ثورة الوقود البديل تنطلق من الخليج

الاثنين 2013/09/09
دول الخليج بحاجة إلى تنويع المصادر المولدة للطاقة

لندن – أكد تقرير متخصص صدر عن مؤسسة "تشاتام هاوس" البحثية البريطانية أن دول الخليج العربي مطالبة بتعزيز جهودها في مجال البحث عن الطاقة البديلة للنفط والغاز.

معدّو البحث، غلادا لان، وبول ستيفنس، وفليكس برستن، اعتبروا أن التبديد واسع النطاق للموارد الطبيعية في منطقة الخليج يتسبب في تدنّي المرونة الاقتصادية تجاه الصدمات ويزيد من المخاطر الأمنية. وفي الوقت الحالي يفوق استهلاك دول مجلس التعاون الخليجي الست للطاقة الأولية ما تستهلكه دول القارة الأفريقية مجتمعة على الرغم من أن تعداد السكان في المنطقة لا يتجاوز واحدا من عشرين من مجموع سكان أفريقيا ويتمّ إنتاج ما يقارب 100 بالمئة من الطاقة انطلاقا من النفط والغاز وذلك دون الحد من ثاني أكسيد الكربون.

وإذا حافظ الطلب على الوقود في المنطقة على نسقه المرتفع كما حصل على مدى العقد الماضي، فإنه سيتضاعف بحلول عام 2024. وهو مشهد غير مرغوب فيه بالمرة سواء بالنظر إلى الأمن القومي لكل دولة أو لمستقبل البيئة العالمية. ولا يتناسب الإنتاج الطاقي في الواقع مع كمية الطاقة المستعملة، مما يهدّد مبدأ الاستدامة على مستويات عديدة، وتزداد الوضعية سوء مع استنزاف المياه الجوفية والاعتماد المتزايد على النفط أو الغاز كمصدر لتحلية المياه.

الطاقة المستدامة

الرغبة في تجاوز أزمة الطاقة وسلبيات الاعتماد التام على النفط دفعت دول الخليج العربي إلى البحث عن استراتيجيات جديدة وبدائل طاقية. ويرصد تقرير "تشاتم هاوس" التقدم الملحوظ في هذا السياق من خلال أهداف الطاقة النظيفة واستراتيجيات النجاعة الطاقية التي ظهرت في جميع دول المنطقة منذ سنة 2009. ونتيجة لإدراكها بالمخاطر التي ينطوي عليها النظام الحالي والإمكانيات الاقتصادية التي توفرها قطاعات جديدة، عملت الحكومات الخليجية بشكل كبير على الزيادة في الخطط التي تؤكد على التحول باتجاه تحقيق "الطاقة المستدامة".

في ما يتعلق بالمملكة العربية السعودية، يرى التقرير، أن تأمين السعة التصديرية لطاقة الهيدروكربونات يعدّ أولوية في المستقبل، في حين أن مسائل على غرار التفوق في صناعة الطاقة والتحضير للضغوط متعددة الأوجه للموارد الطاقية وتقلب الأسعار تعتبر من العوامل المشتركة بين جميع دول المنطقة. وقد أظهر تضخم تكاليف الدعم – وواردات الغاز لكل من دولة الإمارات العربية المتحدة والكويت – جدوى التدخلات الهادفة إلى تحقيق النجاعة بقيادة حكومات تلك الدول. وتشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن عبء دعم الطاقة على الحكومات الفردية قد تراوح بين 9 و28 بالمئة من المداخيل الحكومية في سنة 2011، أي أكثر من مجموع النفقات في مجال الصحة أو التعليم، كما تسلط هذه المعطيات الضوء على إمكانية مهدورة لتحسين ظروف عيش أولئك الذين هم في أشد الحاجة إليها.

وفي الوقت الحالي تتبنى جميع دول مجلس التعاون الخليجي عدة برامج أو أهداف للطاقة النظيفة وقامت بعدة خطوات تدعو للإعجاب في سعيها للمحافظة على البيئة، وتشمل تلك الخطة الشاملة للنجاعة الطاقية التي يتم تطويرها بالمملكة السعودية وبرنامج التبريد الشامل لإمارة أبوظبي ودمج استراتيجية الطاقة في دبي ومشروع التجديد في معايير المباني الخضراء في دولة الإمارات العربية المتحدة وقطر وجهود عمان ودبي نحو تسعير الخدمات بشكل يعكس تكلفتها الحقيقية. كما ظهرت استراتيجيات التنمية الشاملة التي تهدف إلى تحقيق "مسار منخفض الكربون" أو"النمو الأخضر" (في قطر والإمارات العربية المتحدة)، إلا أن نجاح الخطط والبرامج المذكورة في جميع دول مجلس التعاون الخليجي يظل رهين عوامل متعددة في مقدمتها تحديات الحكم وانعدام حوافز السوق والدعم السياسي غير المتوقع، وفق ما جاء في البحث المطوّل للمعهد البريطاني.

