراء هدفه النهائي على الرغم من كل التعقيدات”.


نجاح في لبنان


ينحدر الإبراهيمي من أسرة جزائرية أرستقراطية وعزز سمعته كوسيط من خلال توليه منصب مبعوث الجامعة العربية في الحرب الأهلية اللبنانية خلال الثمانينات من القرن الماضي وأصبح أحد الشخصيات القليلة التي تخرج من العملية الدبلوماسية الطويلة بسمعة أفضل.

وبعدما حاول الإبراهيمي في أول الأمر تأمين إطلاق سراح رهائن احتجزتهم جماعات شيعية مرتبطة بحزب الله اللبناني، ساعد في التوصل إلى اتفاق الطائف في سبتمبر أيلول 1989 الذي أنهى الصراع اللبناني الذي استمر 15 عاما ما بين عامي 1975 و 1990. وأسس الاتفاق المعقد الذي بدا مستحيلا نظاما لاقتسام المناصب الكبرى في الدولة على أساس طائفي وظل متماسكا منذ ذلك الحين وأصبح فعليا دستورا للبنان.

ولم يمر اتفاق الطائف دون عقبات حيث اغتيل أول رئيس لبناني اختير للمنصب وفقا له وامتد وجود القوات السورية التي كان من المتوقع أن تنسحب في غضون عامين إلى نحو 15 عاما. لكن يظل الاتفاق رغم ذلك نموذجا ناجحا للدبلوماسية في الشرق الأوسط.

قضى الإبراهيمي ثلاث سنوات في بيروت من أجل هندسة اتفاق {الطائف} في 1991

والمهم هو أن الاتفاق حاز تأييدا، ليس فقط من الأطراف المتصارعة، وإنما من داعميها في الخارج أيضا على اختلاف توجهاتهم من دول غربية وعربية سنية وإيران الشيعية. وهذه هي نفس الأطراف التي تقف على هامش محادثات سوريا اليوم والتي بدا الاتفاق بينها بعيدا مثلما هو الحال الآن.

وبعض الوجوه في محادثات جنيف حاليا مألوفة وعملت مع الإبراهيمي وبنى معها عقودا من الثقة. وقال دبلوماسي عمل مع الوسيط الدولي في سوريا لحل مشاكل صعبة أخرى “تفوق خبرة الإبراهيمي في الشرق الاوسط أي أحد تقريبا في المنطقة.. يعطيه هذا ميزة كبيرة مقارنة بأي شخص يحاول الوساطة لحل الصراع في سوريا".


تاريخ حافل


درس الإبراهيمي القانون والعلوم السياسية في الجزائر وفرنسا. في سن الثانية والعشرين اختارته جبهة التحرير الوطني في الجزائر ليكون سفير ثورة التحرير في أندونيسيا ومنطقة آسيا، ولتكون بذلك بداية مسيرة حافلة تقلد خلالها عديد المناصب في بلاده وفي الأمم المتحدة. وعيّن أول سفير للجزائر المستقلة في مصر عام 1963. وشغل منصب مستشار سياسي للرئيس الراحل الشاذلي بن جديد في مطلع الثمانينات، ثم تم تعيينه كوزير للخارجية الجزائرية بين عامي 1991-1993.

إلى جانب مهامه الدبلوماسية، كلف الأخضر الإبراهيمي بمهام خاصة في الأمم المتحدة. ففي عام 2000 أعد تقريرا للأمين العام للأمم المتحدة عرف بـ”تقرير الإبراهيمي” حول عمليات الأمم المتحدة لحفظ السلام في العالم. وكشف التقرير فشل الأمم المتحدة السياسي والإداري والمالي في إدارة الأزمات. وقد حصل عام 2010 على جائزة الحكام الخاصة لتفادي النزاعات من طرف مؤسسة شيراك التي أسسها الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك لنشر السلم العالمي.

قال أشخاص حضروا اجتماعات مع الإبراهيمي إنه أوضح أنه يعول كثيرا على الارتجال في جزء كبير من عمله


لا وضع ميؤوس منه


بتوليه مهمة التوسط بين السوريين، يكون الدبلوماسي الجزائري تخلّى مرة جديدة عن تقاعده. وقد سبق له أن كان موفدا للأمم المتحدة إلى افغانستان بعد اعتداءات 11 سبتمبر 2001، وإلى العراق في 2003.

الإبراهيمي كان وزيرا للخارجية الجزائرية، وعرف للمرة الأولى كوسيط خلال المفاوضات بين الأطراف اللبنانيين في مدينة الطائف السعودية التي انتهت باتفاق وضع حدا لحرب أهلية استمرت 15 عاما.

ثم أصبح موفدا خاصا للأمم المتحدة في نقاط ساخنة عدة من العالم، إذ تولى رئاسة بعثة الأمم المتحدة في جنوب أفريقيا خلال انتخابات 1994 التي أتت بنيلسون منديلا لمنصب الرئاسة في جنوب أفريقيا. وأوفد إلى اليمن في خضم الحرب الأهلية.

والإبراهيمي عضو في مجموعة “آلدرز" (القدامى) التي تجمع شخصيات تعمل على حل النزاعات المسلحة بينها الرئيس الأميركي السابق جيمي كارتر وأنان والأسقف الجنوب أفريقي ديسموند توتو.

الأخضر الإبراهيمي، أصيل مدينة العزيزية جنوبي الجزائر، دبلوماسي محنّك، دخل معترك السياسة في أوج الحراك والعراك العالميين. يقول عنه المصريون إنه ابن ثورتان عريقتان، ابن طبيعي لثورة الجزائر وابن بالتبني لثورة مصر عام 1952. معاصرته لأهم الفترات في التاريخ العالمي المعاصر جعلته موسوعة تحفظ في ثناياها أسرار النزاعات والحروب وملفاتها.

ولما فاقت مهمة حل النزاع السوري قدرات كوفي عنان، الأمين العام السابق للأمم المتحدة الحائز على جائزة نوبل للسلام، أعلن انسحابه في آب واستلمها الإبراهيمي. وقد قال حينها عنان إن مهمة الوسيط الدولي في سوريا مستحيلة طالما استمرت حالة الانقسام الميؤوس منها بين القوى العالمية.

ولم يتوقع الكثيرون تقدما كبيرا من خليفة عنان في المنصب. لكن الإبراهيمي يرفض بعناد أن يستسلم في مهمته هذه. في أحد تصريحاته، حول المهام التي قام بها في حياته، قال الإبراهيمي إنه لم يشعر في أية مرة بأن “هناك وضعا ميؤوسا منه”.

15