ثورات شعبية.. وإسلاميون بلا أفق

الأربعاء 2013/11/27
الحضور الإسلاموي في الثورة السورية لم يؤد سوى إلى مزيد تكريس ضبابية المشهد المعقد

لم تستطع الحركة السياسية الإسلامية التوافق مع العصر، أي مع مفهوم الدولة الحديثة أبداً؛ فقد ظل توجهها محكوماً لحاكمية إلهية، ولسلطة شرعية تهدف إلى دولة إسلامية. أكثر المعتدلين فيها لم يستطع تجاوز ذلك، وإن فهموا ذلك، يتم تصنيف شعب كطوائف، ومذاهب، وطبعاً ستكون الولاية للمسلمين على بقية الخلق.

هذا الفهم لا علاقة له بالعصر ما دام يتجاوز الديني إلى الدنيوي، حيث الأفراد متساوون أمام القانون، وينظم ذلك مبدأ المواطنة، وفي ذلك لا فرق بين مسلم أو غيره، إلا بما يحوز من مهارات وصنعات ومال.

هذه العقلية دينية بامتياز، ولكنها طائفية كذلك؛ دينية لأنها تستمد كل رؤاها من الدين الإسلامي وتعمل على تأويله بما يتوافق مع طائفيتها، وطائفية لأنها لا تتصوّر الدولة إلا إسلامية ولا السيادة والولاية إلا لمن وُلد وترعرع في بيتِ مسلم.

وبالتالي، وبعد هذا التحديد، على مفاهيم المواطنة والديمقراطية وسواها أن تتوافق مع الشريعة المؤولة، أي لا جديد في الدنيا أبداً، والماضي صالح لكل زمان ومكان، وما علينا سوى تكرار الماضي في الحاضر، فيكون لنا مستقبل أفضل؛ هذه عقلية الإسلاميين.


الماضي المستعاد


رؤيتهم هذه منعتهم من فهم الشريعة ذاتها، ومواءمتها مع العصر، وضرورات التغيير المنطلقة من واقع التغير الأزلي؛ ولأنهم كذلك، لا يستطيعون التقدم برأي قاطع ضد الجماعات التكفيرية والجهادية، بل وسرعان ما تتحقق الوحدة بينهم عند الضرورة. طبعاً التمايز حاصل وقائم لدى من ليس جهاديا عمن هو جهادي، ولكنه لا يسمح بدفع ذاته نحو انفصال كامل بينهما، لأن الإرث الإيماني واحد للمتأسلم، وليس للمسلم؛ فالأخير ليس موضوع قراءتنا، ولأن الشك عميقٌ بكل قيم الحضارة الحديثة، والثقة كبيرة بالماضي؛ فهو المضيء أبداً، وأما الحاضر فهو ابتعاد عن منارات الكون؛ حيث زمن الرسالة وزمن النبوة، والمجد الغابر.

العقل الديني، الذي تحتكم له الجماعة الإسلامية هذا، يمنعها من إحداث القطع، وفهم الشريعة بما لا يتعارض مع المواطنة والمساواة والعدالة الاجتماعية والديمقراطية، فهي قيم العصر الكونية، ولا يمكن مخالفتها في إدارة شؤون الدولة.

إسلاميو سوريا لا يخرجون عن هذه العقلية الضيقة والمحدودة، ومثلهم إسلاميو مصر، ونهضة التوانسة كذلك، وبالتالي لا مستقبل للتصالح مع قيم العصر، وفي أحسن الأحوال سيتم استغلال هذه القيم للهيمنة بالمعنى القديم على الدولة؛ ولو أن تلك الهيمنة تنحصر في ممارسات الصراع السياسي، وبما يطور الدولة ويؤمن حقوق الناس ضمن مفردات الدولة الحديثة، ليست هناك أي مشكلة، ولكن الهيمنة تتم لصالح فرض تأسلم عليها؛ تأسلم لم يعد يسكت جوعاً، ولا يؤمن الحاجات المتعددة للناس، عدا التقييد المذل للناس والتدخل بما هو شخصي وتدمير قيم الحريات بأكملها.

العقل الديني، الذي تحتكم له الجماعة الإسلامية، يمنعها من إحداث القطع، وفهم الشريعة بما لا يتعارض مع المواطنة والمساواة والعدالة الاجتماعية والديمقراطية، فهي قيم العصر الكونية، ولا يمكن مخالفتها في إدارة شؤون الدولة


إسلاميون لركوب الثورة


إخوان سوريا فرضوا سيطرة على المجلس الوطني، وقبله قاموا بمجموعة من المؤتمرات لضبط ميول الثورة، والتحكم فيها قدر الإمكان؛ فهم لا يناسبهم أن تكون الثورة شعبية وطنية، وأن يكون توجهها العام كذلك، ومن أجل حقوق عامة، تبدأ بالتخلص من الفساد والنهب والشمولية والعائلية وسواها. لم يتوقفوا عن الهيمنة في إطار المجلس وفي إطار تنسيقيات الثورة، وكان الهدف السيطرة على الثورة؛ ساعدتهم في ذلك قناة الجزيرة، وإعلام النظام السوري نفسه، حينما لم يتوقف لحظة عن التكرار أن الثورة ليست شعبية وهي إسلامية، وهو من يحمي سوريا والأقليات وبقية الحكاية معروفة. ساعد الإسلاميين قوى فاشلة وعاجزة تاريخياً، ولا تثق بالشعب أبداً، ونقصد قوى إعلان دمشق؛ هي تريد إسقاط النظام بأية طريقة ممكنة، بل وضعت نفسها بغباء كبير تحت تصرف الإخوان. إسلامية الإخوان تجتث أية نويات وطنية أو قومية لديهم، وتتيح لهم المجال لطلب المساعدة على إسقاط النظام من كافة دول العالم، بدءاً من الدول الإقليمية، وإلى الإمبرياليات العظمى؛ فهم فشلوا في الثمانينات ويخشون من الفشل مجدداً.

