ثورة النيل آخر أوراق الإخوان للعودة إلى الجماهير: تنجّيهم أم تغرقهم؟

استغلال الإخوان قضية مياه النيل بما يكتنفها من إشكاليات معقدة لإحداث الفوضى في الداخل المصري من المرجح أن يأتي بنتائج عكسية ضد كل من النظام التركي والجماعة.
الأربعاء 2021/07/07
محاولات إخوانية فاشلة للعودة إلى الشارع من باب معركة المياه

في وقت لم تحقق فيه المصالحة بين مصر وتركيا تقدما ملموسا، يستغل مستشار الرئيس التركي ياسين أقطاي معركة المياه المحتدمة بين القاهرة وإثيوبيا مع انطلاق أديس أبابا رسميا في الملء الثاني لسد النهضة لفتح الطريق أمام جماعات الإخوان للعودة إلى الشارع واستقطابه من باب ما بات يعرف بثورة النيل. لكنّ الخبراء يقللون من فرص هذه العودة، حيث لم تعد مناورات الجماعة تنطلي على الشارع المصري بل ستؤكد من جديد السقوط المدوي لشعبيتهم في البلاد.

القاهرة- اطمأن قادة جماعة الإخوان إلى أن النظام التركي ليس بصدد التفريط فيهم، ويوازن أوراقه وأدواته في سياق مسار المصالحة مع مصر، بحيث تظل أدوار الجماعة حاضرة في المشهد ترغيبا وترهيبا.

ولم يكن ما كتبه مستشار الرئيس التركي ياسين أقطاي بشأن مزاعم المعاناة التي سيكابدها المصريون جراء اكتمال بناء سد النهضة الإثيوبي عقب تصديق محكمة النقض المصرية على أحكام بالإعدام بحق 12 قياديا إخوانيا معزولا عن ترتيبات بدت موزعة بعناية بين أجنحة موالية للجماعة تباشر نشاطها بالتنسيق مع الأجهزة الأمنية التركية.

ولوّح الرجل بملامح خطة مفترضة ترتكز على استثمار حالة الاحتقان والغضب الشعبي بعد تنفيذ إثيوبيا للملء الثاني للسد خلال الأيام المقبلة تحت مبرّر تهاون الإدارة الحالية في حقوق مصر المائية، زاعما أن مسارعة السلطة للتخلص من قادة الإخوان عبر أحكام الإعدام الصادرة ضدهم هو استباق للأحداث لحرمان الشارع من رموز المعارضة القادرة على إدارة ثورة العطش والجوع المرتقبة.

وواكب تصريحات مستشار الرئيس التركي مشهد مُنسَق جمع بين عدة أجنحة تدين بالولاء للجماعة، ما أوحى بأن ما كتبه ليس من قبيل التهديدات الفارغة من المضمون الحقيقي وإنما من منطلق خطة متناغمة ومدروسة لإدارة المعركة ضد مصر خلال المرحلة المقبلة إذا تطلّب الأمر.

وانعكست خطة أقطاي المفترضة على طبيعة طرح ثلاثة أجنحة رئيسية موالية لجماعة، يركز أحدها على مخاطبة ما يسمّى بـ”التيار الثوري والشبابي” ويستخدم مصطلحاته ولغته ويقوده محمود فتحي رئيس حزب “الفضيلة” الهارب في تركيا، والذي يدعو متابعيه بدأب للخروج الثوري المتدرج المنظم تحت عنوان “ثورة النيل”.

والثاني يركز على الخطاب الشعبي ومخاطبة العامة بلغة دارجة، وهو الدور الذي يقوم به محمد علي المقاول المصري الهارب في إسبانيا، والثالث يركز على النخب السياسية والفكرية التي ينشط في مخاطبتها ومحاولة استقطابها الأكاديمي القريب من الإخوان الدكتور حسن نافعة.

ودعا نافعة إلى تشكيل ما أطلق عليه “الجبهة الوطنية للدفاع عن حقوق مصر في مياه النيل” مؤخرا، واصفا المياه بأنها قضية تحظى بإجماع كل المصريين أيًا كانت انتماءاتهم.

