ثورة القهوة على الشاي

لا يمكن أن تسير في أي شارع فيه بضعة دكاكين الآن في أية مدينة بريطانية من دون أن تجد في أركانه مقاهي “كوستا” أو “ستار باكس″. ثورة القهوة على الشاي استكملت أركانها.
الأربعاء 2018/09/05
تحولت كوكاكولا إلى شركة تدير المقاهي وتتوسع فيها

كنت من الذين عاصروا تحول المزاج البريطاني في التسعينات من حب شرب الشاي إلى التمتع بشرب القهوة. الإنجليز أمة شرب الشاي. في أعراف العمل في الجزر البريطانية أن تأخذ استراحتين يوميا لشرب الشاي. اسمهما شبه الرسمي هو “استراحة الشاي”. توارثتهما الأجيال، الأولى الصباحية منذ ما قبل الثورة الصناعية، والثانية منذ منتصف القرن التاسع عشر.

مطلع التسعينات كنا نذهب إلى غرفة الأساتذة وطلبة الدراسات العليا. ليست بالغرفة الكبيرة وهي كذلك بشكل مقصود. عليك أن لا تطيل المكوث في الغرفة ما يزيد عن 12 دقيقة، ثم يأتي غيرك. تجد أمامك الماء المغلي وأكياس الشاي. تعد الكوب صباحا، وتأخذ معه قطعة بسكويت بعد الظهر.

فجأة، في منتصف التسعينات، ظهر ترمس فيه قهوة مصفاة ساخنة. يعده أحد طلبة الدكتوراه لأنه يريد أن يحصل على بضعة جنيهات يوميا تساعده في المعيشة. كان يونانيا والقهوة بالنسبة له قضية وطنية. لم يكن يعد قهوة يونانية (أو قهوة تركية كما تسمى في البلاد العربية)، بل قهوة مصفاة بماكنة. صار البعض يقف يدانش فكره إن كان سيشرب الشاي أم القهوة. بمرور الوقت بارت “تجارة” الشاي بيننا، وصارت “استراحة الشاي” هي “استراحة القهوة”. لم نشرب القهوة في الغرفة فقط بل كنا نأخذ حصة إضافية إلى مكاتبنا.

مقابل مبنى جريدة “العرب” السابق في جنوب لندن كان هناك مقهى يقدم الوجبات الخفيفة والشاي. إذا طلبت منه قهوة فأنت تعني قهوة نسكافيه الفورية. يتم الأمر بلا طقوس كتلك التي تصاحب الشاي. لم يكن كثيرون يستمتعون بالقهوة الفورية. لهذا تسلل إعداد القهوة بطريقة التصفية على يدي إلى مبنى الصحيفة وبدأنا نعد القهوة التي “تعدل المزاج”. في الأيام التي كنت أعمل فيها خلال الأسبوع بدوام جزئي في الصحيفة، كنت تشم رائحة قهوة “لايونز″ التي تنتشر في صالة التحرير. لا زال الأمر كذلك في مبنى آخر وزمن آخر. مؤخرا قال لي زميل عراقي جلس معي على فنجان قهوة في مكتبي إنه تزوج سيدة نصفها لبناني فعرفته على شرب القهوة. من يومها طلق الشاي بالثلاثة.

ثورة القهوة اجتاحت بريطانيا والعالم. اختفت كافيتريات الشاي لصالح مقاه تقدم القهوة. أول الأمر بدأ بمقاه بأسماء محلية. بمرور الوقت استبدلت الأسماء بسلاسل عالمية كبيرة. لا يمكن أن تسير في أي شارع فيه بضعة دكاكين الآن في أية مدينة بريطانية من دون أن تجد في أركانه مقاهي “كوستا” أو “ستار باكس″. ثورة القهوة على الشاي استكملت أركانها.

شهية القهوة للانتصار ما تزال مستمرة. صناعة القهوة في العالم اليوم تساوي 80 مليار دولار. بينما صناعة المشروبات الغازية تقارب 600 مليار دولار. من الأحق في استثمار الانتصار وتحويل اتجاهه إلا شركة عريقة في إنتاج المشروبات الغازية؟ بالطبع كوكاكولا. لهذا تحركت الشركة واشترت سلسلة مقاهي كوستا. تحولت كوكاكولا من شركة بلا دكاكين وتوزع منتجاتها عبر الآخرين، إلى شركة تدير المقاهي وتتوسع فيها.

حرب جديدة بدأت بين قهوة وقهوة، وبين قهوة ومشروبات غازية. لا شك لدي بمن سيفوز.

24