ثورة الجرافيتي

أهدت للمصور شهرة كونية، وعبرت الصورة/أيقونة الأجيال والثقافات، ولعلها أشهر صورة لإنسان على الإطلاق. ولم يعد ينقص الحراك الجزائري إلا الجرافيتي، بهجة الثورات ورمز الآمال في التغيير، ولتكن صورة جميلة إلهاما.
الجمعة 2019/03/08
ابتسامة جميلة في المظاهرة غيّرت الصورة الذهنية للثائر الذي جسّده جيفارا

بحضورها البهي، أضافت جميلة بوحيرد إلى "جمعة الغضب" (1 مارس 2019) بعدا رمزيا يصل ثورة التصحيح بثورة التحرير، فأصبحت جسرا بين ثورتين. ورجّح وجودها كفة الرفض لترشح عبدالعزيز بوتفليقة لفترة رئاسية خامسة. بقي من جمعة الغضب صورة جميلة المتفائلة بنهاية عهد وعهدة، برأسها الشامخ ويمناها المرفوعة للحشود. ولا أظن صورة أخرى غير صورة جميلة لها وقع الأيقونة، وأتوقع أن تتناسل هذه الصورة أعمالا تزيّن الجدران بجرافيتي أنعشته الثورات العربية، وأشاع ديمقرطية الفن.

ابتسامة جميلة في المظاهرة غيّرت الصورة الذهنية للثائر الذي جسّده جيفارا، بملامحه الحادة ونظرته المتحدية، في صورة التقطها المصور الكوبي ألبرتو كوردا، في جنازة بهافانا عام 1960، وكانت لحظة فتحت فيها أبواب السماء، وأهدت للمصور شهرة كونية، وعبرت الصورة/أيقونة الأجيال والثقافات، ولعلها أشهر صورة لإنسان على الإطلاق. ولم يعد ينقص الحراك الجزائري إلا الجرافيتي، بهجة الثورات ورمز الآمال في التغيير، ولتكن صورة جميلة إلهاما.

لم يتوصل مؤرخو الجرافيتي إلى رسومه الأولى، تلك التي وثق بها الإنسان خوفه من الطبيعة وبحثه عن الأمن، وحفظتها جدران الكهوف والصخور، قبل الاستقرار في منازل بدائية، وتكفّل الدين بمنح الطمأنينة في الدنيا والآخرة، وانتقلت الفنون إلى جدران المعابد بصيغ أكثر احترافا، وإن ظلت الرسوم والكتابات الشعبية تحتفظ بطزاجة تحقق ديمقراطية الإبداع.. إنتاجا وتلقيا وتفاعلا، ثم أشرق فجر الثورات العربية، عام 2011، وأعاد هذا الفن إلى الواجهة، وذكرني بلوحة خطية من بضع كلمات «العدو نجس فلا يدخل أرضنا الطاهرة»، بخط الرقعة على حائط دار تطل على النيل في قريتي، ولعلها من آثار ثورة 1919. ولا أظن قرية مصرية فاتتها رسوم وخطوط تؤرخ لمراحل ثورة 25 يناير 2011 وتفاعلاتها وانتكاستها الأخيرة.

وقبل استقرار الأمر للقوى المضادة للثورة، كان الكاتب المصري شريف عبدالمجيد قد طاف المدن، ليقطف من جدرانها أشواق الشعب إلى الحرية، متجسدة في رسوم عفوية جعلت مصر معرضا تشكيليا مفتوحا لا يحتاج إلى قاعات للعرض، فالرسوم تنبت وتتنفس وتحبو في الميادين والشوارع، وتكبر بين الناس فيضيفون إليها ملامح وتفاصيل وأمنيات وكتابات مشاغبة، في أصدق تمثيل لتفاعل فني يجعل الرسوم تستعصي على سجن الإطارات.

الحصاد جمعه شريف عبدالمجيد في كتابين يضمهما هذا العنوان الفرعي "حكاية ثورة الجرافيتي". عنوان الكتاب الأول "أرض أرض"، وعنوان الثاني "مكملين"، وكلاهما أصدرته الهيئة المصرية العامة للكتاب، في لحظة النشوة بقرب انتصار الثورة. ثم ذهبت السكرة، وجاءت فكرة شيطانية نسفت كل شيء، وعمدت إلى تغييب الثورة ومحو ذكراها، فاختفت كتب تغنّت بالثورة، وأزيلت رسوم الجرافيتي، بتجيير الجدران أو هدمها.

أهداني شريف كتابه بهذه الكلمات "إلى ذكرى ثورة الحرية 25 يناير 2011، وإلى كل ما كانت ترمز إليه"، فالثورة في عماء الانتكاسة الحالية مجرد "ذكرى.. كانت ترمز" إلى الحلم بالحرية، وأفقنا على كابوس. ولا تليق الذكرى إلا بالموتى، والثورة لم تمت، وإنما تبتسم وتسخر من كارهين يلعنونها، ويتفننون في الإساءة إليها، ويوزعون الأدوار لاتهامها بأنها مؤامرة، "عملية استخباراتية" على مصر. وهل تستهدف السهام ميتا؟

تحيا الثورة برسوم أضاف إليها محبون أسماءهم، مثلما يخلّدون ذكراهم على حجارة الأهرام والتماثيل "الفرعونية". ولا تخلو أيضا من طرافة، فكتب أحدهم على لوحة "يوجد ميكانيكي سيارات". وحفل جرافيتي الإسكندرية بصور سيد درويش وخالد سعيد، وكتب أحدهم "الاستشارات القانونية مجانا" على لوحة "دماء الشهداء دين". وافتخر أهل السويس بأنها "مهد الثورة". وفي بورسعيد نهض جيفارا "الأيقونة". وعلى جدار بالمنصورة تحذير من كتابة أي إعلان، فجاء الرد "كن مع الثورة".

14