ثنائية المجرم والصحفي وتبادل الأدوار في "قصة حقيقية"

في الفيلم الجديد الذي يحمل عنوان “قصة حقيقية”، وهو أول أفلام المخرج الإنكليزي روبرت غولد القادم من الإخراج المسرحي، كانت لديه بالفعل “قصة حقيقية”، وحبكة يمكن إذا ما أحيطت بقدر من العناية اللازمة في رسم الشخصيات، أن تنتج عملا مثيرا يتجاوز فيلم التشويق إلى مناقشة قضية ذهنية فلسفية، كما كان لديه اثنان من الممثلين البارعين هما: جونا هيل وجيمس فرانكو، وكان في حاجة إلى دفع مزيد من الحيوية في الشخصيتين اللتين يتقمصانهما. ولو حدث ذلك لنجح الفيلم في إثارة الاهتمام في ما وراء نصف الساعة الأولى التي كانت توحي بأننا سنشاهد عملا دراميا كبيرا.
الجمعة 2015/08/14
ذروة اللقاء بين المجرم والصحفي تضيع من خلال السيناريو وتفاصيل الإخراج

فيلم “قصة حقيقية” لروبرت غولد مأخوذ عن كتاب بنفس العنوان للصحفي مايكل فينكل، وهو الشخصية الرئيسية في فيلمنا هذا، ويقوم بدوره جونا هيل (وهو ممثل جيد سبق أن تألق حديثا أمام ليوناردو دي كابريو في “ذئب وول ستريت” لسكورسيزي).

ومع ذلك وبعيدا عن كون هيل يقوم بدور غير مناسب له تماما، رغم ما بذله من جهد لكي يتلبس الدور ويضيف إليه من ذاته، فالفيلم يبدأ من الحادثة التي كانت سببا في طرد هذا الصحفي من مجلة “نيويورك تايمز” بعد أن قام بتلفيق قصة صحفية عن استمرار تجارة العبيد في أفريقيا حاليا، عن طريق “فبركة” مقابلة مع شاب أفريقي ليست له أي صلة بالموضوع، فقط لمجرد رغبته “الشخصية” في لفت أنظار الرأي العام إلى ما يحدث من استغلال للبشر، أي أن نيته كانت جيدة لكن الوسيلة مضللة وخارجة عن الأطر المهنية.

كشف اللغز

من هذا الخيط الأول في حياة فينكل الذي يتعاطف معه السيناريو بوضوح، ننتقل إلى الخيط الثاني، فبعد أن يطرد فينكل من عمله في نيويورك، يذهب إلى مدينته في ولاية مونتانا، حيث تقيم زوجته الحسناء (فليسيتي جونز) التي تعمل في مكتبة المدينة. في الوقت نفسه، وفي المكسيك يقدم شخص نفسه لسائحة ألمانية يلتقيها في متحف باعتباره مايكل فينكل، قائلا لها إنه صحفي من “نيويورك تايمز”.

لدينا إذن شخصان يحملان اسما واحدا ومهنة واحدة، لكن اللغز لا يطول، فسرعان ما يتلقى فينكل (الحقيقي) مكالمة هاتفية من شخص يخبره أن الشرطة قبضت في أوريغون على شخص يدعى كريستيان لونغو (جيمس فرانكو) قتل زوجته وأبناءه الثلاثة، وأنه كان قد انتحل بعد فراره إلى المكسيك شخصيته.

كون هيل يقوم بدور غير مناسب له تماما رغم ما بذله من جهد لكي يتقمص الدور ويضيف إليه من ذاته

وبحسّ الصحفي الذكي تتفتح شهية فينكل لمعرفة سبب انتحال شخصيته من قبل هذا القاتل، فيقابله داخل السجن، ليعرف منه أنه شديد الإعجاب بكتاباته الصحفية التي يتابعها من سنوات، ويعقد الاثنان اتفاقا على أن يطلع لونغو فينكل على كل ملفاته وأوراقه، ويمنحه أيضا مقابلة صحفية خاصة استثنائية، مقابل أن يعلمه فينكل الكتابة، وأن يتعهد بألاّ يكشف للمحققين ما سيدلي له به من اعترافات.

نصل إلى هذه المرحلة من الفيلم لنتوقع أن يبوح لونغو بما يكشف عن دوافعه في قتل زوجته وأبنائه، لكن ما يحدث أنه يبدأ في المراوغة مع فينكل، كلما تطرق الحديث عما إذا كان قد ارتكب الجريمة الثلاثية، ثم يوحي له بأنه بريء، ويستنتج فينكل أنه ربما كان يتستر على طرف آخر لا يريد الكشف عنه، وهو استنتاج يؤيده لونغو دون أن يبوح بهوية ذلك الشخص الآخر.

ويصبح فينكل شديد الحماسة لبراءة لونغو من تلك الجريمة البشعة التي يؤكد له الرجل أنه كان من المستحيل أن يرتكبها، وأنه كان يحب زوجته وأبناءه كثيرا، إلى أن نصل إلى لحظة مثوله أمام المحكمة، لنفاجأ باعترافه بقتل زوجته وواحدة من ابنتيه، لكنه ينكر قتله الطفلين الآخرين.

