ثورة العشائر تُغالب التطرف وتُعلي الحفاظ على وحدة العراق

السبت 2014/08/30
أبناء العشائر مصرون على المضي في كفاحهم ضد الطائفية بشقيها السني والشيعي

جنيف - الأزمة الأخيرة التي تعصف بالعراق منذ شهر يونيو الماضي، أعادته إلى دائرة الاهتمام الدولي بعد أن كان في خانة النسيان لسنوات. اهتمام جاء بعد السقوط المفاجئ لعدة مدن كبرى بيد ما يسمّى بـ”تنظيم الدولة الإسلامية” المعروف إعلاميا بـ”داعش”، سلّط التركيز على خطر هذا الأخير، وتغاضى عن أخطار أخرى لا تقل أهمية، يمثلها النظام بميليشياته الطائفية، في محاولة لطمس آثار ثورة عراقية حقيقة بدأ لهيبها يستعر يوما بعد يوم، حسب تقرير صادر عن مركز جنيف الدولي للعدالة بخصوص الوضع في العراق.

الخطر الداهم الذي يشكّله تمدّد تنظيم “الدولة الإسلامية” على أمن العراق ووحدته لم يعد يخفى على أحد، لكن يجب أن لا يحجب حقيقة أخرى مفادها أنّ هذا التنظيم لا يعدّ أن يكون سوى طرفا من بين أطراف أخرى تسبّبت في الأزمة التي تعيشها البلاد اليوم، وهي أطراف لا تقلّ خطرا عنه من حيث الأساليب والغايات.

وفي هذا الإطار يفيد التقرير الصادر عن مركز جنيف الدولي للعدالة، بأنّ المركز، سبق له أن أوضح في تقارير أخرى كان قد قدّمها إلى الأمم المتحدّة أن السياسات التي طبّقها رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، والتي وضعتها قوى الاحتلال، هي الخطر الحقيقي المُحدق بالعراق وهي التي ستؤدي إلى التقسيم وكوارث أخرى، دون التخفيف طبعا من خطر تنظيم “الدولة الإسلامية”.


جرائم المالكي


لقد ورث نوري المالكي عن الاحتلال سياسة المحاصصة الطائفية ثم حولّها إلى سياسة ممنهجة من “الإقصاء” الطائفي. كما ورث عن الاحتلال عمليات التعذيب، وحوّلها أيضا بدرجة أساسية الى ممارسة على أسس طائفية. وأكثر ما استخدمه في سياساته هي ذريعة “مكافحة الإرهاب”، حيث تم بموجبها اعتقال الآلاف من العراقيين الأبرياء من مناطق بعينها ولأسباب طائفية بحتة. يضاف إلى ذلك الاستخدام المُفرط لأحكام الإعدام على أسس طائفية ايضاً. حيث أنه تحت ذريعة مكافحة الإرهاب يجري إعدام مئات العراقيين في محاكمات لا تمتثل لأبسط مقومات المحاكمات العادلة، مما جعل العراق يحتل المرتبة الثالثة في عدد أحكام الإعدام في العالم بعد الصين وإيران.

وهكذا، فإن قبضة المالكي الحديدية عديمة الرحمة بالتوازي مع سياساته الطائفية التي أدّت إلى أن تُصبح إنتهاكات حقوق الإنسان في العراق هي القانون وليست الاستثناء. وقد وجد معارضوه أنفسهم متّهمين بتهم مُريبة مثل الإرهاب. وهذه الحالة أضافت إلى نتائج الغزو والاحتلال عام 2003 مزيداً من التدمير للعراق المنهك، كما أنها لا تقلّ خطرا عن تنظيم “داعش” في تهديد وحدة البلاد.

ورث نوري المالكي عن الاحتلال سياسة المحاصصة الطائفية ثم حولها إلى سياسة ممنهجة للإقصاء الطائفي

ومن أجل حل لهذه الأزمة، فقد حث المفوض السامي لحقوق الإنسان الساسة العراقيين إلى البحث عن حلّ دائم للأزمة يشمل تشكيل حكومة مصالحة تتبنى التمثيل المتساوي لجميع مكوّنات المجتمع العراقي. وقد جاء ذلك بعد بيان للسكرتير العام للأمم المتحدة بان كي مون، أكدّ فيه على ضرورة أن تتبنى الحكومة العراقية إصلاحات للسياسات الطائفية، مشدّدا على أنّ “العراق يجب أن يكون دولة متوحدّة تستطيع التعايش سوياً سواء كانت حكومته سنيّة، شيعية أم كردية”. وهذه التصريحات، بحسب التقرير الصادر عن مركز جنيف الدولي للعدالة، يجب أن يتبناها المجتمع الدولي مع الإحجام عن تسليح نوري المالكي.

