ثورة البلاستيك تضع البشر أمام معضلة "التلوث الأبيض"

معظم المواد البلاستيكية التي تنتج حاليا غير قابلة للتحلل في التربة، ولذلك فالقمامة البلاستيكية الناجمة عنها ستبقى موجودة على الأرض للمئات أو حتى للآلاف من السنين.
الأربعاء 2019/03/13
العالم يختنق بالنفايات البلاستيكية

البلاستيك مادة مفيدة جدا للاستخدام البشري وتتعدد استعمالاته في عدة مجالات، وفي الوقت الذي يثني فيه الناس على هذه الفائدة لأنهم يجهلون الثمن المدفوع مقابلها، ترتفع أصوات الخبراء لتحذر من الخطر الداهم على البيئة والبشر، لكن مقابل تلك المخاوف هناك حلول مطمئنة ربما تجعل البلاستيك آمنا في يوم ما، من يدري.

أحدث البلاستيك عند اكتشافه لأول مرة في بداية القرن الماضي ثورة في عدة مجالات صناعية، ومع الوقت ازدهر ليحكم سطوته على مختلف الصناعات، إذ أصبح اليوم يستخدم في منتجات بالغة التنوع، تتراوح بين العلكة وأحمر الشفاه إلى مواد التنظيف والدهان والأدوية كالأسبرين والبنسلين وغيرهما.

لكن رغم تعدد مزاياه فإن العالم بدأ يضيق ذرعا بـ“التلوث الأبيض” الذي تتسبب فيه النفايات البلاستيكية الضخمة المتراكمة في المحيطات والبحار، والمواد البلاستيكية متناهية الصغر التي ينتهي بها المطاف إلى مجاري الأنهار والمياه العذبة، ومنها إلى أحشاء البشر والحيوانات لتهدد صحتهم وحياتهم.

ويأمل الخبراء في أن تحمل التطورات التكنولوجية المتسارعة، وحتى بعض الأنواع من الحيوانات والنباتات حلولا ناجعة تقضي نهائيا على معضلة “التلوث الأبيض” ومخاطرها التي تهدد البيئة والبشر على حد السواء. وحسب ما يرى إيليوت ويتينغتون مدير السياسات بمعهد الريادة المستدامة بجامعة كامبريدج البريطانية، فإنه بدلا من الحظر على استخدام البلاستيك بالكامل يتعين تحسين خواصه.

حلول صديقة للبيئة

يبدو أن الحل لا يكمن في إعادة عقارب الساعة إلى الوراء بل في ابتكار مواد بلاستيكية تحتوي على عناصر عضوية تجعلها أكثر قابلية للامتصاص بيئيا، أو في ما عرف بالبلاستيك الحيوي المصمم ليتحلل عضويا (أي في الظروف الطبيعية)، عوضا عن الوقود الأحفوري المشتق من البترول. وهذا النوع من البلاستيك لا يلحق ضررا بالبيئة إذ يختفي كليا بدلا من التفتت إلى جزئيات بلاستيكية أصغر.

ويصنّع البلاستيك الحيوي من مصادر متجددة، مثل الدهون والزيوت النباتية عادة أو نشا الكسافا أو رقائق الخشب أو النفايات الغذائية. ولكن شركة إندونيسية ناشئة تسمى “إيفووير” تمكنت أيضا من ابتكار حل جديد، يتمثل في استخدام الطحالب البحرية في تصنيع عبوات وأغلفة للمواد الغذائية.

لا يستبعد البعض من الخبراء أن تفوق كمية الأجزاء البلاستيكية كميات الأسماك الموجودة في البحار بحلول عام 2050، ويمكن للأكياس الضخمة أن تدمر النظام الهضمي عند الطيور البحرية والحيتان، ويمكن أن تقتلها
لا يستبعد البعض من الخبراء أن تفوق كمية الأجزاء البلاستيكية كميات الأسماك الموجودة في البحار بحلول عام 2050، ويمكن للأكياس الضخمة أن تدمر النظام الهضمي عند الطيور البحرية والحيتان، ويمكن أن تقتلها

وتعمل الشركة في الوقت الحالي مع مزارعي الطحالب البحرية بإندونيسيا لإنتاج أغلفة للشطائر وأكياس مكسبات الطعم وعبوات القهوة وعبوات الصابون، وكلها مصنوعة من الأعشاب البحرية. وتتميز هذه العبوات بكونها ليست مستدامة فحسب، بل مغذية أيضا، إذ من الممكن تناولها مع المواد الغذائية.