الخطة البديلة

ياسين أقطاي: أقطاي يلعب دورَ حامل العصا في سياق خطة التفاهمات التي يديرها الأتراك بطريقة الملفات المتوازية وتوزيع الأدوار

أخفق الإخوان وفشل معهم المشروع الإقليمي التركي الذي كان قائما على صعود الجماعة التي تُوصف بأنها أم تنظيمات الإسلام السياسي إلى السلطة في بلادها، وهي الآن تأمل في ألا ينجح الأتراك في الخطة البديلة المعتمدة على تدارك الفشل والفوز ولو بجزء من الكعكة وتكريس نفوذ جزئي في المنطقة عبر تفاهمات مع أنظمة تلك البلاد وجيوشها وفي مقدمتها مصر، وهو السيناريو الذي يجده قادة الإخوان كارثيا، حيث يكونون ساعتها قد تجاوزوا فائدتهم وصاروا عبئا على النظام التركي.

وقدم الموقف المصري حِيال الملفات الإقليمية العالقة بين مصر وتركيا بصيصا من الأمل لجماعة الإخوان التي يتمنى قادتها أن يعود الوضع بين البلدين إلى مربع التأزم والعداء المعلن، وأن تنفض إلى غير رجعة سيرة المصالحة لتعود إلى مكانتها لدى أنقرة وضمان عدم التخلي عن خدماتها.

ويناور قادة الإخوان في اتجاهين؛ الأول مع تركيا عبر استغلال المواقف المصرية من الملفات الإقليمية سواء في ما يتعلق بمواصلة القاهرة شراكتها الاستراتيجية مع اليونان ودعم أثينا في الدفاع عن مصالحها وفقا للقانون الدولي أو في ما يخص الملف الليبي الذي تقف فيه القاهرة ضد الإرادة التركية بالدفع باتجاه وحدة الليبيين ومؤسسات دولتهم دون تدخل خارجي وإخراج القوات الأجنبية والمرتزقة والميليشيات، في محاولة لإقناع النظام التركي بمراجعة موقفه الجديد من القاهرة بحجة أن الأخير لن يمنح أنقرة ما تريد ولن تحصل منه على أي مكاسب مقابل تنازلها عن دعم الإخوان.

والثاني لدى الحالة المصرية بتنوعاتها النخبوية والثورية والشعبية، حيث تحاول الجماعة إعادة إنتاج نفسها في المشهد الشعبي بارتداء مُسُوح المدافعة الصلدة عن حقوق مصر التي يفرط فيها النظام في ما يتعلق بغاز شرق المتوسط، إذ تزعم الجماعة فقدان مصر لجزء من ثروتها الغازية بانحيازها لليونان أو في حقوقها المائية بتوقيعها على اتفاقية المبادئ عام 2015 التي منحت إثيوبيا شرعية بناء السد وفق روايات الإخوان.

مناورة مزدوجة

تستغل الجماعة التي باتت غير مُلهِمة شعبيًا وبعيدة عن الواقع المحلي سريع التطور ومتهمة في ولائها الوطني الغُبارَ الذي أُثير سابقا في قضية جزيرتي تيران وصنافير اللتين اعترفت القاهرة بأحقية السعودية فيهما، ومحاولة ضم ملفها إلى ملفي غاز شرق المتوسط ومياه النيل للإيعاز بأن إقصاءها عن السلطة جرى عبر نظام يُمعِن في التفريط في أملاك وحقوق مصر التاريخية.

رهان جماعة الإخوان على فشل الحكومة المصرية في ملف مياه النيل يعيد التذكير برهاناتها السابقة التي خابت جميعا

وتركز الإخوان على هذه الملفات بشكل مكثف حاليا وتجمعها بأطياف مختلفة من النخبة والمجتمع بهدف إعادة التموضع في القلب من الحالة المصرية عبر تبني قضايا تثير اهتمام غالبية المصريين، وهو تكتيك تجده ضامنا لإعادة ظهورها السياسي عبر التحامها بالشارع.

ليس هناك تناقض في مواقف الأتراك التي تجمع بين عبارات الغزل ومحاولات كسب الود حينا وتهديدات وانتقادات أقطاي حينا، فتلك هي طبيعة المناورة المزدوجة التي ضمنها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان استراتيجيته المدروسة في التعامل مع القاهرة خلال مشوار المصالحة الطويل، حيث علم جيّدا أنه سيشهد الكثير من الضغوط من الطرف المصري لينال الأخير المزايا الأكبر في نهاية المطاف، لذلك احتفظ أردوغان بأوراق ضغط وترهيب تُبقيه متماسكا وقادرا على المساومة في مختلف مراحل التفاوض التي يقدم فيها بعض التنازلات للمصريين.

