"ثورة الملك والشعب" مستمرة في المغرب

الجمعة 2013/08/23

عندما يختار الملك محمد السادس الذكرى الستين لـ»ثورة الملك والشعب» للحديث عن حال التربية والبرامج التعليمية في المغرب، فمعنى ذلك أن الثورة التي كرّست استقلال المملكة في ظروف في غاية الصعوبة والتعقيد، إنما هي ثورة مستمرة. إنها ثورة مستمرة وإن كانت في شكل آخر.

كانت ثورة «الملك والشعب» عام 1953 على المستعمر الفرنسي. إنها الثورة التي قادت إلى الاستقلال بعدما اكتشف المستعمر أنّه لن يكون قادرا على كسر إرادة الشعب المتمسّك بالاستقلال وبالملك في آن.

في السنة 2013، تستمرّ هذه الثورة، ولكن على الجهل وعلى كلّ ما يمكنه إعادة المغرب إلى الخلف وإعاقة تقدّمه. في الحالين، منذ ما قبل الاستقلال وحتى يومنا هذا، لا يزال الإنسان محور الثورة المغربية التي قادها الجدّ محمد الخامس واستمرت بالذهنية نفسها مع محمد السادس الذي يتميز دائما بالوضوح والكلام المباشر والصريح.

من يركز على التربية، إنما يستثمر في المستقبل. في النهاية، إن ثروة المغرب في الإنسان المغربي الشاب الذي لابد من الاستثمار فيه وإيجاد فرص عمل لائقة له. هذا ما يركز عليه الملك في خطابه الأخير. ولذلك، تحدث محمّد السادس دون عقد عن المطلوب عمله بصفة كونه فوق الأحزاب وفوق الانقسامات السياسية والمزايدات التي يمكن أن تعيق العودة الدائمة إلى المنطق وإلى القيم الإنسانية التي يفترض تحكمها بالمجتمع. على رأس هذه القيم مستوى التربية والتعليم الذي لا علاقة له بحكومة إسلامية أو أي حكومة أخرى. أعاد محمد السادس المغاربة إلى حيث يجب أن يعودوا، أي إلى الواقع. يقول الواقع إن الجهل عدوّ الناس وأن لا شيء في هذا العالم يتقدم من دون العلم، حتى في الدول التي تمتلك ثروات طبيعية كبيرة. والعلم يعني أول ما يعني الربط بين البرامج التعليمية ومستواها من جهة، والتنمية من جهة أخرى. من هذا المنطلق، لم يجد عيبا في الاعتراف بأن السنوات العشرين الماضية شهدت تراجعا في مستوى التعليم في المملكة، وجعلت عائلات كثيرة تتجه إلى إرسال أبنائها إلى المدارس والمؤسسات الخاصة.

بالنسبة إلى ملك المغرب، لابدّ من أن يكون التعليم في مستوى معيّن، أيّ أن يكون هذا المستوى في متناول كل المغاربة وليس في متناول الأغنياء فقط. إنه يؤمن بديمقراطية التعليم، وفي توافر مستوى معيّن لهذا التعليم في الوقت ذاته. وهذا ما دفعه إلى القول: «إن الوضع الراهن لقطاع التربية والتكوين يقتضي إجراء وقفة موضوعية مع الذات لتقييم المنجزات وتحديد مكامن الضعف والاختلالات».

وأضاف: «إن على الحكومة الحالية استثمار التراكمات الإيجابية في قطاع التربية والتكوين باعتباره ورشا مصيرية تمتد إلى عقود. فمن غير المعقول أن تأتي أي حكومة جديدة بمخطط جديد خلال كلّ خمس سنوات، متجاهلة البرامج السابقة، علما أنها لن تستطيع تنفيذ مخططها بأكمله نظرا إلى قصر مدة حكمها. لا ينبغي إقحام القطاع التربوي في الإطار السياسي المحض، ولا أن يخضع تدبيره للمزايدات السياسوية».

