ثنائية السماء الأرض

السبت 2016/03/05

انحكم الفكر العربي، وربما يكون ذلك منذ بدء إرهاصات النهضة العربية المجهضة منذ ما يربو على قرنين من الزّمان حتّى الآن، إلى مجموعات رزم هائلة من الثّنائيات المتجاوبة، في إطار مغلق، أو المتعارضة المتناقضة، المتصارعة في إطار تصوري لا يفارق مستوى التخييل أو التخيل الموهوم أو مدارات التجريد الذهني المفارق، وذلك لكونها مكبوحة عن اجتياز أدنى درجات التفاعل الخلاق مع صيرورة الحياة، والواقع المجتمعي الحي، ومتطلبات التطور والارتقاء المستجيبة لنبض الحضارة الإنسانية، ولتطلع الإنسان العاقل إلى إدراك تحقق وجودي أسمى وكمال إنسانيّ أتمّ وأعلى.

لقد تكفلت “أنظمة الكبح التّابوي” ليس بإغلاق إمكانية تجسيد خلاصات الفكر الفلسفيّ والاجتماعي الحرّ ونتائج تبصّراتهما واقعا في واقع الفكر والمجتمعات والأوطان العربية فحسب، بل إنّها سعت، طوال أزمنة الاستبداد السّوداء، لكبح إمكانية التفكير في الإقدام على إنتاج هذين الفكرين، كما تكفلت بسد أي منفذ قد يفضي عبوره إلى تحويل ما كان قد أفلت، خلسة، من نتائج تبصراتهما النادرة فرأى النّور، إلى وقائع فعلية تتجلى حضورا وفاعلية في واقع عربي مفتوح على آفاق ممكناته القادمة، دوما، من مستقبل مفتوح على مستقبل يأتي من المستقبل.

جراء ذلك، وبسبب من عجز الفكر العربي المقيد بأنظمة الكبح الكابوسي عن مقاربة رزم الثنائيات المتكاثرة بغية فتحها على تفاعل حر تفضي نتائجه إلى تمكينه من الشّروع في تشييد رؤية فكرية مستقبلية نهضوية مؤصّلة، ظلت بلاد العرب، المحكومة بالهيمنة الاستعمارية المتغايرة الوجوه والأقنعة، وبالاستبداد المحلّي المتعدّد الأشكال والألوان، مكبوحة عن الانخراط في صيرورة حراك نهضويّ يحملها إلى مستقبل يترسخ فيه حضور العرب في عالم حضاري متحول تتصاعد وتائر صيرورته وانتقالاته، وتتسارع خطوات أممه وشعوبه الذّاهبة، بدأب إنساني وجدارة حياتية، نحو آفاق حضارية أبعد وأعلى.

ويبدو منطقيا، كما كان المفكر المصري المرموق محمود أمين العالم قد بيّن قبل ما يربو على ثلاثة عقود ونيف، أن يكون تجريد هذه الثنائيات وتركيزها جميعا في ثنائية عمودية واحدة أمرا متاحا من الوجهة البنيوية التّكوينية، ويكون ذا دلالة ومغزى من منظور الفكر التحليلي العميق، بحيث “تصبح هذه الثنائية العمودية رمزا لتلك الثنائيات الأفقية، أو العكس”، فتصبح تلك الثنائيات الأفقية، وفق عبارة العالم أيضا، “جذرا موضوعيا لتلك الثنائية العمودية/ الرّمز”.

فما هي تلك الثنائية العمودية الرّامزة، التي تخترق، رأسيا، كلّ الثنائيات الأفقية المتجاوبة أو المتعارضة، والتي ظلت، في كلّ حال وحين من أحوال العرب وأحيانهم منذ صدمة الحداثة حتى اللحظة الرّاهنة، مكبوحة عن الشّروع في تفاعل خلّاق يؤسّس لانبثاق ما يتجاوزها، أو يحول دون استمرار تناقضها مكبوحا عن التفاعل على نحو تعسفي مدمر يكبح صيرورة الحياة ويحتجز مستقبل الأوطان والناس؟

ليست تلك الثنائية المركزة والرامزة، إلا ثنائية الأرض والسماء، وهي الثنائية التي نرى -تجاوبا مع تبصرات العالم بشأنها وتوسعا في إدراك امتداداتها ونتائج تكريسها- أنّ ثنائيات متجاوبة أو متعارضة تكاد لا تحصى أو تحصر في حيز أو نطاق أو مجال من مجالات الحياة والأنشطة الإنسانية، تلتصق بها في حالة سكون جامد يحول دونها والتحرك على محورها الرّاسخ الثّابت، فهي ثنائيات يؤسّسها وينحكم إليها الفكر الديني الموظف سياسيا لينتج أيديولوجيات سكونية تؤسّس أنظمة كبح تتركّز مهمتها في إشباع جشع المتوحّشين من البشر، عبر تعزيز هيمنة قوى الاستعمار والاستبداد والتطرف والعنصرية والظلامية لتمكينها من الاستمرار في سلب حقوق الآخرين والأغيار من الناس، وفي تسييج مساحات الكون والاستئثار بموارد الطبيعة والحياة وتطويعها لنفسها، وتسخير الناس جملة عبر احتكار الأروض وإغلاق أبواب السّماوات، وذلك لتأبيد وجودها في الوجود وكأنما هي، عبر جشعها المتوحّش وإرهابها المنفلت من كل عقال، نبع ديمومة الوجود وعلامته الخالدة.

وللتفكير في هذه المسألة صلة لعلّ مقالات لاحقة تكون حيزا متاحا لتوضيحها واستقراء تجلياتها وعقابيل رسوخها في حياة المجتمعات وعقول الإنسانيين، وغير الإنسانيين، من الناس، وأشباه الناس، والقابضين على جمرة الإنسانية الحقة من النّاس.

كاتب من فلسطين مقيم في سلوفاكيا

16