لقطات استرجاعية نرى الشرطة وهي تستخرج الحقائب التي وضعت فيها الجثث، من مياه النهر أسفل جسر بالمدينة

وفي لقطات استرجاعية نرى الشرطة وهي تستخرج الحقائب التي وضعت فيها الجثث، من مياه النهر أسفل جسر بالمدينة، وعند هذه النقطة يروي لونغو بشكل مؤثر كيف أنه عاد إلى منزله ذات يوم، ليجد أن زوجته تحت وطأة الظروف الاجتماعية الشاقة التي كانت الأسرة تعيشها (البطالة، وانعدام الدخل، إلخ…) قتلت اثنين من أبنائهما، ثم ضربت ابنتهما الكبرى وتركتها بين الحياة والموت، فثارت ثائرته وأصيب بنوع من الغياب المؤقت عن العقل، وقام بقتل زوجته ثم مارس “الخنق الرحيم” لابنته.

هنا يتوقف الفيلم عن إثارة الاهتمام، فالسيناريو يكشف عن تفاصيل لا يمكنها أن تقنع أحدا، ويبذل المخرج جهدا كبيرا في تصويرها ويخصص مساحة كبيرة من فيلمه لسردها سينمائيا، غير أنه يتوقف عند التأكيد على قناعة الصحفي ببراءة القاتل، إلى أن تأتي اللحظة الأخيرة، عندما يقضي المحلفون بإدانة لونغو، ليكتشف فينكل، دون أن نعرف كيف، أنه خُدع، وأن لونغو كان يتلاعب به طول الوقت، وأنه حتى بعد أن يواجهه المواجهة الأخيرة بعد صدور الحكم بإعدامه، يبدو غير نادم، بل ويقول له بكل بساطة إنهما متشابهان، أي فكما خدع فينكل قراءه، خدع هو فينكل.

الفكرة التي أضاعها الفيلم -من خلال السيناريو وتفاصيل الإخراج- هي الفكرة التي كانت جديرة برفع الفيلم إلى مستوى آخر وإنقاذه من الغرق، وهي كيف أن علاقة الصداقة الغريبة التي تنشأ بين الصحفي والقاتل، يمكن أن تحوّل الصحفي تدريجيا، إلى متورّط في التستر على القاتل، بعد أن ينجرف بفعل تلك الثقة الخاصة التي أولاها له، ليصدّق ما يقال له وبالتالي تركيز بحثه على النقاط التي تبرّئ صديقه الذي ينجح في السيطرة عليه واستخدامه بطريقة شديدة الذكاء، لكن هذا تحديدا ما أفسدته المعالجة السينمائية.
شخصية فليستي جونز "زوجة فينكل أو صديقته، فالفيلم لا يوضح" هامشية زائدة ليس لها وجود عضوي في الفيلم

فيلم النوايا الحسنة

صحيح أن فينكل يبدو مندفعا في مقابلاته الحماسية مع لونغو بغرض الانتهاء من الكتاب الذي تعاقد على نشره مقابل مبلغ كبير ينقذه من مأزقه ويعيده إلى الأضواء مجددا، ولكن ليس صحيحا أن فينكل هو الوجه الآخر للونغو، أي أنه كان أيضا يستخدم لونغو بقدر استخدام الأول له.

هذه الفكرة تظل باهتة، كما تظل فكرة الخيط الرفيع الذي يفصل (أخلاقيا) بين الإخلاص للحقيقة والإخلاص للفكرة النظرية المجردة، فكرة نظرية لم يولها الفيلم اهتماما كبيرا كما كان ينبغي، وهو ما يجعل الفيلم ينحصر في نطاق أفلام “النوايا الحسنة”.

جيمس فرانكو بصوته الهادئ، ونظرات عينيه الحانيتين، وهمساته الخاصة، لا ينجح في تجسيد شخصية قاتل خطير الشأن، كما لا يمكن لهذه الملامح التي تجعله سلبيا تماما، لا يسعى حتى إلى تبرئة نفسه، فكيف تفسر أنه يمكنه أن يفقد رشده، ويقتل ثلاثة أشخاص من أقرب الناس إليه في لحظة جنون.

وأغلب الظن أنه ارتكب الجريمة بدم بارد، ولكن التفسير أيضا غائب فهو لا يبدو كقاتل سيكوباتي. أما جونا هيل فبدا مندفعا أكثر مما ينبغي، في الدفاع عن لونغو.

وتبدو شخصية فليستي جونز (زوجة فينكل أو صديقته، فالفيلم لا يوضح) هامشية زائدة ليس لها وجود عضوي في الفيلم، وبدت اللقطات القريبة والكثيرة لوجهها، مجرّد استغلال لجمال وجهها وجاذبيته دون أن يكون لهذا التركيز معنى في السياق.
16