ثورة العشائر تقلب موازين المشهد العراقي

الأربعاء 2014/06/25
فرق مسلحة كثيرة وفوضى تعم العراق

بغداد - يجمع الخبراء والمراقبون للمشهد السياسي في العراق، على تضاؤل الفرص أمام المالكي للبقاء على رأس الحكومة العراقية، بعد ثورة العشائر السنية، متبوعة بفلتان أمني أدى إلى سيطرة مسلحين على مدن عراقية، وهو ما جعله محط انتقاد شديد من أنصاره في الداخل وممن يدعمونه في الخارج وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأميركية وإيران.

على مدى ثماني سنوات قضاها في السلطة لم يواجه رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي تهديدا مثل ما يواجهه الآن، فقد سقطت مساحات كبيرة من البلاد على أيدي مقاتلين من السنة، ويسعى خصومه إلى إسقاطه، كما أصبح التحفظ في تأييده أو ما هو أسوأ منه طابع واشنطن وطهران أكبر أنصاره في الخارج، بل إن أصدقاءه بدؤوا يفكرون صراحة في احتمال خروجه من ساحة العمل السياسي.

ويقول المعارضون للمالكي إنه مسؤول عن احتدام حركة التمرد على الحكومة بسبب سياساته الاقصائية والطائفية التي أدت إلى شعور السنة بالاغتراب ودفعت العشائر إلى القيام بانتفاضة شعبية على سياساته، والتي لقيت صدى إيجابيا لدى الرأي العام العراقي، ويقول المراقبون إن المالكي لم يكن يتوقع الردود الدولية لمجريات الأحداث خاصة من قبل من يعتبرهم حلفاءه في واشنطن وطهران.

فقد قالت واشنطن علانية إنها ليست لديها أي نية لاختيار حكام العراق لكنها أوضحت أنها تريد قيادة أكثر تمثيلا للعراقيين، ولم تكشف إيران التي تملك نفوذا واسعا بين الأحزاب الشيعية في العراق عن كل أوراقها لكنها تجنبت الظهور بمظهر المؤيد للمالكي من خلال تصريحات سياسييها.

بل إن أعضاء في الكتلة التي ينتمي إليها المالكي يسلمون الآن بأنه قد يضطر إلى الرحيل إذا أمكن للجماعات الشيعية والسنة والأكراد أن يتجمعوا في ائتلاف حاكم جديد، وقال عضو كبير في ائتلاف المالكي مشترطا عدم نشر اسمه “العراق بعد العاشر من يونيو ليس كما كان قبله، كل شيء تغير وكل شيء مطروح على المائدة وإذا أصر الآخرون على أنهم سيتقدمون فقط إذا لم يكن المالكي رئيسا للوزراء فنحن على استعداد لمناقشة ذلك”.

واشنطن أعلنت أنه لا نية لديها لاختيار حكام العراق لكنها تريد قيادة أكثر تمثيلا للعراقيين وإيران تجنبت الظهور بمظهر المؤيد للمالكي


انفضاض المقربين من المالكي


من جهة أخرى يؤكد عضو ائتلاف المالكي أن الدبلوماسيين الأميركيين أبلغوه فعلا أن على المالكي أن يتنحى إذا اتضح أن السنة والأكراد والتكتلات الشيعية المنافسة في البرلمان لن يؤيدوه لفترة ولاية ثالثة، مضيفا:”هم يعتقدون، حسب الوضع السياسي في البلاد وما يحدث في المناطق السنية من البلاد، أن المالكي لا يمكنه أن يضغط على الأحزاب الأخرى لتولي الحكم لولاية ثالثة، فقد أصبح المالكي رمزا للاستقطاب في نظر الآخرين بغض النظر عن أدائه”.

وقال إن المسؤولين الإميركيين شجعوا ائتلاف دولة القانون على إيجاد مرشحين آخرين وإن موقف واشنطن يشجع أحزابا أخرى على الاصرار على رحيل المالكي. وتابع “بمجرد أن تفهم الأحزاب الأخرى الموقف الأميركي فستتشدد في رفض المالكي. فهذا يعطيها دفعة نفسية”.

