ثورة الإعلانات الحسية تفقد المستهلكين القدرة على التفكير الواعي

مواقع التواصل الاجتماعي تسهل على شركات الإعلانات الاستفادة من علم النفس التسويقي.
الاثنين 2018/10/08
الإغراءات الرقمية تفوز بالرهان

مع تزايد قضاء المستهلكين المزيد من الوقت على الإنترنت، فإن شركات الإعلانات وجهت كل اهتمامها إلى استغلال ذلك لصالحها للوصول إلى أكبر شريحة ممكنة من المستخدمين، بعد أن سحبت البساط من وسائل الإعلام التقليدية.

أحدثت التكنولوجيا الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي التي أصبحت جزءا لا يتجزأ من النسيج الرقمي للقرن الحادي والعشرين، تحولات عميقة في مجال صناعة الإعلانات وعملية التسويق للمنتوجات، بعد أن مكنت المنتجين من رصد ومعرفة الكثير من الأسرار والمعلومات عن اهتمامات المستهلكين وأعمارهم وسماتهم الشخصية.

ومع انخراط مواقع التواصل في حياة البشر باتت لدى الشركات قواعد ضخمة من البيانات حول سلوك المستخدمين توظفها في نواح متعددة.

وواجهت مواقع التواصل الاجتماعي العديد من الانتقادات بسبب دورها السلبي في المضمار السياسي، إذ انتشرت على موقع فيسبوك وتويتر حسابات وهمية تديرها أجهزة روبوت مبرمجة لإعادة نشر التغريدات السياسية بسرعة، أو لنشر أخبار مفبركة ووهمية، بهدف الترويج لآراء وأهداف سياسية معيّنة وحملات دعائية منظمة.

وكشفت الكثير من التقارير كيف تم استخدام أجهزة روبوت في المواقع الاجتماعية، للتأثير على آراء الناخبين في الانتخابات الرئاسية الأميركية عام 2016.

وفي السنوات الأخيرة ركزت شركات الإعلانات بشكل كبير على ما يعرف علميا بتقنية “علم النفس التسويقي”، ما ساعدها على تحقيق أرباح طائلة، ويشير هذا المصطلح إلى استخدام الشركات لبيانات مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي، وتحليلها حسابيا للكشف عن أنماط وتوجهات بعينها وخاصة بشأن السلوكيات الشرائية البشرية.

وتساعد عملية تحليل البيانات على معرفة الاستمالات العاطفية للناس والتواصل معهم على نحو بعينه، وطالما كانت الإنترنت بين راحة الأيدي عبر الهواتف، فستظل الإعلانات تغري الكثيرين وتجعلهم عاجزين عن ضبط النفس أمام عملية الشراء.

ومع تزايد عدد مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي والإنترنت، أولت العديد من المؤسسات العالمية اهتماما كبيرا بالمثيرات الخارجية التي تخاطب حواس الناس وتؤثر على المنطقة الرمادية في أدمغتهم.

وباتت أغلب العلامات التجارية العالمية اليوم على وعي متزايد بأهمية البصر والشم واللمس والصوت في التأثير على السلوكيات الشرائية للمستهلكين. وقد استخدمت ”ماكدونالدز” على سبيل المثال تجربة الروائح في مطاعمها، فيما أنفقت شركة مزيل العرق المعروف للرجال ”لينكس”، مبالغ كبيرة لإتقان الصوت الخارج من علبة الرذاذ، وذلك لتضخيم وإبراز فاعلية رسالة علامتها التجارية، أما الخطوط الجوية السنغافورية فلديها رائحة خاصة يعتمد طاقمها على المناشف المبخرة والساخنة.

وتتعمّد الخدع الحسية التسويقية اللعب على الوتر الإنساني الحساس من أجل جعل الدماغ يتوقف عن التفكير العقلاني، فيصبح بالتالي من السهل جدا إثارة الحافز الذي يدفع صاحبه للبحث عن شيء معين بذاته لشرائه.

بفضل مواقع التواصل الاجتماعي أصبح الهمس واللمس والقرمشة أمام الكاميرا أشياء تدر مداخيل مالية ضخمة

وبيّنت الأبحاث التي أجريت في هذا الصدد أن مقاطع الفيديو المسجلة التي تسير بإيقاع بطيء يشبه التنويم المغناطيسي، والتي تظهر أشخاصا يمررون أناملهم برفق على الأرائك أو الأسرّة والأغطية، وآخرون يصدرون أصوات قرمشة أو يتحركون على إيقاعات معيّنة، تبعث لدى المتلقي شعورا باللذة، ورغبة قوية في التمتع بإحساس مماثل من تلك اللذة، ويعرف هذا في علم النفس بـ”أوج الاستجابة الحسّية الذاتية” التي قد تعطي استجابة لمؤثرات معيّنة.

وقبل سنوات قليلة، لم يكن أحد ليدرك أن الهمس واللمس والقرمشة أمام الكاميرا تدر دخلا ماليا، أما الآن فتلك الأشياء أصبحت معروفة على نطاق واسع في وسائل التواصل الاجتماعي ومصدر مداخيل مالية ضخمة للكثيرين.

 وهذا الفهم المتنامي لتأثير الحواس في عمليات التسوق والتسويق امتد ليشمل قطاعات صناعية مختلفة، وأصبح صناعة عالمية تدر الملايين من الدولارات، إلا أن الدراسات العلمية حول مخاطر التسويق بالاعتماد على المؤثرات التحفيزية لا تزال قليلة.

