ثورة الياسمين لم تتحول إلى حرب أهلية

الاثنين 2014/10/27
التونسيون يتطلعون إلى نجاح تجربتهم الانتخابية وتحقيق أهدافها

محللون غربيون وعرب راقبوا عن كثب العملية الانتخابية في تونس، وشددوا على أنه رغم التعثر والبطء وبعض الإخفاقات الأمنية والإجتماعية، لا زالت العملية الديمقراطية جارية في تونس. وكتب عن ذلك بشارة نصار شربل، في تحليل لمركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية”، واصفا التجربة التونسية بأنها تحمِل الأمل للوصول في نهاية المطاف إلى حكومة ديمقراطية مُنتخَبة.

حين ينظر المواطن العربي إلى ما حلَّ بربيعه الموعود منذ أطلق شرارته محمد البوعزيزي، فإنه يحسد تونس حتما على ما أنجزته من تحول ديمقراطي، ويغبطها لأن ثورة الياسمين فيها لم تتحول إلى حرب أهلية، وتوق الناس إلى التغيير لم يخرب النسيج الاجتماعي أو يهدد وحدة البلاد الترابية.

يشكو التونسيون كل شيء. من الثورة غير المكتملة، والأحلام المبتسرة، والاقتصاد المنحدر، والإرهاب المتنامي. لكنهم يدركون، حسبما أظهرت تجربة السنوات التي تلت إقصاء الرئيس زين العابدين بن علي، أنهم على الطريق الصحيح، ولو أنه مملوء بالحفر ويحتاج إلى صيانة يوما بعد يوم وساعة بعد ساعة، وبالتأكيد عند الاستحقاقات الكبرى التي تحدد مسار الحياة السياسية ومسار المجتمع التونسي الزاخر بالأفكار والحراك والتناقضات.

ليست انتخابات 26 أكتوبر إلا محطة في مسيرة التحول الديمقراطي الذي تمكنت القوى السياسية من تحقيقه بفعل وعي استثنائي لم تحظ بمثله دول الربيع العربي، وبفعل تراكم مدني يصعب نكران فضل المراحل السابقة على الثورة فيه. والفضل المذكور شراكة بين سلطة التسلط والمجتمع مهادنا ومعارضا”. وتبدو الانتخابات التشريعية، ومثلها الرئاسية التي ستحصل في 23 نوفمبر، آتيتين في سياق طبيعي أكثر من كونهما نقطتي تحول مصيري. وكأن تونس نجت من الخيارات القصوى التي تهدف إلى تبديل هوية المجتمع وتلك التي تتصدى لهذا النوع من التغيير الجذري.

ولعل عنواني الإرهاب والاقتصاد اللذين يتصدران البرامج السياسية للتيارين العريضين المتنافسين، تيار الإسلام السياسي، والتيار الليبرالي العلماني، هما المؤشر إلى تسوية مشتركة لا يستطيع الفائز بالانتخابات، أيا كان، أن يتجاوزها أو يقدِّم عليها عناوين تفصيلية لا تخاطب هواجس التونسيين الأساسية والحياتية.

تحت هذا السقف تسير اللعبة السياسية التونسية، فالإرهاب أطاح حكومتين. أولاهما حكومة حمادي الجبالي التي شكلت عقب انتخابات المجلس الوطني التأسيسي في 2011 واضطرت إلى الاستقالة بعد اغتيال شكري بلعيد. وثانيهما حكومة علي العريض التي استقالت وأخذت معها “الترويكا” إثر اغتيال محمد البراهمي مفسحة المجال لحكومة غير حزبية برئاسة مهدي جمعة تضمن نزاهة الانتخابات. والإرهاب نفسه أطاح قادة عسكريين بعد اغتيال عشرات من عناصر الشرطة والجيش. أما انخفاض القدرة الشرائية وتدهور سعر الدينار فشكّلا عاملين مهمين في تحول أنظار كثيرين من القناعات الأيديولوجية ووجهها إلى ضرورات العيش الكريم الذي يؤمنه الأكفأ في إدارة الاقتصاد والأقدر على استدراج السياح والقروض والهبات إلى تونس الخضراء.

انتخابات 26 أكتوبر إحدى محطات التحول الديمقراطي الذي تمكنت القوى السياسية من تحقيقه بفعل وعي استثنائي

لا مبرر للاعتقاد بأن طرفا من أطراف التنافس الانتخابي القائم بين خمسة أحزاب فقط قدمت قوائم لـ 33 دائرة انتخابية في داخل تونس و6 دوائر خارجها قادر على الاستئثار بالسلطة. فالفصيلان الرئيسيان المتعارضان، “حركة النهضة” بزعامة راشد الغنوشي، وحزب “نداء تونس” بزعامة الباجي قائد السبسي، يعلمان أن تونس لن تحكم من حزب ولا من تحالف ينتمي إلى اتجاه واحد، وأن تونس التي تمكنت من إنجاز مرحلة انتقالية ناجحة تشكل فيها مجلس وطني تأسيسي وصدر خلالها دستور يناير 2014، تحتاج إلى استكمال مسيرة التوافق.

لا ينكر أي طرف من الأطراف نكسات حكم الترويكا. ولا يبدو أن هناك رغبة أو قدرة على تكرار الترويكا نفسها. لكن سيكون من التجني إنكار أن الترويكا مررت مرحلة صعبة في تاريخ تونس كان يمكن أن تحول ربيعها إلى خريف.

في المقابل يبدو الفريق العلماني الليبرالي أعلى صوتا ورغبة في استثمار الفشل “الإخواني” الاستراتيجي في مصر لتحجيم “النهضة”. غير أن موازين القوى الشعبية لا تساعده من جهة، مثلما أن تحالفاته الظرفية لن تصمد حين يحين موعد تشكيل الحكومة العتيدة. ولا شك في أن التناقضات داخل حركة “نداء تونس” التي يتزعمها الباجي قائد السبسي، على سبيل المثال، بين يساريين ونقابيين من جهة وسياسيين من مخلفات نظام بن علي من جهة أخرى، كفيلة بتخفيف طموحات هؤلاء، وجعل شعاراتهم الانتخابية العنيفة محصورة في مهمة الفوز بالمقاعد وضرورات المعركة، من غير أن نغفل لجوء الإسلاميين إلى شعارات مقابلة لا تقل حدة ولهجة اتهامية في كثير من الأحيان.

خلاصة القول إن المنطق السليم ومصلحة تونس العليا يفرضان من جديد على القوى السياسية التونسية التوافق. فلا التحول الديمقراطي أنجز حتى آخره، ولا أزمات البلاد الاقتصادية حُلت، ولا الجوار يشهد هدوءا، خصوصا على الجانب الليبي الذي يشارك تونس بحدود طولها 500 كلم. ويبدو أن نصائح باريس والاتحاد الأوروبي لجميع الأطراف التونسيين تفعل فعلها. فكلها، سواء على الصعيد الرسمي أم الإعلامي تدعوهم إلى متابعة سياسات الوفاق وعدم اللجوء إلى ترف التنازع والتنافس والإقصاء، وكأنها تستحضر القول المأثور “لم تمت. ألم ترَ من مات؟”. والظاهر أن التونسيين يميلون إلى إجابة النداء.

7