"ثورة الفتيات" مواجهات لا تنتهي من أجل البقاء

فيلم خيال علمي يتوّغل عميقا في سرد يوميات الناجين من الانهيار العظيم.
الاثنين 2019/09/23
معالجة سينمائية مختلفة لثيمة الانهيار العظيم

تنتمي قصة فيلم “ثورة الفتيات” إلى ذلك النوع من أفلام الخيال العلمي الذي يعنى بما بعد الانهيار العظيم أو الديستوبيا التي تسيطر على سطح الأرض. ويجنح الخيال بعيدا في رسم ذلك المستقبل المجهول وتصبح قصة كهذه مساحة واسعة للتجريب وتقديم رؤى ومعالجات سينمائية مختلفة، ومنها هذا الفيلم للمخرجة الكندية يوفانكا فيكوفيتش الذي أرادت من خلاله أن تحقّق إضافة نوعية مختلفة لهذا النوع من الأفلام.

قدمت المخرجة الكندية يوفانكا فيكوفيتش في فيلم “ثورة الفتيات” معالجة مختلفة عمّا تعوّده المُشاهد في أفلام الخيال العلمي الذي يعنى بما بعد الانهيار العظيم، لكنها عادت كما في العديد من الأفلام الأخرى في معالجتها لقصة ما بعد الخراب والدمار العظيم، إلى الحديث عن الناجين من الكارثة وكيف تدبّروا أمرهم، وما هي التحديات التي يواجهونها وصولا إلى يوميات تفصيلية لشكل ومحتوى تلك الحياة الجديدة مع التركيز على المواجهة بين فريق للفتيات وآخر للفتيان.

وفي هذه القصة الدرامية يفترض أن البشرية جمعاء قد تعرضت إلى الفناء ولم تبق إلاّ فئة المراهقين والشباب هي الناجية، ومنهم ثلة من الفتيات هنّ موضوع هذا الفيلم.

وعلى هذه الخلفية تشكّلت عصابة تدعى “التيتان” ترتدي زيّا مميزا وأغلبها من الشباب والفتيان يطبقون أوامرهم على من يشاؤون ليقعوا في تصادم مع مجموعة أخرى هي “الراكتاك” من الفتيات المراهقات اللائي بقدراتهنّ المحدودة يحاولن درء الشر عنهنّ. وتقوم الدراما الفيلمية على المواجهة بين المجموعتين حتى تطغى على الفيلم صفة العنف ويشيع القتل والانتقام وتتمكن مجموعة الفتيات على ضعفها من الدفاع عن نفسها. وعلى هذه الأرضية تجري أحداث الفيلم، ولن نتجاوز تلك اليوميات التي تعرض أحداثا تتعلّق بالصراع من أجل البقاء بين المجموعتين.

وبسبب تكريس المخرجة يوفانكا فيكوفيتش ومعها كاتبة السيناريو كاترين كولينس قصتهما الفيلمية ضمن إطار الصراع والسجال بين المجموعتين، فإننا لن نشاهد تحوّلات استثنائية تذكر، كما أننا سنفتقد تلك الانتقالات البارعة والحبكات الثانوية التي تعمّق متعة المشاهدة، بل بالعكس، اعتمدت المعالجة الفيلمية على نمطية مألوفة في العديد من الأفلام السينمائية ممثلة في الحوارات واليوميات.

المخرجة يوفانكا فيكوفيتش أطنبت في سرد تفاصيل حياة الشخصيات، الأمر الذي لم يمكن فيلمها من تجاوز الرتابة والتكرار

وفي حدود هذا النوع من المعالجة تكاملت عناصر التصوير والمونتاج والحوار في تقديم ما أرادت المخرجة وكاتبة السيناريو تقديمه، تفاصيل متسلسلة ومنطقية لحياة الشخصيات، حوارات معتادة في ما بينهم، انتقالات سلسة بين المشاهد، لكن كل ذلك لم يرتق بالفيلم إلى تجاوز الرتابة والتكرار.