فيما اكتشف علماء في جامعة بورتسموث البريطانية والمختبر الوطني للطاقة المتجددة التابع لوزارة الطاقة الأميركية نوعا من البكتيريا في اليابان أطلق عليه “إيديونيلا ساكينسيس”. ويتغذى هذا النوع من البكتيريا حصرا على أنواع من البلاستيك تستخدم في صناعة العبوات.

ويعتقد العلماء اليابانيون أن هذه البكتيريا تطوّرت حديثا في أحد مراكز إعادة التدوير، لأن البلاستيك لم يكن موجودا قبل الأربعينات من القرن الماضي. وعكف الخبراء والباحثون البريطانيون والأميركيون على فهم آلية عمل أحد الأنزيمات المزيلة للبلاستيك، لكنهم توصّلوا إلى أبعد من ذلك إذ صمّموا عن طريق الصدفة أنزيما يمكنه أن يلتهم بفعالية أكبر هذا النوع من البلاستيك الأكثر استخداما.

ويأمل العلماء في أن يحسّنوا أداء هذا الأنزيم لاستخدامه يوما ما في القضاء على النفايات البلاستيكية التي يختنق بها العالم. ووفقا للدراسات الأخيرة تراكمت على الأرض نحو 6.3 مليار طن من النفايات البلاستيكية، ويتوقع أن تتضاعف تلك الكمية منتصف القرن الحالي.

وكل عام يرتفع معدل إنتاج تلك المواد بمقدار 8 بالمئة، ففي خمسينات القرن الماضي كانت المعامل تنتج نحو مليوني طن من البلاستيك سنويا، أما عام 2015 فتلك الكمية ارتفعت إلى 400 مليون طن.

ودفعت هذه الأرقام الضخمة الكثير من العلماء والهيئات البيئية للتحذير من خطر تلك النفايات البلاستيكية، التي يتوقع ازدياد كمياتها في السنوات القادمة، وقد اتخذت في السنوات الماضية العديد من البلدان البعض من الاستراتيجيات للحد من كميات تلك النفايات، فالولايات المتحدة تقوم حاليا بإعادة تصنيع 9 بالمئة من النفايات البلاستيكية الموجودة لديها، وتعيد أوروبا تصنيع 30 بالمئة من نفاياتها البلاستيكية، أما الصين فـ25 بالمئة.

وفرض أكثر من ستين بلدا حول العالم قيودا على استخدام منتجات البلاستيك، من قبيل الأكياس البلاستيكية التي تستخدم لمرة واحدة. وتمثل جزر فانواتو أول بلد في العالم يحظر استخدام الأكياس البلاستيكية ذات الاستخدام الواحد فضلا عن شفاطات العصائر والعبوات الغذائية من البولسترين.

وفي عام 2015 أصدر البرلمان الأوروبي موافقته على فرض رسوم على الأكياس البلاستيكية التي تقوم المحال التجارية بتسليمها للزبائن أو إيجاد طرق أخرى للحد من استخدامها.

ووفقا لبيانات المفوضية الأوروبية، تنتشر الأكياس البلاستيكية على نطاق واسع في الدول الأوروبية، حيث يتم استهلاك أكثر من ثمانية مليارات كيس بلاستيك في بريطانيا وحدها كل عام، فيما يصل عدد الأكياس البلاستيكية المستخدمة في دول الاتحاد إلى مئة مليار قطعة في العام، وينتهي الحال بثمانية مليارات كيس منها كنفايات في بحار القارة الأوروبية. وتحوي بطون 94 بالمئة من الطيور في بحر الشمال بقايا أكياس بلاستيكية.

كما وعدت المحال الكبرى للتسوق في بريطانيا بخفض كمية البلاستيك المستخدمة في تغليف وتعبئة منتجاتها من البقالة وغيرها، وتعهدت شركة كوكا كولا وبيبسي للمشروبات ويونيلفر العالمية للمنتجات الغذائية والمنظفات، فضلا عن شركة نستله للأغذية، ولوريال لمستحضرات التجميل، بجعل كافة عبواتها صديقة للبيئة أو
قابلة للتدوير أو التحلل البيئي بحلول عام 2025.

وتشتمل النفايات البلاستيكية على كل ما يتبادر إلى الذهن من قوارير المشروبات الغازية والمياه وأكياس البيع بالمتاجر والعبوات وألعاب الأطفال ورقائق تغليف المنتجات الغذائية وأدوات الصيد وفلاتر السجائر والنظارات الشمسية ومقاعد المراحيض.