وباتت التنازلات محصورة في تقييد الإعلام الإخواني والموالي للإخوان الذي يبث من الأراضي التركية، ومقابل الترغيب من تلك الزاوية يطلب الأتراك نوعا من إدارة تقاسم مصالح في الملفات الخلافية الإقليمية من العراق وسوريا مرورا بغاز شرق المتوسط وصولا إلى ليبيا، بما لا يخلّ بالمكاسب التركية التي تحققت طوال السنوات الماضية ويضمن تنميتها من نافذة المرونة وتليين المواقف التي تطلبها أنقرة من القاهرة.

علم المسؤولون الأتراك منذ بداية تفكيرهم في طرح مبادرات المصالحة مع القاهرة أن ما سيطلبونه في ملفي شرق المتوسط وليبيا لن يهرول المصريون لتحقيقه والموافقة عليه بمجرد التلويح بورقة كبح أبواق التحريض الإخواني المبثوثة من إسطنبول.

لذا كان ضروريا الاحتفاظ بعصا الترهيب التي تُرفع في توقيتات محددة للإيحاء بأن أنقرة على استعداد للعودة إلى سيرتها العدائية الأولى في أي لحظة وأن أدواتها الخشنة ستظل بحوزتها لمعاودة استخدامها في حال فشلت التفاهمات ولم يتحقق لأنقرة ما تريده من مسار التفاوض.

وبالتزامن مع ما قدمته أنقرة من تنازلات وعرابين لنيل الثقة في ما يتعلق بالإجراءات التي جرى اتخاذها ضد الإعلاميين المنتمين لجماعة الإخوان والقريبين منها، كان هناك مشهد آخر يُدار بعناية من قبل مستشار الرئيس التركي المسؤول عن ملف جماعة الإخوان.

حامل العصا

قدم الموقف المصري حِيال الملفات الإقليمية العالقة بين مصر وتركيا بصيصا من الأمل لجماعة الإخوان التي يتمنى قادتها أن يعود الوضع بين البلدين إلى مربع التأزم والعداء المعلن، وأن تنفض إلى غير رجعة سيرة المصالحة لتعود إلى مكانتها لدى أنقرة وضمان عدم التخلي عن خدماتها

يلعب أقطاي دورَ حامل العصا في سياق خطة التفاهمات التي يديرها الأتراك بطريقة الملفات المتوازية وتوزيع الأدوار، حيث يدفع تدريجيا لإرضاء الجانب المصري بما يتخذه من إجراءات ضد الإعلام المُحَرِض ويطلب في المقابل مزايا في الملفين الليبي وشرق المتوسط.

بينما يُوعز بين الحين والآخر بأن محاولات إخراج تركيا خالية الوفاض من شأنه نقل المعركة إلى العمق المصري عبر توظيف أكثر الملفات المصرية الراهنة حساسية، بغرض تأليب الرأي العام والتشكيك في القيادة المصرية في محاولة لإعادة مشهد الشارع والحراك الجماهيري لما كان عليه قبل سنوات.

وواضح من أسلوب تحرك أنقرة في ملف المصالحة مع القاهرة أنها تبحث عن استفادة اقتصادية واستراتيجية فشلت في السابق في تحقيقها بتوظيف خدمات جماعة الإخوان وطيف السلفية الجهادية، والآن تحاول تحصيلها عبر تناغم وتنسيق ثنائي في ملفات حيوية مشتركة.

ولم يحدث العَطَب في عربة المصالحة التركية – المصرية من فراغ، فالنوايا التركية تبدو سيئة، وافتراض تحقيق مطامع غير مشروعة بتفاهمات مع مصر سبق ونجحت الأخيرة في إفشالها والتصدي لها عندما حاولت تركيا تحصيلها عبر تحالفاتها الأيديولوجية والميليشياوية هو افتراض خارج حدود المنطق، علاوة على أن أنقرة تتوقع من القاهرة التعاون في تلك السياقات دون تقديم تنازلات كبيرة وذات شأن للجانب المصري، خاصة في ملف تسليم المطلوبين قضائيا.

كلما تعطل مسار المصالحة وأظهرت القاهرة المواقف الأكثر إثارة لغضب النظام التركي وإزعاجا لخططه الإقليمية بدءا من زيارة رئيس المخابرات العامة المصرية اللواء عباس كامل إلى طرابلس مرورا بلقاء القمة الذي جمع بين الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي ورئيس الوزراء اليوناني وانتهاء بالقمة العربية الثلاثية (مصر والعراق والأردن) في بغداد، كلما هدأت مخاوف قادة الإخوان وتهيأوا للقيام بالأدوار المرسومة لهم وفقا للمسار البديل تحت عصا أقطاي المُشْرَعة.