وتتمتع دول مجلس التعاون الخليجي ككل بأفضلية على العديد من البلدان الأخرى من خلال قدرتها على تمويل مشروعات النجاعة واعتماد الطاقة المتجددة والبنية التحتية ذات الصلة وتكنولوجيا الاتصالات، إلا أن تحقيق تلك المشاريع يتطلب تحولات هامة في أسلوب تدخل الحكومات في قطاع الطاقة وطرق تنظيمه. ويسمح الوضع الحالي لدول منطقة مجلس التعاون الخليجي من الاستفادة من تجارب الدول الأخرى، إلا أن خصائصها الفريدة من نوعها – كالمناخ والاقتصاد السياسي والمناهج الإدارية الموروثة – تتطلب عناية خاصة في وضع معالم الإدارة.

النمو الأخضر

الاقتصاديات المرتبطة بعائدات النجاعة الطاقية تعد أمرا ضروريا وعمليا في نفس الوقت وستبني جسرا لنشر مصادر الطاقة المتجددة.

وسيستغرق تحقيق النمو الأخضر الطموح واستراتيجيات الطاقة النظيفة وقتا طويلا للتنفيذ على أرض الواقع. وفي نفس الوقت شكل استخدام الطاقة والمياه تحديا في كامل المنطقة ينبغي التعامل معه ومعالجته كموضوع ذي أولوية. وفي واقع الأمر يعتبر ترشيد الطلب في هذه المجالات أمرا حيويا إذا ما أريد لإمكانيات الطاقة المتجددة الهائلة لدول مجلس التعاون الخليجي أن تتحقق. ودونها، سيكون لزيادة الطلب على الطاقة لأكثر من 7 بالمئة سنويا تأثير سلبي على نشر الطاقة الشمسية على امتداد العقد المقبل.

وحجم الفائدة كبير إذ تظهر حسابات الباحثين أن تفعيل برنامج الطاقة النظيفة في المملكة العربية السعودية إضافة إلى إجراءات النجاعة الطاقية الأساسية يمكن أن يبطئ زيادة الطلب على النفط والغاز من 4 بالمئة كنسبة متوقعة (بتحفظ) إلى معدل 2،8 بالمئة سنويا من الآن وحتى سنة 2025، وهو ما من شأنه أن يساهم في توفير ما بين 1،5 و2 مليون برميل مكافئ نفط يوميا، أي جملة ما يحتاجه البلد تقريبا للحفاظ على احتياطي الخام في مستوى حرج للغاية لأسواق النفط العالمية.

تأثير عالمي

النجاح أو الفشل في تحقيق أهداف الطاقة المستدامة في دول مجلس التعاون الخليجي سيكون له أثر على الصعيد العالمي وسوف لن يؤثر فقط على الاقتصاديات المحلية وبالتالي السياسة، ولكن أيضا على مدى توفر النفط والغاز الموجه للتصدير ووضع دول مجلس التعاون الخليجي في المحادثات الدولية بشأن التغير المناخي. كما يمكن أن يؤثر على سياسات البلدان الأخرى في المنطقة أو التي تتمتع بموارد وظروف مناخية مماثلة.

تظل العديد من البلدان في صراع مع تحدي تسعير الطاقة والمياه بشكل ناجع أو لخلق مصادر للطاقة المتجددة وأسواق خدمات الطاقة حيث تكون أسعار الوقود الأحفوري بعيدة عن التكاليف الحقيقية. ولو سعت البلدان التي يكون فيها ثمن صهريج البنزين معادلا لثمن قهوة لشخصين وحيث فواتير الكهرباء تكاد لا تذكر إلى القيام بهذه الخطوات، فإن ذلك سيكون بمثابة نموذج قوي يحتذى به، وفق التقرير البريطاني المختصّ.

وبالنظر إلى التطلعات والظروف المناخية والطاقية وعوامل السوق المشتركة فيما بينها يمكن لدول مجلس التعاون الخليجي أن تحقق المزيد من خلال التعاون . وهناك إمكانيات كبيرة للتعاون حول أفضل السبل لاعتماد مصادر جديدة للطاقة والتكنولوجيا في المنطقة خاصة مع الخصائص المناخية المشتركة وتحديات التشغيل والتطور الحضري والصناعي السريع المتوقع في جميع البلدان خلال العقد المقبل. ويمكن لدول مجلس التعاون الخليجي أن تعزز من اندماجها الإقليمي وترفع من موقعها وتأثيرها على الصعيد العالمي عن طريق برنامج التعاون في مجال الطاقة.

ومن خلال التنسيق بين المبادرات والأهداف القائمة والتي يتم العمل على استحثاث نسق تقدمها، يظل نجاح دول مجلس التعاون الخليجي رهين توفر إمكانيات تتجاوز إمكانيات هذه المنطقة بالنظر إلى الالتزامات المشتركة لخفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون.

6