ومؤخرا حذّرت منظمة الصحة العالمية من إعلانات أطعمة الوجبات السريعة المنتشرة على تطبيقات المتاجر الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي ومدونات الفيديو.

وانتقدت المنظمة الدولية أيضا الحكومات لفشلها في مواكبة الثورة الحالية في طريقة استهلاك الناس لوسائل الإعلام.

وطالب أطباء أطفال بضرورة اتخاذ إجراءات صارمة لوقف انتشار البدانة بين الأطفال. وهاجمت المنظمة الطريقة التي يحصل بها بعض مدوني الفيديو على أموال من بائعي الوجبات السريعة للترويج لهذا النوع من الأطعمة.

وأشارت تحليلات أميركية إلى تنامي تأثير مدوني الفيديو في تعزيز العلامات التجارية أكثر من تأثير التلفزيون أو السينما، بسبب تزايد الثقة بها. كما أثارت أيضا القلق حول الطريقة التي تنتهجها سلاسل الوجبات السريعة لجذب اهتمام الأطفال من خلال جعل تلك المطاعم مواقع هامة في ألعاب الواقع المعزز مثل البوكيمون غو.

وقالت إنه يجري جمع بيانات عن الأطفال مثل عمرهم وموقعهم وما يحبونه ويفضلونه لإدراجها في إعلانات الوجبات السريعة.

وأفاد جواو بريدا، مدير برنامج منظمة الصحة العالمية للتغذية والنشاط البدني في تصريح لهيئة الإذاعة والتلفزيون البريطانية بي.بي.سي، “إنها (الإعلانات) تنتشر بقوة رقميا ونعلم أن القواعد المنظمة الحالية بها ثغرات وفجوات لا تغطي احتياجات أطفالنا”.

وأضاف “نعتقد أنها ضخمة، ولكن الآباء لا يعرفون وفي بعض الأحيان لا يدركون أن أطفالهم يتعرضون لها”. وأكد أنها أكثر خطورة من وسائل الإعلام التقليدية مثل التلفزيون.

ورغم أن بعض الدول مثل بريطانيا وضعت قواعد لحماية الأطفال من الإعلانات الغذائية غير المرغوب فيها، وحظرت عرضها في برامج الأطفال، إلا أن تقرير المنظمة يقر بفشل القواعد في مواكبة وتيرة ونطاق التغيير في وسائل الإعلام.

الخدع الحسية التسويقية تتعمّد اللعب على الوتر الإنساني الحساس من أجل جعل الدماغ يتوقف عن التفكير العقلاني

وأظهرت بيانات في إنكلترا أن طفلا واحدا من بين كل خمسة أطفال يعاني من السمنة المفرطة بعد إنهاء فترة تعليمهم الابتدائي.

وقال راسيل فاينر، من الكلية الملكية البريطانية لطب الأطفال وصحة الطفل، “في ظل وجود البيئة المشجعة على السمنة التي يعيشها الأطفال حاليا تلك النتائج لا تمثل مفاجئة”. وأضاف “استهداف الأطفال أمر سواء، سواء على الإنترنت أو من خلال لوحات الإعلانات وعلى شاشات التلفزيون، وهم يرون برامجهم المفضلة”.

وشدد فاينر على أن هناك حاجة لوضع “تدابير صارمة لحماية” الأطفال ويتعين على الحكومات التحرك العاجل لمنع “المسوقين من استهداف الأطفال عبر الإنترنت، في شوارعنا وعلى شاشات التلفزيون”.

وقالت أليسون تيدستون، خبيرة التغذية في مؤسسة إنكلترا للصحة العامة، “مراجعة أدلتنا تظهر أن جميع أشكال الإعلان والتسويق، بما في ذلك استخدام شخصيات وألعاب المغامرة والتسويق الرقمي، تؤثر على توازن الوجبات الغذائية للأطفال”.

وكشفت دراسة علمية أن الأطفال يربطون الوجبات السريعة المضرة للصحة بالمتعة، وأن مشاهدة الإعلانات التلفزيونية لهذه الوجبات والأطعمة تجعلهم يشعرون بالجوع.

وجاء في التقرير الذي صدر عن الدراسة أن الأطفال يبدون ولعهم بمشاهدة الإعلانات المضحكة والجذابة وبإمكانهم تذكّر الألحان التي تصاحب هذه الإعلانات.

وشملت الدراسة، التي أجريت بطلب من مؤسسة الأبحاث السرطانية البريطانية، أربع مدارس ابتدائية في إنكلترا ومدرستين في اسكتلندا وشارك فيها 137 طفلا تراوحت أعمارهم بين 8 و12 عاما. وعرض على مجاميع صغيرة من هؤلاء الأطفال إعلانان لأطعمة تحتوي على مستويات مرتفعة من الدهون أو السكريات أو الأملاح، ثم أجريت مناقشات شاركوا فيها تناولت هذه الأطعمة وموضوع الطعام بشكل عام.

وتشير نتائج الدراسة إلى أنه بالرغم من الشروط المعمول بها حاليا والتي تحظر عرض الإعلانات خلال فترات عرض برامج الأطفال في التلفزيون، فإن الأطفال يتأثرون بقوة بالإعلانات التي تبث في فترات أخرى من النهار عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

12