ودخلوا لعبة «الثورة»؛ وللثورة طيف لا يتوقف عن الظهور في كافة المدن، ويظللها بالكامل؛ دخلوا عبر إعلام التنسيقيات والجزيرة، وعبر الدعم المالي، ولاحقاً السلاح، وشكلوا كتائبهم الخاصة، بقصد الهيمنة على العمل العسكري بأكمله. هذه العقلية في فهم الثورة والسياسة، منعت تشكُّل معارضة موحدة، ودفعت- كرد فعل وثأر تاريخي- الشعبَ نحو تكريس كل ما هو ديني، ودفعه نحو الطائفية، وساعد، كما قلنا من قبل، النظام في ذلك تماماً. فهُم والنظام استخدموا ورقة الطائفية لتعزيز صفوفهم بين أفراد الشعب، وخلق بذور الدمار المجتمعي.

في جبهة الثورة، لم تتوحد المعارضة، وفتحت علاقات «الترزق» من الخارج على أتمها، وارتفعت الحاجة للمال، لا سيما أن النظام لم يقدم أية بادرة تدفع الثورة نحو وطنية عميقة، بل أغلق كل السبل أمامها ودفعها نحو كل أشكال التواصل مع الخارج وتأمين الدعم المتعدد الأشكال.


استغلال إيمان الناس بالله


الإخواني لا يوجد في عقائديته آخر، بل يوجد الاستلحاق به فقط، وبالتالي كان كل توسع للمجلس الوطني لا يغير هذه المعادلة، رغم أن الإخوان لا علاقة لهم بالثورة. وربما استفادوا، أو توهموا، أن أميركا تتبناهم كإسلام معتدل، ولكن إخوان سوريا لم يفهموا أن أميركا أو سواها سرعان ما تغير سياساتها تبعاً لمصالحها، وتبعاً لتغيّر المعطيات على الأرض؛ وهنا فلنراقب التخبط الأميركي إزاء مصر وإزاء إخوان سوريا.

أردوغان وإخوان سوريا لم يستطيعوا جلب التدخل العسكري، وبالتالي فشلوا في إسقاط النظام واستلام السلطة مباشرة. ولكنهم فككوا إمكانية تطور المكون العسكري ليكون وطنياً بالكامل، وربما إخفاق تجربة حسين هرموش، وتسليمه من قبل الأتراك، يستدعي بحثا دقيقاً لفهم حيثيات القصة، والتي لها علاقة كما يشار إلى دورٍ تركي، وربما إخواني في إنهاء هذه الظاهرة لصالح رياض الأسعد وتشكيل فكرة الجيش الحر آنذاك. ولكن الإخوان فشلوا في السيطرة على الجيش الحر نفسه، الذي تطور بسياقات أقرب للوطنية.

هيمنة الإخوان على المجلس منعته أن يمثل المعارضة، فجاءت فكرة الائتلاف الوطني، وكان هذا الأمر بإشراف أميركي وبضغط روسي وبدعم وتمويل سعودي، مع فتح مجال التفاوض مع النظام وليس إسقاطه؛ الإخوان لم يوافقوا على هذه النقلة، وبقي تفكيرهم منحصراً في حقهم بالهيمنة على المعارضة وعلى الثورة. فَشلُ الإخوان في استدعاء التدخل العسكري، وشح التمويل، وانضباطهم كتنظيم، وانقطاع جذورهم في سوريا، منذ مرسوم الإعدام الخاص بهم في نهاية حرب الثمانينات، والتي كانوا شركاء فيها انطلاقة ومسؤولية؛ نقول هذا الفشل فتح المجال واسعاً أمام المجموعات الجهادية، وهو ما خلق وضعاً كارثياً، حيث بظهور التكفيريين، دخلت الثورة مرحلة جديدة، فتوقف الجانب الشعبي والمدني منها، وبذلك تحققت فكرة النظام أنه يواجه ثورة إسلامية، بل وإرهابيين. والآن مع جنيف، هو يطرح نفسه باعتباره يخوض حرباً على الإرهاب كما أميركا تماماً.

الإسلاميون فاشلون تماماً في فهم العصر، ولكنهم يستفيدون من مشكلات العصر؛ العصر الذي يستدعي الدين بقوة، على وقع غياب قوى اليسار ومعه الليبرالية والحداثيين بالعموم، إضافة إلى الحاجيات المتزايدة للسكان والتي لا إمكانية لتأمينها من قبل الرأسمالية؛ وبالتالي لا يبقى أمام الناس سوى الله مجيباً. وهنا لا يتورع الإسلاميون عن استغلال إيمان الناس بالله، من أجل تعزيز نفوذهم ومحاولة السطو على الدولة والسلطة.

13