ثورة العلوم الجينية نعمة أم نقمة

السبت 2015/01/03
رغم نجاعة المعالجات الجينية، مازالت هنالك مخاوف من آفاق هندستها

لندن - دخل الجنس البشري عصر الثورة في هندسة الجينات التي ستسمح للناس بالتحكم في مسيرة تطورهم. وتستخدم حاليا في كثير من المخابر والمصحات العلاجات الجينية بنجاح لمعالجة عدة أمراض بما في ذلك بعض أصناف نقص المناعة والكمنة الشبكية وسرطان الدم. وهذا التقدم المذهل لا يعدّ سوى البداية وقريبا ستستخدم نفس التكنولوجيا للقضاء على الكثير من الأمراض الأخرى التي عانى منها البشر لآلاف السنين.

رغم نجاعة العلاجات الجينية، مازالت هنالك مخاوف من آفاق الهندسة الجينية يتوجب معالجتها حتى لا يؤول الأمر إلى الصراع سواء داخل المجتمعات أو على الصعيد العالمي.

وقد حان الوقت لإجراء حوار حقيقي حول التبعات الأمنية الوطنية للثورة الجينية يمكنه أن يضع الأسس الفكرية لإطار سياسي عالمي مستقبلي يهدف إلى تفادي الصراع المستقبلي الخطير.

كان نسق التقدّم في علم الجينات البشري مُدهشا، فبعد اكتشاف الحمض النووي الحلزوني منذ 61 عاما تم في ظرف خمسين عاما (سنة 2003) إيجاد التسلسل الكامل للجينوم البشري. وكانت تكلفة تحديد التسلسل للجينوم البشري في سنة 2001 مئة مليون دولار بينما الآن لا يتجاوز عشرة آلاف دولار، وإذا تواصل هذا الهبوط في التكلفة ستصل إلى مبلغ زهيد جدا في ظرف عقد من الزمن. كما أصبح الآن من الممكن إجراء تحليل جيني كامل لكل بويضة ملقّحة مرشّحة للتخصيب في الأنبوب قبل زرعها في رحم الأم وذلك بهدف اختيار بويضة من جنس معين أو لا تحمل تحولا معينا.

في المدى المتوسط من المحتمل أن يصبح ممكنا الذهاب إلى ما هو أبعد من الاختيار الجيني إلى التحسين الجيني المصمم لإصلاح العيوب وإطالة الحياة وتحسين وظيفة المخ وحواسه وزيادة التحمل والحماية من الأمراض.

وبذلك يصبح من الممكن وصل أجزاء من خليّة واحدة وتعويضها بجينات من بشر آخرين أو خلقها اصطناعيا.

فمثلا إذا كان والدان يحملان طفرات ضارة ظهرت في كل الأجنة في مرحلة ما قبل الزرع يمكن تعويض المورث لهذه الطفرة بمورث آخر مأخوذ من شخص آخر. وعندها لن يطول الوقت حتى يشرع بعض الناس في إضافة قدرات إضافية لمورثاتنا من عالم الحيوان.

وقياسا بردة الفعل المعارضة للنباتات المعدلة جينيا فإن إجراء تعديلات على الجينات البشرية سيرمي بالكثير من الناس إلى السجن حتى وإن ثبتت سلامة العلم في نهاية الأمر.

وفي نقاش أكثر تعقيدا ويحمل رهانات أكبر حول تعديل الجينات البشرية يثير المعارضون مسائل حقيقية مهمة لتبعات غير مقصودة وعلم تحسين النسل والانقسامات المجتمعية. ويسعى البعض إلى التمييز بين التعديلات الجينية الجسدية المقبولة لأهداف علاجية من ناحية، وتحسينات جينية محظورة أو تعديلات قابلة للتوريث مثل التي تجرى على البذور من ناحية ثانية.

بينما يرى آخرون الهندسة الجينية بما في ذلك التحولات القابلة للتوريث بمثابة تحرير الإنسانية من حدودها البيولوجية الحالية وهي جديرة بأن تحرر من أي قوانين تنظيمية.

وفي هذا السياق، سيصبح النقاش الخلافي حول التحسين الجيني داخل المجتمعات أكثر تعقيدا بسبب الاختلافات الدولية، فحتى في الوقت الحاضر تتباين القوانين الخاصة بعلم الجينات البشرية بين الدول بشكل كبير. ففي القارة الأوروبية، مثلا، نجد أن ألمانيا تمنع اختيار الجنين، في حين تتجه المملكة المتحدة إلى السماح بالتعديل الجيني القابل للتوريث عبر نقل الجينات الحيطية بالنسبة إلى بعض النساء اللائي يخضعن للتلقيح الاصطناعي. كما أن الهند تحظر انتقاء جنس المولود، بينما تسمح به الولايات المتحدة. ومع ازدياد الرهانات ستتفاقم الاختلافات.

6