قبل ستة أسابيع بدا المالكي أكثر استقرارا في السلطة من ذي قبل، فقد خرج ائتلاف دولة القانون أكبر حزب فائز في الانتخابات وحصل على 94 مقعدا في البرلمان المؤلف من 325 مقعدا. وفازت كتلتان شيعيتان كانتا تسعيان إلى إسقاطه بنحو 30 مقعدا لكل منهما.

ورغم الضغوط التي ظهرت منذ ذلك الوقت استطاع المالكي أن يصمد، وربما تسمح له الخلافات الداخلية بين أعضاء قائمته والمرشحين الشيعة الآخرين الذين يطمحون إلى تولي منصبه بالانتصار.

سامي العسكري: هناك مرارة في نبرة المالكي عندما يتحدث عن الدور الأميركي

من جهة أخرى يحاول المالكي تسويق نفوذ المتشددين من تنظيم “داعش” في العراق واستثماره لصالحه، ويعتبر أعضاء في ائتلاف المالكي أن رئيس الوزراء لا يريد أن تقترن نهاية ولايته بتفكك العراق، وفي هذا الصدد يرى البعض، من أمثال صديقه المقرب البرلماني السابق سامي العسكري، أن العراق لا يتحمل تغيير القيادة الآن.

وقال العسكري “الناس يلتفون حول المالكي ويسيرون خلفه بسبب تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام. فرصه لاتزال قوية”.

وربما يكون إسقاط المالكي هو الثمن الذي يتعين على ائتلاف دولة القانون دفعه لتشكيل ائتلاف حاكم، ويقول ساسة عراقيون إن عدم تأكيد واشنطن وطهران دعمهما للمالكي شجع خصومه على الإصرار على رحيله.

ومن المقرر أن يجتمع البرلمان في أول يوليو لبدء العملية بالموافقة على الحكومة الجديدة وهو الأمر الذي قد يستغرق شهورا ليظل المالكي في السلطة كرئيس لحكومة تصريف أعمال بينما تستمر الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية.

وتضغط كل من واشنطن وطهران من أجل تسوية سريعة للأزمة، حيث تصر الولايات المتحدة على أنها لن تختار الزعيم القادم للعراق لكن وزير خارجيتها جون كيري الذي اجتمع مع المالكي في بغداد الاثنين الفارط قال صراحة إن واشنطن تدرك استياء السنة والأكراد وبعض الشيعة.

وكانت الاجتماعات بين المالكي والدبلوماسيين الأميركيين الأسبوع الماضي ساخنة حسبما قال دبلوماسي غربي أطلعه أحد المشاركين في الاجتماعات على ما دار فيها.

وقال الدبلوماسي إن المسؤولين الأميركيين أبلغوا المالكي بأنه سيتعين عليه أن يتنحى جانبا إذا لم يعد لديه التأييد البرلماني اللازم لولاية ثالثة، وقال الدبلوماسي الغربي “أظن أنه تلقى الرسالة، لكني لن أندهش إذا حاول الالتفاف عليها”.

وأضاف أنه تم في البداية إلغاء مكالمة هاتفية مع نائب الرئيس الأميركي جوزيف بايدن بسبب الاحتكاك الذي تولد عن هذه الاجتماعات.

ونفى البيت الأبيض والسفارة الأميركية نقل أي رسالة إلى المالكي مفادها أن عليه الرحيل عن السلطة، لكن مسؤولين أميركيين أعربوا في لقاءات خاصة عن أملهم في التغيير.

والمواقف هنا متبادلة، فالعسكري صديق المالكي وصف رئيس الوزراء في الأيام الأخيرة بأنه يشعر بالمرارة تجاه الولايات المتحدة، فقد آلمته انتقادات حادة وجهها له أعضاء في الكونغرس الأميركي كما آلمه التأييد الفاتر من الرئيس باراك أوباما والامتناع عن توجيه ضربات جوية أميركية إلى مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية.

