"ثورة الفلاحين" دراما لبنانية تنبش في خفايا التاريخ

مسلسل "ثورة الفلاحين" يدور في قالب تاريخي في فترة حكم الباكاوات والمشايخ في لبنان، أي في حدود القرن التاسع عشر حول إحدى العائلات الإقطاعية التي تتحكم في مساحة واسعة من الأرض الزراعية.
الخميس 2018/11/15
علاقات متشعبة

يحصد المسلسل اللبناني “ثورة الفلاحين” منذ عرض أولى حلقاته نصيبا وافرا من المتابعة، وهي ليست المرة الأولى التي يتعاون فيها المخرج اللبناني فيليب أسمر مع مواطنته الكاتبة كلوديا مرشليان في عمل درامي، فقد سبق وأن قدما معا عددا من الأعمال الدرامية المميزة، منذ أول تعاون لهما في مسلسل “أجيال” في العام 2010.

لكنها المرة الأولى التي يخوضان فيها معا تجربة العمل على مسلسل ذي طابع تاريخي مثل “ثورة الفلاحين”، والذي تشارك فيه مجموعة كبيرة من النجوم والنجمات اللبنانيين، من بينهم الفنانة ورد الخال، وباسم مغنية، وإيميه صياح، وكارلوس عازار، ووسام حنا، وسارة أبي كنعان، وفيفيان أنطونيوس، وتقلا شمعون، ونيقولا دانيال وختام اللحام، بالإضافة إلى عدد آخر من الفنانين اللبنانيين.

 

يعاود المخرج فيليب أسمر التعاون مع الكاتبة كلوديا مرشليان في عمل درامي جديد، وهو مسلسل “ثورة الفلاحين” الذي يعرض حاليا على قناتي “أل.بي.سي.آي” و”أل.دي.سي” اللبنانيتين، كما يمكن مشاهدته أيضا على قناة “أو أس أن ياهلا” الإماراتية.

والمسلسل هو أحد الإنتاجات الضخمة ذات الكلفة العالية، ما انعكس على تفاصيل العمل، من أماكن تصوير وديكور وملابس وغيرها، ليعد بالفعل واحدا من أضخم الإنتاجات اللبنانية خلال الفترة الأخيرة، كما أنه يضع الدراما اللبنانية على خط الإنتاجات التاريخية ذات الطبيعة المميزة اعتمادا على كوادر لبنانية 100 بالمئة.

ويدور المسلسل في قالب تاريخي في فترة حكم الباكاوات والمشايخ في لبنان، أي في حدود القرن التاسع عشر حول إحدى العائلات الإقطاعية التي تتحكم في مساحة واسعة من الأرض الزراعية، كما تتحكم أيضا في مصائر الفلاحين العاملين في هذه الأرض.

ويتعامل أصحاب الأرض مع الفلاحين كجزء من أملاكهم، كل شيء مباح حتى أعراضهم، فبين صلف العائلة الإقطاعية وتعاليها على من يعملون لديها وبين استسلام هؤلاء الفلاحين لذلك القدر المحتوم وتمرد بعضهم يتشكل السياق العام لهذا العمل، كصراع تقليدي بين الخير والشر.

وتبدأ أحداث المسلسل بمشهد متوتر لأم شابة (إيميه صياح) تلد طفلها في الخفاء بين الحقول بمساعدة رفيقة لها، نعرف في ما بعد أن الطفل هو ابن غير شرعي لفايز بك (كارلوس عازار) ابن عميد العائلة الإقطاعية والذي يلعب دوره الفنان نيقولا دانيال، وتسرع رفيقة الأم فتون (سارة أبي كنعان) إلى تلقف الطفل وتسليمه إلى أول بيت من بيوت الفلاحين تستطيع الوصول إليه.

وعلى ضوء هذا الحادث تلتقي فتون بنورس الذي يلعب دوره الفنان وسام حنا لتنشأ بينهما علاقة غرامية ستكون لها تداعياتها في بقية الحلقات، ومن خلال هذا الحدث المحوري الذي تضمنته الحلقة الأولى من المسلسل نستطيع التعرّف على شخصيات المسلسل، ونتلمّس بوادر التمرّد الذي يتأجّج في قلوب الشباب الطامحين إلى التحرّر من أغلال العبودية التي يفرضها النظام الإقطاعي.

الصورة الرمزية لهذا التمرد تتمثل في نورس، ذاك الشاب الأسمر الذي انتقل حديثا إلى هذه المنطقة، ويعمل نورس وأسرته المكونة من أخته وزوجها في صناعة الفخار، بعيدا عن تحكمات الإقطاعيين وسيطرتهم. ويراقب الشاب الأسمر الوضع من بعيد ويسعى لبث روح التمرّد والثورة في نفوس الشباب الآخرين، في حين  تبدو عائلات الفلاحين منقسمة بين الاستسلام والتمرد، وعلى الجانب الآخر نرى العائلة الإقطاعية منقسمة هي الأخرى بين الأخيار والأشرار.