تؤشر الخطة المنسقة بين أقطاي والأجنحة الموالية لجماعة الإخوان على حرص مشترك على عدم إقحام الجماعة رسميا في المعركة المقبلة؛ حيث يتولى الترويج للخروج الجماهيري المتدرج ترقبا لانتهاز اللحظة المناسبة للدعوة إلى الخروج الأكبر شخصيات وكيانات قريبة من الإخوان التي تعاني من حالة تشظٍ متفاقمة على مستوى القيادة والتنظيم ولا تستطيع تحمل فشل جديد قد يُنهي تماما حضورها ويقضي نهائيا على مستقبلها.

تتحسّب الجماعة المُنْهَكة بشكل غير مسبوق وتعيش ذروة انقسامها وضعفها من تداعيات الهروب لمغامرة جديدة تعتمد على ذات التكتيكات التي ثبت عدم جدواها في سياق محاولات التشكيك بالثقة في الجيش المصري وفي الرئاسة ومؤسسات الدولة، أو محاولات استدعاء السيناريو الأكثر تعقيدا والخاص بإعادة تدوير مشهد الفوضى للوصول إلى فراغ سياسي ومؤسسي يتيح لأنقرة فرض خططها الإقليمية دون مناوأة مصرية ويفتح للإخوان أبوابا للعودة وفقا لأوهام مشتركة بين نظام أردوغان وتنظيم الإخوان.

الرهان على الفشل

في ظل ارتهان الإخوان بشكل كامل للوكيل التركي الذي يُبدي تصميما على فرض علاقات نفعية تخدم أطماع طرف واحد، تنتظر التنظيم هزيمة جديدة على المستوى الشعبي وتآكل مضاعف لقاعدة دعمه
في ظل ارتهان الإخوان بشكل كامل للوكيل التركي الذي يُبدي تصميما على فرض علاقات نفعية تخدم أطماع طرف واحد، تنتظر التنظيم هزيمة جديدة على المستوى الشعبي وتآكل مضاعف لقاعدة دعمه

لن تستطيع الجماعة التي تورّطت في إراقة دماء مصريين عبر تنفيذ عمليات انتقامية كعقاب لإزاحتها من السلطة تصوير نفسها على أنها تنحاز إلى جانب الشعب وأن تتظاهر بالنزاهة، وهي تتأهب لتوظيفها مجددا في معركة تبدو أكثر شراسة ضد المصالح المصرية وراء الوكيل التركي اليائس من تحقيق أطماعه بشتى الطرق.

استغلال قضية مياه النيل بما يكتنفها من إشكاليات معقدة وسيناريوهات مفتوحة على مختلف الاحتمالات لهدف واحد فقط وهو إحداث فوضى في الداخل المصري وتأجيج الغضب الشعبي ضد حكومته، من المرجح أن يأتي بنتائج عكسية ضد كل من النظام التركي وجماعة الإخوان، حيث انحسرت خياراتهما بين تحقيق مكاسب ضيقة غير مشروعة أو نشر الفوضى وإزعاج الأمن القومي المصري.

واضح من أسلوب تحرك أنقرة في ملف المصالحة مع القاهرة أنها تبحث عن استفادة اقتصادية واستراتيجية فشلت في السابق في تحقيقها بتوظيف خدمات جماعة الإخوان وطيف السلفية الجهادية

يعيد رهان جماعة الإخوان على فشل الحكومة المصرية في ملف مياه النيل التذكير برهاناتها السابقة التي خابت جميعا، حيث تبدي الغالبية من المصريين ثقة عالية في قدرة النظام الحالي على تجاوز الأزمة ليُضاف حل قضية سد النهضة بالآلية المناسبة في التوقيت المناسب إلى حزمة إنجازات كبيرة على المستوى المحلي والإقليمي تحققت على مدار سنوات.

وفي ظل ارتهان الإخوان بشكل كامل للوكيل التركي الذي يُبدي تصميما على فرض علاقات نفعية تخدم أطماع طرف واحد، مقابل استمرار مصر في نهجها الذي تتبعه مع مختلف القوى وفي جميع الملفات معتمدة على المواجهات الشريفة المستندة للقانون الدولي والتحالفات الطبيعية القائمة على المصالح المشتركة، تنتظر التنظيم هزيمة جديدة على المستوى الشعبي وتآكل مضاعف لقاعدة دعمه.

13