وقدَّر رونالد غاير عالم البيئة الصناعية وزملاؤه، من جامعة سانتا باربارا الأميركية في ورقة بحثية نشرت عام 2017 في مجلة “ساينس أدفنسيس” أو “تقدم العلوم”، أن حجم البلاستيك الذي تم إنتاجه منذ البداية إلى الآن وصل إلى 8.3 مليارات طن.

ومن ضمن هذه الكميات المذكورة، نحو 6.3 أطنان تحولت إلى نفايات بلاستيكية وهناك 79 بالمئة من هذه النفايات لا تزال ملقاة في مدافن النفايات أو في البيئة الطبيعية.

وهذا الكم الهائل من النفايات أملته الحياة المعاصرة حيث يُستخدم البلاستيك في عدة مواد عابرة أو لمرة واحدة فقط، وأيضا يقبل عليه الناس لرخص ثمنه وخفة وزنه، فالمادة المستخدمة من البلاستيك لصناعة قارورة المشروبات أقل تكلفة من المادة المستخدمة من الزجاج لنفس الغرض، وهذا سبب كاف لجعله أكثر انتشارا وتداولا.

تهديد الثروة الحيوانية

الأكياس البلاستيكية تسمم الكائنات البحرية
الأكياس البلاستيكية تسمم الكائنات البحرية

تتوقع بعض التقارير أن تصل كمية البلاستيك التي سينتهي بها المطاف إلى مكبات النفايات والمحيطات، إلى نحو 111 مليون طن متري بحلول عام 2030، كما لا يستبعد البعض من الخبراء أن تفوق كمية الأجزاء البلاستيكية كميات الأسماك الموجودة في البحار بحلول عام 2050.

ويُقدر حجم النفايات البلاستيكية التي يتم التخلص منها برميها في المحيطات بنحو 12.7 مليون طن سنويا.  وتواجه الطيور البحرية والكائنات البحرية الضخمة مثل السلاحف والدلافين وعجول البحر احتمال أن تعلق في الأكياس البلاستيكية وفي باقي أشكال الحطام أو أن تعتبر أن البلاستيك هو بمثابة الطعام الذي تبحث عنه.

ولا يمكن أن تفرق السلاحف بين الأكياس البلاستيكية وقناديل البحر التي يمكن أن تكون جزءا من طعامها. ويذكر أن الأكياس البلاستيكية تتسبب عند ابتلاعها في انسداد داخلي وعادة ما تؤدي إلى الموت. أما الأكياس البلاستيكية الضخمة فيمكنها أن تدمر النظام الهضمي عند الطيور البحرية والحيتان، ويمكن أن تقتل هذه الكائنات.

وليس البشر بمنأى من خطر التلوث البلاستيكي، ففي عام 2017 كشفت دراسة أجرتها مجموعة “أورب” للصحافة الاستقصائية التي تتخذ من الولايات المتحدة مقرا لها، عن وجود تلوث بلاستيكي لم يكن معروفا من قبل في مياه الصنبور في مدن حول العالم.

صعوبة التحلل

أكدت الدراسة أن التلوث بالألياف غير المرئية من الجسيمات البلاستيكية الدقيقة يؤثر على حوالي 83 بالمئة من مياه الصنابير بالمدن في جميع أنحاء العالم، وتصل النسبة إلى 94 بالمئة في الولايات المتحدة و72 بالمئة في أوروبا.

وتكمن المعضلة الحقيقية في المزايا العظيمة التي تتميز بها عدة أنواع من البلاستيك، وهي أنها مصممة لتُعمِّر لفترة طويلة من الزمن، ولهذا فإن جميع البلاستيك تقريبا لا يزال موجودا بشكل أو بآخر إلى اليوم، وبالتالي ليس من السهل أن تتحلل حيويا بطريقة طبيعية.

تراكمت على الأرض نحو 6.3 مليارات طن من النفايات البلاستيكية، ويتوقع أن تتضاعف الكمية منتصف القرن الحالي. وكل عام يرتفع معدل إنتاج تلك المواد بمقدار 8 بالمئة، ففي خمسينات القرن الماضي كانت المعامل تنتج نحو مليوني طن من البلاستيك

وأكدت العالمة جينا جامبك، من جامعة جورجيار الأميركية، أن معظم المواد البلاستيكية التي تنتج حاليا غير قابلة للتحلل في التربة، ولذلك فالقمامة البلاستيكية الناجمة عنها ستبقى موجودة على الأرض للمئات أو حتى للآلاف من السنين.