الفنانة ورد الخال تقدم في المسلسل دورا مركبا من خلال شخصية لميس التي تجمع بين الخير والشر
الفنانة ورد الخال تقدم في المسلسل دورا مركبا من خلال شخصية لميس التي تجمع بين الخير والشر

وهنا يطالعنا الفنان باسم مغنية بدور رامح، وهو واحد من الأدوار اللافتة في هذا المسلسل، فهو شاب يمتلئ قلبه بالكراهية تجاه الفلاحين، كما يحمل حقدا دفينا تجاه خاله نسر بك الذي أواه بعد موت والده، ويسعى رامح جاهدا ليرث مكانة الزعامة في الأسرة.

يمثل رامح الجانب الأكثر صرامة وقسوة في عائلة نسر بك، نراه في أحد المشاهد وقد أجبر أحد الفلاحين على الركوع أمامه ليطأ رأسه بقدمه إمعانا في إذلاله، والمنافسة بين رامح وابن خاله فايز تشتد مع مرور الوقت خاصة أن فايز يمثل صوت العقل في العائلة الذي يجنح إلى اللين في التعامل مع الفلاحين.

وأمام هذا الشد والجذب بين أطراف العمل، سنجد مجموعة من العلاقات المعقدة بين شخصياته، كعلاقة الحب التي تجمع بين سليم ابن البك الذي يؤدي دوره الفنان نيقولا مزهر والخادمة رابحة، والعلاقات العاطفية الشائكة التي تجمع بين فايز ومنتورة التي تلعب دورها الفنانة إيميه صياح، وكذلك العلاقة بين نرجس (تقلا شمعون) وأحد العاملين لدى العائلة.

وهذه العلاقات الشائكة والمتشعبة ترسم ملامح المسلسل بنوع من التشويق والإثارة، نجح المخرج فيليب أسمر في استثمارها جيّدا طوال حلقات العمل.

ومن الأدوار المعقدة في هذا المسلسل دور لميس الذي تؤديه ببراعة الفنانة ورد الخال، وهو دور يجمع بين الخير والشر، فهي امرأة مصابة بعدم الاتزان في تصرفاتها نتيجة لشعورها بالقهر من قبل أسرتها، ورغم كرهها البادي للفلاحين إلاّ أنها تقع في غرام نورس صانع الفخار، وتحارب أسرتها من أجل الارتباط به، وتفاجئنا الحلقات بصفحات مخفية وغير معلنة عن حياة لميس، إذ سنعرف في ما بعد أن لها ابنا أنجبته في الخفاء يعيش بين الفلاحين.

“ثورة الفلاحين” هو أحد الأعمال المميزة التي تضاف إلى رصيد الدراما اللبنانية، وهو ليس مسلسلا تاريخيا بالمعنى المباشر، فهو لا يتطرق إلى أي من الشخصيات التاريخية المعروفة، ولا يتناول الأحداث الفعلية لثورة الفلاحين التي اندلعت في منتصف القرن التاسع عشر في لبنان وقادها طانيوس عازار على إثر نزاع بين الموارنة والدروز، فالمسلسل يدور في إطار تاريخي دون الإشارة إلى ذلك الحدث حتى أو رموزه، وهي رموز تاريخية معروفة في تاريخ لبنان الحديث.

“ثورة الفلاحين” عمل درامي يدور في أجواء تاريخية، ومن بين الانتقادات التي وجهت للمسلسل أنه بالغ في البهرجة، خاصة في ما يخص الملابس والديكورات، وهو أمر حتمي في مثل هذه الأعمال التاريخية التي تعتمد في جانب منها على الإبهار، وغالبا ما تتسم الأعمال ذات الإطار التاريخي بالكلفة العالية، نظرا لما تتطلبه من جهد مضاعف ومواقع تصوير ذات طبيعة خاصة، وهو أمر يحسب للعمل لا عليه في الحقيقة، وإن كانت الملابس أحيانا أقرب ما تكون إلى ملابس الطبقة الأرستقراطية في أوروبا في نهايات عصر النهضة، كما لم يخل الحوار بين الشخصيات من التراكيب غير المناسبة للعصر الذي يدور فيه المسلسل.

في نهاية الأمر نحن أمام عمل جيّد وجدير بالمتابعة، تطغى محاسنه على عيوبه، وقد حاول صناعه تلمس أسباب النجاح ووفّقوا في ذلك إلى حد كبير.

16