تداعيات الاحتلال

الاضطرابات الحالية في العراق كشفت الستار عن أكبر الإخفاقات في تاريخ القرن 21، حيث أن هذه الكارثة تلت التصريحات المُضلّلة لتبرير الحرب عليه واحتلاله، مثل ما صرّح توني بلير مؤخراً بأنّ الغرب لم يكن سبب أزمة العراق الحالية. ومثل هذه التصريحات للتنصل من المسؤولية لا تتسبب بإضرار لمبادئ القانون الدولي الأساسية فحسب، بل وبالضمير الإنساني ككل.

لقد صمت المجتمع الدولي على خروقات حقوق الإنسان في العراق لمدة طويلة على الرغم من حدوث بعض من أبشع الخروقات الصارخة لهذه الحقوق. وهذا المشهد الفوضوي من غياب السلطة الذي يشهده العراق اليوم، ما هو إلا نتيجة لما حدث من تفكيك لمؤسستي القضاء والجيش من قبل الاحتلال الأميركي. كما لم ينتفض المجتمع الدولي يوماً لخروقات المحتل التي طالت حقوق الإنسان، مثل القصف العشوائي والقتل دون تمييز في مختلف مناطق العراق.

إن الاحتلال الأميركي مهدّ الطريق للعديد الانتهاكات الفظيعة لحقوق الإنسان التي ارتكبت في ظلّ الحكومات العراقية المتتالية، وساهم في إفلات مرتكبيها من العقوبة. ولقد غضّ العالم الطرف عن نداءات ملايين العراقيين من خلال مظاهراتهم منذ عام 2011 وحتى عام 2013، والتي طالبوا خلالها بوضع نهاية لسياسات حكومة المالكي الطائفية. وكما استخدم الاحتلال الأميركي التفرقة الطائفية لكسر شوكة المقاومة وقت الاحتلال، فإنّ المالكي استخدم نفس السياسة للسيطرة على البلاد.


داعش خطر وذريعة في آن واحد


في سياق آخر أفاد التقرير الصادر عن مركز جنيف الدولي للعدالة، بأنّ فقدان المجتمع الدولي لذاكرته، جعل من “داعش” المتورط بالفعل في أفعال وحشية طالت الشعب العراقي بمختلف ملله ونحله، الهدف السهل الذي يمكن تحميله المسؤولية في المشكلة التي يعيشها العراق الآن، فأغلب النقاشات اليوم تدور حول الأوضاع في الموصل وتكريت وسامراء ومصفى لتكرير البترول في بيجي، وكذلك الحديث عن الحاجة لاحتواء هذه التطورات لتحقيق الاستقرار الإقليمي والدولي حتى لا تتعمق الأزمة إلى ما هو أبعد من المرأي على السطح الآن.

خطر داعش الموجود بالفعل على الأرض يجب ألا يكون ذريعة لقمع ثورة العشائر التي تريد عراقا تعدديا يحضن جميع أبنائه

هذا التناسي لدور حكومة المالكي في خلق الأزمة، جعلت هذا الأخير يستغل حججا مثل الأمن القومي والحرب ضد الإرهاب من أجل تنفيذ خططه الاستبدادية والطائفية، إذ شنّ ما بين شهري يناير وأغسطس من عام 2014، أكثر من 40 هجوماً شاملاً ضد مدينة الفلوجة بحجة حربه على الإرهاب تماماً مثل ما فعل الأميركيون عند قصف الفلوجة في هجاماتهم الانتقامية التي شنوها عليها عام 2004، وادعائهم بأنّها حرب ضد تنظيم القاعدة الإرهابي، وليست ضد حركات المقاومة الوطنية للاحتلال في البلاد.

ونفس المعاملة لقيتها باقي مدن محافظة الأنبار وخاصة الرمادي والكرمة والصقلاوية إذ تتكرّر عليها الهجمات اليومية بالطائرات والصواريخ والمدفعية بعيدة المدى. ثم امتدّت الهجمات اليومية لتصل إلى مدن الموصل والحويجة وتلعفر وتكريت وجرف الصخر والمحمودية. والذريعة الجاهزة هذه المرّة هي محاربة “داعش”.