ولا شك أن أفلاما من هذا النوع بحاجة إلى تحوّلات كبيرة، وإلاّ سوف يكرّس الناجون أفعالهم إلى مفردات حياتهم اليومية من دون مفاجآت تذكر تسهم في زيادة متعة المشاهدة.

وخلال ذلك كانت الشخصية الرئيسية نات (الممثلة ماديسون إسيمان) هي التي تميّزت في مقابل سكراتش (الممثلة بالوما كيتوفسكي) ليشكلا ثنائيا للتصدي لعصابة “التيتان” مع تأسيس خط سردي مواز يتعلق بالعاطفة والانجذاب المتبادل بينهما، ربما للتعويض عن الرتابة والتكرار وعدم وقوع أحداث مثيرة، ولهذا كان لا بد من جذبها باتجاه مسار آخر يتعلق بالعلاقة الشخصيات في ما بينهما.

وفي مقابل ذلك، وما دمنا في دائرة الشخصيات وأدائها، فالملاحظ أن هناك قدرا من التقشّف في اندفاع الشخصيات، بل هناك ضعف واضح أحيانا لا مبرّر له، وهنا تبدو الشخصيات مقيّدة وغير قادرة على قيادة الحدث وعلى الابتكار، وهي نقطة ضعف مهمّة كان بالإمكان معالجتها بطريقة مختلفة.

وعلى فرض أن عصابة “التيتان” هي الأكثر بطشا، وبالتالي هي من تمتلك المبادرة، إلاّ أنها بدت هي الأخرى متحفظة، وسرعان ما تخسر في المواجهة، وهي نقطة ضعف أخرى في هذه الدراما السينمائية.

Thumbnail

منطقيا، وما دامت الدراما الفيلمية قد تأسّست على أساس قوتين دراميتين هما “التيتان” و”الراكتاك”، هنا كان لا بد من مواجهات أكثر شراسة وموضوعية، وكما ذكرنا آنفا، فإن الأدوات والوسائل الفنية وفرّت مناخا لذلك، لكن الخلل بدا واضحا في بناء الشخصية وحياتها ودوافعها.

وإذا مضينا في هذه الدراما، فلا شك أن العالم الديستوبي يترك وراءه خرابا كبيرا على جميع المستويات، وهو ما لم تعره المخرجة اهتماما، فالمكان في شكله المعتاد، والشخصيات النظيفة وملابسها التي اكتسبت شكل زيّ موحّد بالنسبة لـ”التيتان”، لم تكشف على مستوى المكان عما جرى من خراب أو ما هي أسبابه؟

ومع ذلك، لجأت المخرجة في تقديمها لبعض المعلومات عن الشخصيات إلى نوع جذّاب ومختلف، من خلال يافطات تحتوي الحوار، تلك التقنية التي تظهر عادة في مسلسلات الكوميكس، وهو حل جيّد في تتبّع المعلومات التي يُراد إيصالها إلى المشاهد وقد نجحت فيه مخرجة العمل، كذلك الأمر على صعيد المونتاج فقد استخدمت المخرجة وفريق المونتاج شكلا مميّزا في الانتقالات بين المشاهد، وهو أن يكون المشهد التالي في أعلى الشاشة، فيتم الانتقال إليه.

ولا شك أن الفيلم ينتمي إلى نوعية الأفلام قليلة التكلفة، الأمر الذي جعل الحلول البصرية والحركية المتاحة للمخرجة محدودة للغاية مكتفية بأداء الشخصيات والحوار في ما بينها من جهة، والتصوير في أماكن حقيقية من جهة أخرى، وهو ما بدا واضحا خلال مسار الأحداث.

والأكيد أيضا، أن الأدوات الفنية والتقنية المعتمدة في فيلم “ثورة الفتيات” أتت بمستوى يمكن التأسيس عليه لتقديم فيلم يعالج قضية الديستوبيا من زوايا مختلفة ومبتكرة، لكن بدت الحلول الدرامية في الفيلم محدودة للغاية.

16