وقال العسكري “هناك مرارة في نبرة المالكي عندما يتحدث عن الدور الأميركي بل وحتى عما يحدث في العاصمة الأميركية والخطب في الكونغرس وخطاب أوباما، ليس عنده أمل، وهو يقول إن علينا الاعتماد على أنفسنا”.

وعلق العسكري على اللقاءات مع الدبلوماسيين الأميركيين الأسبوع الماضي فقال “سمعت أنها كانت متوترة وأتوقع ذلك لأنه ليس راضيا عن أسلوبهم. المالكي ليس عنده وقت للجلوس مع أي أحد لمجرد الاستماع للنصح والانتقاد. هو يريد أن يقدم أحد شيئا لمساعدته. ولم ير ذلك”.

أعضاء في الكتلة التي ينتمي إليها المالكي يسلمون الآن بأنه قد يضطر إلى الرحيل إذا تشكل ائتلاف جديد


سياسات مكشوفة


أما إيران المصدر الرئيسي الآخر للدعم الخارجي لحكومة بغداد فقد كانت أقل حماسا في تأييدها للمالكي رغم أنه لم يتضح ما إذا كانت على استعداد للتضحية به، وقال مسؤول إيراني كبير في مطلع الأسبوع الجاري “إيران تحترم اختيار الشعب العراقي. وإذا كان لا يريد رئيس وزرائه المالكي فلماذا نؤيده؟”.

وقال مسؤول إيراني كبير آخر إن إيران تؤيد المالكي لكنه ليس تأييدا مطلقا مثلما تؤيد الرئيس السوري بشار الأسد.

وأضاف “تأييد إيران للمالكي محدود ومشروط، وقد نقل السفير الإيراني في العراق هذه الرسالة للمالكي، فإيران تعتقد أن على المالكي أن يشكل على الفور مجلس وزراء يجمع فئات كثيرة لكنها تعتقد في الوقت نفسه أن الوقت ربما يكون قد فات”.

وأصبح المالكي مكشوفا، بعد الانهيار الأمني المفاجئ في أجهزة الجيش والشرطة العراقية، مما أدى إلى سيطرة جماعات مسلحة على مدينة الموصل الشمالية الرئيسية وانطلقت دون مقاومة تذكر صوب بغداد، وحمل العديد من الساسة العراقيين المالكي مسؤولية تدهور الأوضاع قائلين إن حكمه خاصة في السنوات الأربع الأخيرة مسؤول عن هذا الاستقطاب الذي شهدته البلاد.

فحين كانت القوات الأميركية لاتزال في البلاد تعرض المالكي لضغوط قوية للتواصل مع السنة وتشكيل حكومة ممثلة للعراقيين، وقد حصل المالكي على التأييد الأميركي بفضل تصديه للميليشيات الشيعية.

وفي الانتخابات السابقة عام 2010 وقبل رحيل القوات الأميركية حاول المالكي تجاوز الطائفية لكنه جاء في المركز الثاني بعد كتلة علمانية أيدها الكثير من أهل السنة، وللبقاء في السلطة عمد المالكي إلى تجميع تكتل برلماني من الشيعة وتراجع فيما بعد عن اتفاقات اقتسام السلطة.

وفي اليوم الذي استكملت فيه القوات الأميركية انسحابها عام 2011 أصدرت حكومة المالكي قرارا بالقبض على نائب الرئيس العراقي الذي ينتمي إلى المذهب السني ليقضي على ما تبقى من ترتيبات دستورية كان أهل السنة يعتبرونها ضرورية لضمان تمثيل كل العراقيين في الحكم.

شيئا فشيئا تكرست طائفية بدأت تتنامى بين الفرقاء العراقيين كان المالكي سببا في نشرها، مع تشدده في السنوات الأخيرة تجاه أهل المذهب السني.

6