لقد تعاملت قوات المالكي مع سكّان هذه المناطق على أنّهم كلّهم تابعون لـ”داعش”، رغم أنّ هذا التنظيم لم يصل بعد إلى بعض من هذه المناطق التي استهدفها الجيش مثل جرف الصخر وما يطلق عليها بمناطق حزام بغداد!.

من جهة أخرى، أوضح التقرير أنّ الحقيقة المعروفة للجميع تفيد بأن “داعش” يضمّ مجموعة من المتشدّدين لا تشكل (حالياً) إلا جزءاً من مجموعة أوسع من حركات مقاومة نظام المالكي، تمثّل الثورة العراقية الحقيقية التي تحارب التطرّف بشقّيه السني والشيعي، وهي متكوّنة من أبناء العشائر وعدد من العسكريين السابقين وأعضاء في حزب البعث وغيره من حركات مقاومة الاحتلال الّتي نشأت بعد عام 2003، والتي ظلّت تؤكدّ في بياناتها المعلنة أنّها تقاوم مشروع الاحتلال الطائفي لتقسيم العراق، المتمثل في الحكومات الّتي أقيمت على أسس المحاصصة الطائفية. وعلينا أن نضع في الحسبان كذلك أن “داعش” لم يظهر في المشهد العراقي إلاّ في يونيو 2014، في حين أن تلك المجموعات تعمل منذ أكثر من عشر سنوات.

وعليه فإنّ خطر داعش الموجود بالفعل على الأرض يجب أن لا يكون ذريعة لقمع “ثورة العشائر” التي تريد عراقا تعدّديا يحضن جميع أبنائه على اختلاف مذاهبهم ومللهم.


تورط الميليشيات الشيعية


طبقاً لتقرير مركز جنيف الدولي للعدالة، فإنّ هذا الأخير استقى العديد من المعلومات من مصادر متواجدة على الأرض أفادت بأنّ ميزة “داعش” هي أنها تحظى بالاهتمام الإعلامي الواسع ويجري تسليط الضوء على انتهاكاتها (الموجودة والحقيقية بالطبع)، في حين يتم تجاهل بقية المجاميع التي تعبث بحياة المجتمع العراقي.

فما يجهله المجتمع الدولي هو وجود عشرات الميليشيات الشيعية، المدعومة من إيران المتربصة بأمن المنطقة، والتي نشأت قبل “داعش” بسنوات وهي تحظى بمباركة السلطات في العراق. ومن أهم هذه الميليشيات، الميليشيا المسمّاة “عصائب أهل الحق”، وميليشيا “حزب الله العراق” و”جيش المهدي”، الذي جرى إنشاء فصائل جديدة منه مؤخراً تحت اسم “سرايا السلام”، وغيرها.

وغالباً ما يتم تدريب وتسليح هذه الميليشيات في إيران وترتبط بمكتب رئيس الوزراء مباشرة وتموّل من قبله وتعمل بالتنسيق المباشر مع أجهزة الأمن العراقية. وتقوم هذه الميليشيات بعمليات إجرامية واسعة النطاق على أساس طائفي بحت، منها القتل على الهوية وإجبار المواطنين على النزوح من مناطقهم ثم حرق بيوتهم بعد سرقتها. كما قامت بالاستيلاء على السجون وإعدام المعتقلين.

تعاملت قوات المالكي مع سكان مناطق عدة على أنهم كلهم تابعون لـ{داعش}، قبل أن يسيطر عليها التنظيم

وتقوم أيضاً بوضع نقاط تفتيش واختطاف الأشخاص وإعدامهم. وتجدر الإشارة إلى أنّ كل هذه التجاوزات تجري بعلم السلطات وبمباركتها له، بل وبالتنسيق التام مع هذه الفصائل الإرهابية.

المعضلة الكبرى في ما يتعلّق بما سبق، هو أن تنفيذ تلك الأعمال الإجرامية يجري تحت ذريعة محاربة الإرهاب و”داعش” تحديداً، في حين أن الجرائم تطال مواطنين عراقيين في أماكن سكناهم لا علاقة لهم بما يجري من قتال.

ويوثقّ مركز جنيف باستمرار الكثير من هذه الجرائم استعداداً للملاحقة القضائية لهذه العصابات.


