ثوار سوريا وفك الارتباط مع جبهة النصرة

السبت 2016/04/09

لقد بات واضحا أن إرساء دعائم أي حل سياسي في سوريا يتطلب إنهاء وجود كل من تنظيميْ داعش وجبهة النصرة. وفي حين توفر عزلة تنظيم داعش والعداء المكين الذي يحظى به من قبل مختلف الأطراف إمكانية كبيرة للقضاء عليه، نسجت جبهة النصرة علاقات قوية مع غالبية فصائل المعارضة، بحيث لم يعد ممكنا إنهاء وجودها من دون حدوث “فك ارتباط” بين الجانبين.

أصرت فصائل الثورة السورية طيلة السنوات الماضية على أولوية قتال الأسد، واتخذته مبررا من أجل تعزيز التعاون العسكري مع تنظيم القاعدة في سوريا. لم تكن جبهة النصرة قد وطدت سلطتها الوحشية في الأراضي المحررة عندما أعلن أعضاء في المعارضة السياسية أهمية التحالف معها ورفض وضعها على لائحة الإرهاب. ولم تمنع مبايعتها العلنية لتنظيم القاعدة إحدى أكثر شخصيات المعارضة “اعتدالا”، والمقرب من موسكو، الشيخ معاذ الخطيب من وصفها بأنها جزء من الثورة. اليوم، تبددت الأوهام المتعلقة بجبهة النصرة، وباتت تعتبر على نطاق واسع خارج إطار الثورة السورية، ولكن فقط بعد أن تعقدت إمكانية فك الارتباط بها، إذ بات وجودها راسخا في معظم جبهات القتال.

ومع التقدم باتجاه التسوية السياسية في جنيف، تبدو مسألة فك الارتباط تلك شديدة الأهمية وقد بدأت تحظى باهتمام الولايات المتحدة وحلفائها بما يخص الصراع السوري. أما موسكو فبقدر ما هي معنية بحدوث اختراق على صعيد التسوية السياسية، لكنها لا تأمل في حدوث ذلك الانفصال، إذ لا تزال تتطلع إلى تكريس روايتها والتي تتهم الغالبية العظمى من فصائل المعارضة المسلحة بأنها “تحمل فكر القاعدة”.

لكن بداية فك الارتباط بدأت بالفعل، منذ أشهر، مع إطلاق العملية السياسية ومع ثلاثة أحداث هامة. الحدث الأول هو اجتماع الرياض الذي حضرته معظم الفصائل المسلحة ولم تحضره جبهة النصرة. ثم جاء تأييد تلك الفصائل لعملية سياسية دولية تستثني جبهة النصرة وتعتبرها منظمة إرهابية. وأخيرا، كان الحدث الأهم وهو الموافقة على خطة “وقف الأعمال العدائية” والتي لم تتضمن جبهة النصرة.

قبل أشهر فقط، لم تبد أن هنالك، على المدى المنظور، أي إمكانية لإضعاف أواصر التعاون، التي ارتقت إلى حدود الشراكة الكاملة في معارك إدلب، بين جبهة النصرة والمعارضة السورية. لكن الروابط باتت واهنة كما لم تكن من قبل، فيما راحت التباينات المحدودة بين الطرفين تتسع وتقترب من تحولها إلى هوة شاسعة.

ظهرت تلك الهوة بوضوح في الأحداث الأخيرة في بلدة معرة النعمان التي كانت تتواجد فيها الفرقة 13 من الجيش السوري الحر إلى جانب جبهة النصرة. وقد اختارت الأخيرة بعد عودة التظاهرات المدنية المؤيدة للجيش الحر أن تنهي وجود الفرقة 13 كما فعلت سابقا مع فصائل أخرى. كانت المفاجأة بخروج تظاهرات كبيرة ضدها رغم سيطرتها التامة على المنطقة. وفي حين لم نشهد ردة فعل مباشرة من بقية فصائل المعارضة السورية، لكنه بدا واضحا حجم الضغوط والتهديدات التي مورست على جبهة النصرة لإيقاف اعتدائها على الجيش الحر وإطلاق سراح الأسرى. ولقد شكلت استجابة جبهة النصرة لتلك المطالب، وكبح همجيتها أمام تظاهرات المدنيين، أمرا غير مسبوق، وهو يشير إلى أنها باتت تستشعر الهوة التي تفصلها عن جمهور الثورة السورية وفصائلها. في الوقت الحاضر، اختارت النصرة ألا تزيد في اتساع الشرخ بين الجانبين، ولكنها تعد العدة لصدام وشيك، قد تبادر إليه بنفسها وبصورة مباغتة.

أتاح وقف إطلاق النار فرصة مثالية لعودة التظاهرات التي اتخذت على الفور اتجاها واضحا معاديا للاستبداد بكل أشكاله: استبداد الأسد، داعش، وبالطبع جبهة النصرة. ولقد كشف ذلك، بوضوح، أن الجبهة باتت معتمدة بصورة كبيرة على استمرار الأعمال العدائية في بقائها، وأن أي تخفيض في حدة العنف والمعارك من شأنه أن يساهم في إضعاف روابطها مع المعارضة المسلحة.

فشلت مطالبات الولايات المتحدة للفصائل المسلحة بإيقاف تعاونها بشكل تام مع جبهة النصرة واعتبارها تنظيما إرهابيا وصولا إلى قتالها. ذلك أن المعارضة غير مستعدة للدخول في حرب مع تنظيم يضم الآلاف من المقاتلين السوريين الذين يهجسون، أساسا، بأولوية قتال الأسد ما لم يحدث انتقال سياسي ملموس.

تعتبر فصائل المعارضة المسلحة أنها قامت بدورها بما يخص تسهيل عملية فك الارتباط مع جبهة النصرة، وعلى الغرب أن يقوم بدوره في هذا السياق. إذ لم يكن يسيرا عليها أن تدخل في نفق التسوية السياسية المظلم ولم يكن قد ظهر أي ضوء في نهايته بعد. لم يكن يسيرا أن تدخل في متاهة التسوية التي وضعت شرط رحيل الأسد جانبا. وأخيرا، ابتلعت المعارضة المسلحة، بمرارة، قرار وقف إطلاق النار مع قوات الأسد رغم ما يتسم به من حساسية شديدة.

مع سير المعارضة السورية في ذلك المسار تكون قد اختارت بداية الصدام مع جبهة النصرة التي ترفض فكرة التسوية وتخوّن من يقبلها. وتكون بذلك قد منحت الغرب والدول الإقليمية الفرصة المواتية لتكريس فك الارتباط مع تنظيم القاعدة، وهو ما لا يمكن أن يحدث من دون السير في الانتقال السياسي، الذي لا يزال يبدو متعثرا.

كاتب فلسطيني سوري

9