ثوب السلطان

السبت 2014/06/28

يرى بعض المراقبين أن تقنية النفاق، هي من أكثر أنواع السلوك البشري رواجا في هذه الأيام، كما يعبرون عن قلقهم من تنامي هذا السلوك وتحوله من مجرد ظاهرة إلى شر اجتماعي لا بد منه، شأنه شأن الزواج، طبعا مع اختلاف الأهداف والمصالح. النفاق مرض اجتماعي خطير ومزمن، أما العدوى فهي أسرع انتشارا من فايروس الانفلونزا، كما أن العلاج غير متوافر حاليا، بسبب عجز مراكز الأبحاث النفسية والاجتماعية عن تشخيص العلّة وتحديد أبعادها وقياس مدى انتشارها الجغرافي.

تلتقي أعراض النفاق وتفترق مع مجموعة من السمات الاجتماعية البشرية المشابهة، مثل الكذب والاحتيال والمجاملة وحجب الحقيقة والتدليس وغيرها الكثير، أما النفاق فيستأثر وحده –من بين هذه السمات- بالمظهر الأنيق واللباقة والحنكة وبقدرته الفريدة أيضا على تشويه الوقائع وتحييد القبح.

عادةً، يلجأ بعض الناس إلى هذا الخيار السلوكي لتجنب الوقوع في المحاذير، فالنفاق مثلا أسهل بكثير من الوقاحة وهي سلوك إنساني جريء واضح وغير متلون، ولذلك يعاني كثيرا من الظلم وسوء الفهم، حيث يفسر بعض المتحفظين قول الحقيقة في وضح النهار ومواجهة الكذب القبيح بكونه وقاحة غير ضرورية، تسيء لسمعة صاحبها وتحشره في زاوية ضيقة من الحياة الاجتماعية بعيدا عن مجتمع النفاق. في حين، تقع الوقاحة في رأي بعض المفكرين في باب الفصاحة اللغوية والنصاحة السلوكية، فالوقاحة – في الأقل- تكفينا شر المنافقين والنمامين والمدّعين والمتحذلقين ورفقاء السوء، فهي الوصفة السحرية التي لا تخطئ للانفلات من قيود المواقف الاجتماعية ثقيلة الظل.

ويشترط بعض المؤيدين لنظرية الوقاحة هذه، بضرورة استخدامها بروية وحذر كبيرين والامتناع عن التصريح بها – خاصة- أمام الأصدقاء الحسودين وأرباب العمل الهستيريين والسلاطين والحكام الدكتاتوريين، لأن الصراحة أو (الوقاحة) قد تودي برأس صاحبها أو مصدر رزقه في أقل تقدير.

وعلى ذكر السلاطين، يحكى في سالف الأزمان أن خياطا ماكرا عرض على السلطان أن يخيط له ثوبا عجيبا لا يراه إلا المخلصون من وزرائه والأوفـياء من أبناء شعبه. ولأن السلاطين لا يثقون حتى بذرات الغبار التي تنام على عتبة نوافذهم، فقد وافق سلطاننا هذا على فكرة الخياط المغامر ومنحه فرصة زمنية قصيرة لخياطة الثوب. اقـترب الموعد ولم يحدث شيء، فـأرسل حاجبه إلى الخياط ليطمئن على سير العمل في ثوبه، وحين طرق الحاجب الباب فـتحت الزوجة وأخبرته أن زوجها منهمك فـي إضافـة اللمسات الأخيرة على الثوب، فما كان من الخياط الماكر إلا التظاهر بإمساك قـماش خـفـي بين يديه يدخل فـيه إبرة وخيط ويموجهما فـي الهواء. وكان هذا التظاهر قد انطلى على الحاجب المغلوب على أمره. بالطبع، لم ير الحاجب شيئا لكنه خشي من اتهامه بعدم الولاء، فـبدأ بالإطراء على الثوب وجمال نـقـشه، وحين أخبر السلطان بما رأى زاد تعلـق الأخير بالثوب العجيب.

وفي الموعد المحدد، حضر الخياط إلى قـصر السلطان متبخترا ورافـعا يديه في الهواء، وكأنه يمسك بالثوب الخـفـي. وعلى الرغم من أن السلطان لم ير شيئا، إلا أنه كان (مأخوذا) بكبريائه ومتوسلا بإخلاص ووفاء أتباعه، وهكذا، خرج فـي موعد الاحتـفـال المـقـرر على شرفـة الـقـصر لتحية الشعب، وهو عار تماما فـحياه الشعب بالمثل، الشعب الذي غض طرفه عن المشهد المكشوف يأسره الخوف من بطش السلطان. وهكذا هو الأمر دائما، في مملكة الخراف المجبولة على طاعة الأسد الذي يستأثر بالحكم، عاريا كان أم مستورا.

20