ثورة العشائر ماضية بثبات


بعد أن عرض التقرير الصادر عن مركز جنيف الدولي للعدالة الأخطار المحدقة بالعراق، وعدّد الأطراف المتورطة في الأزمة الحالية التي يشهدها، تطرّق في سياق آخر للحديث عن واقع آخر موجود بالفعل على الأرض، وهو الذي من شأنه أن يُبشر بمستقبل أفضل للبلاد في نظر العديد من المراقبين؛ هو الثورة العراقية التي ترفض داعش بأفكارها السوداء وتسعى إلى لفظ النظام الطائفي بميليشياته وغاياته الدنيئة التي تقصد تقسيم البلاد.

هذه الثورة التي قال اللواء مزهر القيسي، من المجلس العسكري العام لثوار العراق، أنّ القبائل هي التي أشعلت لهيبها الذي لن ينطفئ، وهي “ثورة بدأت منذ أن طالب شعبنا بحقوقه المشروعة في اعتصاماته الدستورية ولكنه قوبل بالعنف، رغم أنّ السلاح كان خيارنا الأخير لفرض إرادتنا”.

وفي ذات السياق أضاف القيسي “أنه بعد السيطرة على الموصل، صلاح الدين (تكريت)، الفلوجة، الكرمة، بيجي ومناطق أخرى، فنحن الآن على حدود بغداد. والناس سعداء بإزالة الظلم والطغيان الذي كان واقعا عليهم من قبل وحدات الجيش والوحدات الأمنيّة التابعة لنوري المالكي”.

من جهة أخرى، أوضح “أنّ المالكي هو من بدأ وأجبرنا على انتهاج الخيار العسكري، حيث انه عندما كانت وحدات الجيش ترسل إلى مناطقنا لتقوم بتجهيز نقاط تفتيش فإن الغرض منها كان إهانتنا وقهرنا والاعتداء على شرفنا، وهذا ما لن نقبله أبداً، وهو ما أوضحناه في أول بياناتنا، حيث أشرنا صراحة إلى أنّ سلطات المالكي الطائفية هي من يؤذي ويهين كرامة المواطن العراقي و يتعرض لممتلكاته”.

أمّا عن علاقتهم بـ”داعش”، فقد أكد اللواء القيسي، أنهم يختلفون كثيراً عن نهج تنظيم “الدولة الإسلامية، مضيفا أنّه عندما تتحقق الديموقراطية الحقيقية في العراق، فإن الشعب العراقي سيلفظ “داعش” تلقائيا وسيقرّر نظام الحكم الذي يرتضيه بيده.

40 هجوما شاملا لقوات المالكي ضد الفلوجة بحجة الحرب على الإرهاب

القيسي، خلص في نهاية حديثه إلى القول “إنّ الثوار يريدون عراقا جديدا، يتمتع أهله بخيراته، عراق ديموقراطي تحكمه حكومة مختارة من طرف الشعب، حكومة عادلة توحد جميع طوائف الشعب تحت راية الوطن.

ولذلك فإنهم لن يقبلوا تقسيم بلادهم بأي شكل من الأشكال سواء مجتمعيا أو جغرافيا. وسيعملون على إنهاء هذه الفترة السوداء من تاريخ العراق التي أتى بها الاحتلال الغاشم”، مشيرا إلى أنّ ذلك يتطلب بذل جميع الجهود لتوحيد الوطن، حاثّا العراقيين على أن يثوروا من أجل التغيير وتحقيق نظام ديموقراطي حقيقي لا مكان فيه للطائفية.

خلاصة القول، لقد أوضح التقرير الصادرعن مركز جنيف الدولي للعدالة أنّ السياسات التي طبّقها رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، والتي ورثها عن قوى الاحتلال، بالإضافة إلى الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران، مثلت، وتمثّل، خطرا حقيقيا مُحدقا بالعراق، شأن الخطر الذي يمثله تنظيم “داعش” الذي يجب أن يتم التعامل معه بحزم، دون التركيز الكامل عليه والتغاضي عن الأخطار الأخرى سالفة الذكر.

و بناء عليه، يبدو أنّه لا خيار أسلم أمام العراقيين، حسب التقرير، غير الانخراط في ثورة العراقيين الأحرار الحقيقية التي تعلي مصلحة الوطن فوق كل المصالح وتهدف إلى إرساء ديمقراطية من شأنها أن تحفظ للعراق وحدته وللعراقيين كرامتهم.

7