ثوانٍ من لقاء سارتر

الرئيس جمال عبدالناصر كان يرى في سارتر أحد أبرز المثقفين في أوروبا الذين يدعون إلى تغيير ثوري يجدد حيوية فرنسا والقارة الأوروبية بمجملها.
الأحد 2021/08/22
فيلسوف وجودي ترك بصمته في مصر

في منتصف مارس 1967 كنت فتى فارعاً يقترب من سن السابعة عشر. وفي ذلك الشهر، كان الفيلسوف الوجودي جان بول سارتر يزور مصر مع صديقته سيمون دي بوفوار بدعوة من صحيفة “الأهرام”. وقرأنا أن الرئيس جمال عبدالناصر أظهر الرغبة في لقاء مع الزائر وصديقته، إذ كان يرى في سارتر أحد أبرز المثقفين في أوروبا، الذين يدعون إلى تغيير ثوري يجدد حيوية فرنسا والقارة الأوروبية بمجملها. وبحكم الميول السياسية لجمال عبدالناصر، وموقف سارتر الإيجابي من الثورة الجزائرية أثناء اندلاعها، رتبت السلطات المصرية زيارة للزائريْن إلى غزة لكي يريا مخيمات اللاجئين، والحدود القريبة مع بلادهم، والحال العامة هناك. وعندما بدأت تلك الزيارة، علمت أن يوم الغد سيشهد جولة لسارتر وسيمون دي بوفوار في شارع عمر المختار الرئيسي في المدينة. فانتقلت من خان يونس إلى غزة لكي أكون هناك وألتقي سارتر بهندام لائق. وقد حرصت يومها على أن يكون في يدي كتاب اللغة الفرنسية، التي كنا نتعلمها بدءاً من السنة الثانوية الأولى.

صورة تخلد زيارة جان بول سارتر لمصر مع صديقته سيمون دي بوفوار بدعوة من صحيفة الأهرام

كأنما كنت على موعد مع سارتر. فما أن ترجلت من السيارة، حتى لمحته وصديقته على بعد خطوات. فليس أسهل من التعرف عليه، من خلال الصور التي نُشرت، ومن خلال طبيعة الألوان في لباس المرأة ولون بشرة الرجل. تقدمت إليهما وأوقفتهما وسلَّمت. ألقى سارتر نظرة سريعة على الكتاب الذي في يدي وابتسم. لم أفطن ساعتها إلى أن عنوان الكتاب هو الذي دعا إلى التبسم. فهو “مون ليفر” أي “كتابي” ومن الطبيعي أن ترتسم المفارقة، عندما يشاهد الفيلسوف، شاباً فارعاً وفي يده كتاب يليق بطفل في السنة الأولى الابتدائية. وفي الحقيقة، لم أكن سأتنبه وقتها، لتلك المفارقة. وربما يكون سارتر قد استعاد في ذهنه شيئاً مما كتب “اللغة لدينا، بنفس منزلة جسدنا، حيث نشعر بها ذاتاً، ثم نتجاوزها لندرك ما وراءها من غايات أخرى، على نحو ما نشعر بأيدينا وأقدامنا”!

كان لعبدالناصر أيامها مشروعه الاجتماعي. فالرجل، للإنصاف، يُظلم حين يختزله الإسلاميون بأنه واحدٌ من العسكر، ويختزلون تجربته بجملة قصيرة، عن الأمن، وينسجون لها قصصاً ومطولات ومبالغات، في محاولة لطمس الفحوى الوطني للتجربة، وأصوليتها حيال قضايا الأمة وشعوب المستعمرات، وتغالط حقيقة الشعبية العارمة التي كان يتمتع بها ذاك الرجل. بل تغالط ما كتبه في الخمسينات كل مفكري مصر وأدبائها، وعلى رأسهم طه حسين، عن حال مصر والمصريين، ليس على صعيد الأمن وحده، وإنما على كل أصعدة البؤس في البلاد. فقد استطال الحوار طويلاً وغنياً بين سارتر وجمال عبدالناصر. فقد سأله الأول بعض الأسئلة المصيرية، وأجابه عبدالناصر على أسئلته قائلاً إن القضية التي تشغله الآن، أكثر من غيرها، هي أن العالم كله يحاول إخراج الشباب من السياسة، ويحاول إلهاءهم بأنواع من الرقص الجديد، لتحويل اهتمامهم عن قضايا مصيرهم، وأردف قائلاً “إنني أرى ذلك خطراً كبيراً. فالقضية التي أتمنى لو استطعت أن أركز عليها هي أن يشعر الشباب بأن السياسة هي عملية صنع مستقبله. فإذا حجبنا الشباب عن العمل السياسي، تتوقف حيوية الأنظمة ويزداد الاعتماد على عناصر القوة في المجتمع مثل الجيش مثلاً. وهذه ليست وصفة مضمونة لحماية التطور”!

هكذا كان يقول واحدٌ من “العسكر” كل ذنبه في حقيقة خلفيات من ظلوا يهجونه لأكثر من نصف القرن؛ أنه لم يدع الأصوليين يحكمون بلاده المتنوعة دينياً وثقافياً.

24