وقالت جامبك “تشير الإحصاءات الأخيرة إلى أن نحو 300 طن من النفايات البلاستيكية تدخل إلى مكبات القمامة كل عام، ومعظم هذه النفايات غير قابلة للتحلل بتأثير البكتيريا الموجودة في التربة، لذلك فإن جزيئاتها تبقى في التربة أو تذهب إلى مياه البحار والمحيطات لتتسبب بتسميم الأسماك والطيور، وغالبا ما تكون أحد أسباب وفاتها”.

وتتراكم النفايات البلاستيكية في مناطق بالمحيط حيث تُولد الرياح تيارات هوائية دائرية على شكل دوامات وتَعْلَق بأي حطام عائم. وهناك خمسة أنواع من هذه التيارات الهوائية الدائرية في مختلف أنحاء العالم، لكن أشهرها يوجد في شمال المحيط الهادئ.

وتشير التقديرات إلى أن الحطام يستغرق ست سنوات للوصول إلى مركز هذه التيارات الهوائية الدائرية في شمال المحيط الهادئ التي تأتي من سواحل الولايات المتحدة ونحو عام من اليابان.

ويلاحظ أن هذه التيارات الهوائية الدائرية الخمسة تضم نسبة أعلى من النفايات البلاستيكية مقارنة بأي أجزاء أخرى من المحيطات. فهي تتكون من شظايا متناهية الصغر من البلاستيك، والتي تبدو وكأنها تقبع عالقة تحت السطح وهي ظاهرة قادت إلى وصف ما يحدث على أنه حساء بلاستيكي. والخصائص التي تتيح للنفايات البلاستيكية الصمود لمدة طويلة تعني أن بعض المواد تتطلب قرونا حتى تتحلل بشكل نهائي ولا تضر بالبيئة.

المعضلة الحقيقية تكمن في المزايا التي تتميز بها أنواع من البلاستيك، وهي أنها مصممة لتُعمِّر فترة طويلة من الزمن، ولهذا فإن جميع البلاستيك تقريبا لا يزال موجودا بشكل أو بآخر إلى اليوم، وبالتالي ليس من السهل أن يتحلل حيويا بطريقة طبيعية
المعضلة الحقيقية تكمن في المزايا التي تتميز بها أنواع من البلاستيك، وهي أنها مصممة لتُعمِّر فترة طويلة من الزمن، ولهذا فإن جميع البلاستيك تقريبا لا يزال موجودا بشكل أو بآخر إلى اليوم، وبالتالي ليس من السهل أن يتحلل حيويا بطريقة طبيعية

وأشارت دراسة مسحية أجراها المركز الوطني للتحليل البيئي والتركيب وجامعة جورجيا ونشرت في مجلة “ساينس” في عام 2015، إلى أن 192 بلدا ساحليا تساهم في انتشار النفايات البلاستيكية في المحيطات، ووجدت أن البلدان الآسيوية شكلت 13 بلدا من مجموع 20 بلدا تساهم بقوة في انتشار النفايات البلاستيكية في المحيطات.

وتأتي الصين في صدارة البلدان التي لا تحسن إدارة النفايات البلاستيكية، لكن الولايات المتحدة تأتي أيضا على رأس البلدان العشرين التي تساهم بنسبة عالية جدا في النفايات لكل شخص.

وعبر نشطاء البيئة في الكثير من المناسبات عن قلقهم من تراكم النفايات البلاستيكية والبحرية في المحيط الهادئ وتشكيلها لأكبر بقع النفايات البلاستيكية في المحيطات، وتسمى بـ”رقعة القمامة العظمى في المحيط الهادئ”. وقد استقرت هذه الرقعة بين ولاية كاليفورنيا وهاواي.

ويعادل حجم هذه الرقعة ثلاثة أمثال حجم فرنسا، ويبلغ وزنها الإجمالي 80.000 طن. ومن جانبها حذرت الأمم المتحدة من أن الحياة البحرية تواجه ملايين الأطنان من النفايات البلاستيكية واصفة ذلك بـ”الأزمة الكوكبية” التي تخرب النظام البيئي وتضر بالحياة على الأرض.

وعلى الرغم من زيادة الوعي بضرر “التلوث الأبيض”، إلا أنه لا يزال شائعا في كل مكان من العالم، ويبدو أن الحل الجذري للقضاء على هذا الخطر المحدق مازال صعب المنال في الوقت الحالي.

20