لم يكتف العاهل المغربي بالحديث عن رفضه لأيّ ربط للقطاع التربوي بالمزاج السياسي لهذه الحكومة أو تلك أو بهذا الحزب أو ذاك. التربية والتعليم فوق ذلك، عليهما يتوقف مستقبل تطوّر المغرب الذي يحتاج إلى كوادر قادرة على العمل في قطاعات جديدة من بينها صناعة السيارات والاتصالات. هناك في العالم وظائف من نوع جديد، يفترض في المغاربة إتقانها…

ليس سرّا أن المغرب يهيئ نفسه، عن طريق البنية التحتية التي تشمل كلّ المناطق ليكون جسرا بين أوروبا القريبة وأفريقيا التي هو جزء منها. لعلّ أبرز ما يدل على ذلك، مينـاء طنجة-المتوسط الجديد الذي سيكون نقطة التقاء أوروبية- أفريقية- مغربية.

ستكون هناك شركات كبيرة تبني مصانع قرب الميناء لتصدر منه سيارات وشاحنات وآليات أخرى إلى أوروبا القريبة، أوروبا التي على مرمى حجر من طنجة. هل سيكون المغاربة في المستوى المطلوب مهنيا لمواجهة التحديات الجديدة التي من بينها هذا الميناء، أم سيتركون المواقع المهمة في المشاريع الكبيرة للأجانب؟

ليس عيبا تسمية الأشياء بأسمائها. ولذلك، تطرق العاهل المغربي إلى مسألة في غاية الحساسية لا يتجرّأ كثيرون على الإتيان على ذكرها. هذه المسألة مرتبطة بإتقان اللغات الأجنبية التي تسمح للطالب بمتابعة دراسته في أفضل الجامعات أو المدارس المهنية المتخصصة وأكثرها تقدّما على يد أفضل الأساتذة. مثل هذا النوع من الدراسة يتطلب معرفة لغات أجنبية، على رأسها الإنكليزية. ما لم يقله ملك المغرب صراحة أنّ إتقان اللغات الأجنبية لا يتناقض مع التمكن من اللغة العربية التي تبقى مع الأمازيغية اللغة الوطنية في المغرب.

لا تعارض بين اللغات الأجنبية والعربية، على العكس من ذلك، من يعرف لغات أجنبية يزداد تعمّقه باللغة العربية وأي لغة وطنية أخرى يعمل المغرب على تشجيعها وحمايتها.

إنه باختصار ملك دون عقد لا يهمّه سوى رفاه شعبه وتقدّم المغرب. ففي القرن الواحد والعشرين، وفي خضمّ الثورة التكنولوجية، يظل الإنسان الثروة الأولى للدول المتقدمة. لا شيء أهمّ من الإنسان الذي يبقى رهان محمّد السادس عليه، هو الذي رفع منذ اليوم الأول لاعتلائه العرش شعار محاربة الفقر والجهل من أجل القضاء على الإرهاب والتطرف وعلى البيئة الحاضنة لهما…

في النهاية، إن القطاع التربوي المتقدم جزء لا يتجزأ من الأدوات المستخدمة في القضاء على الفقر والجهل، أي إنه جزء لا يتجزأ من الحرب على الإرهاب والتطرف.

من يزور المغرب هذه الأيام، يدرك أن كلام محمّد السادس عن قطاع التربية والتعليم في مناسبة الذكرى الستين لـ»ثورة الملك والشعب»، لم يأت من فراغ. هناك رغبة واضحة في تأكيد أنّ الثورة على المستعمر التي جمعت بين الملك والشعب مستمرّة. هناك، بكلّ بساطة شراكة مستمرة محورها الإنسان المغربي الذي يعرف محمّد السادس أنّ الأهم إبعاده عن الجهل الذي يظلّ العدو الأول للإنسان، لكلّ إنسان.

9