ثورة حكومية تعصف بقيادات المؤسسات الصحافية المصرية

الإعلام الحكومي في مصر يعيش أسوأ فتراته لأسباب يتعلق بعضها بسوء اختيار القيادات التحريرية والإدارية واستمرار نزيف الخسائر وتراكم الديون وتأخر المستحقات المالية للصحافيين.
الاثنين 2018/07/02
قراء الصحف المصرية في انحسار

ضاقت الحكومة المصرية ذرعا بأخطاء المؤسسات الصحافية، بعد فشل القيادات الإدارية والتحريرية في تحقيق أي تقدم فيها، وانشغالها بأمور بعيدة عن الإصلاح والتطوير، ويجري الحديث عن ترتيبات واسعة لتغيير هذه القيادات وانتشال المؤسسات من غرقها المادي والمهني.

القاهرة- علمت “العرب” أن الأوساط الإعلامية في مصر تترقب ثورة تغيير واسعة في المؤسسات الصحافية الحكومية، حيث تجري ترتيبات حكومية لإصلاح المشهد الإعلامي، وانتشال الصحف من أزماتها المتلاحقة التي أصبحت تهدد استمرارها، خاصة مع تراجع توزيعها وتأثيرها في الشارع، وما تسببه من منغصات للحكومة، فضلا عن أعباء مالية ضخمة.

ويعيش الإعلام الحكومي في مصر بشكل عام أسوأ فتراته، لأسباب يتعلق بعضها بسوء اختيار القيادات التحريرية والإدارية، واستمرار نزيف الخسائر وتراكم الديون وتأخر المستحقات المالية للصحافيين وتراجع نسب التوزيع لمستويات متدنية.

وكشف مصدر رفيع لـ”العرب” أن هناك ترتيبات يتم إعدادها للمشهد الإعلامي، تتضمن تغييرات كبيرة، تشمل رئيس الهيئة الوطنية للصحافة، وهي الجهة المعنية بشؤون الصحافة الحكومية، ورئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، بعدما أخفق في إصلاح وتطوير منظومة الصحافة والإعلام، واستمرار الأوضاع المتردية داخل المؤسسات، علاوة على رئيس الهيئة الوطنية للإعلام.

وأضاف المصدر، أن عددا كبيرا من رؤساء تحرير وإدارات المؤسسات في الصحف القومية سيتم الاستغناء عنهم، لأسباب تتعلق بفشلهم في الإدارة وعدم تحقيق مكاسب، وانشغالهم بأمور بعيدة عن الإصلاح والتطوير بينها تحقيق مصالح خاصة.

المنافسة الحادة بين وسائل الإعلام، تفرض على الحكومة التفكير في حلول غير تقليدية لإعادة الاعتبار للإعلام المصري عموما

وقال “كانت النية أن يتم البدء بترتيب أوضاع الفضائيات والإذاعات التي تشارك أجهزة حكومية في حصتها، لكن الأخطاء الكارثية التي وقعت في المؤسسات الصحافية دفعت إلى العمل على إنقاذ ما يمكن إنقاذه في الصحف الحكومية، بعدما أصبحت مادة خصبة للسخرية من النظام”. واستغلت منابر الإخوان وأنصارهم، الأخطاء المهنية في بعض الصحف الحكومية باستخدامها كدعاية سلبية للرئيس عبدالفتاح السيسي، وكان من بينها خطأ بإحدى الصحف القومية، اعتبر إساءة لزوجة الرئيس، وهو ما تصيدته المعارضة، باعتباره دليلا على أن الحكومة لا تجيد اختيار مسؤوليها.

كما وقعت صحيفة الأهرام المسائي قبل يومين في خطأ مسيء للرئيس المصري، واستعانت بصورة مكتوب على خلفيتها عبارة “السيسي قاتل”، عندما خصصت عدّة صفحات للاحتفال بالذكرى الخامسة لثورة 30 يونيو 2013، وهو شعار تستخدمه جماعة الإخوان كنوع من الانتقام من الرئيس السيسي الذي ساهم بدور محوري في نجاح الثورة التي أسقطت حكمهم.

ويأتي التدخل الحكومي لانتشال المؤسسات الصحافية من دوامة الانهيار، مع موافقة مجلس النواب أخيرا على قانون الصحافة الجديد، الذي يواجه برفض واسع داخل الجماعة الصحافية، لأنه يسمح للجهات الإعلامية الحكومية بالتدخل بشكل فج في كل ما يتعلق بالنواحي المهنية والإدارية والمالية بالصحف، ويسمح لها بدمج أو إلغاء إصدارات أو مؤسسات صحافية.

ويخشى صحافيون أن يكون الترهل الإداري والتردي المهني مقدمة لتصفيتها أو خصخصتها، بذريعة تقليل الخسائر وتصحيح المسار، في ظل مناقشة مجلس النواب مقترحا برلمانيا بأن تكون ملكية الصحف القومية بين الدولة والموظفين بها، وإعلان عبدالمحسن سلامة رئيس مجلس إدارة مؤسسة الأهرام عن وجود نية لطرح 25 بالمئة من المؤسسة في البورصة قريبا.

ويرى متابعون أن الحكومة لن تتخلى عن الصحافة القومية تحت أي ظرف، لأنها الوحيدة القادرة على إحداث التوازن في الإعلام المصري، كما أنها لا تأمن نظيرتها الخاصة حتى وإن كان أكثرها يتحدث بلسانها، فهي تبحث في النهاية عن مصالح أصحابها ومؤسسيها وغالبيتهم من رجال الأعمال.

ويمثل ملف الإعلام الرسمي صداعا للحكومة، ولم يعد صاحب ريادة مثل الماضي، وقارب على الاختفاء من المشهد، وتراجع دوره التأثيري في الشارع، ما وضع الحكومة في مأزق البحث عن منابر إعلامية تستطيع من خلالها مخاطبة الناس.

وقال المصدر “الحكومة تواجه معضلة كبيرة في المؤسسات الصحافية تتعلق بغياب الكوادر القادرة على إصلاحها وانتشالها من دوامة الغرق في الفوضى وتقليل حجم الخسائر، سواء في الإدارة أو التحرير، وأصبحت نمطية ويتعمد بعض المسؤولين فيها دفن الكفاءات حتى لا تظهر في الصورة وتهدد مناصبهم ومصالحهم”.

صحافيون يخشون أن يكون الترهل الإداري والتردي المهني مقدمة لتصفيتها أو خصخصتها، بذريعة تقليل الخسائر وتصحيح المسار

ولم يعد يمثل الإعلام الخاص (الفضائي والصحافي) مشكلة للحكومة مثل الماضي، بعدما اخترقته جهات أمنية وأصبحت شريكة في الملكية والإدارة واختيار شخصيات معروف عنها الولاء للحكومة والدفاع عن سياساتها، وفي نفس الوقت لا يشكل ذلك عبئا ماليا على الدولة، لأن رجال الأعمال فيها لا زالوا يتحملون الجزء الأكبر من الإنفاق.

وتراجعت أمام هذه المعادلة، نظرة الحكومة للصحافة القومية على أنها المنبر الإعلامي المعتدل الذي يمكن من خلاله مخاطبة المجتمع وتوصيل رسائل للداخل والخارج بشكل دبلوماسي، بعدما وجدت أن الإعلام الخاص يقوم بذات المهمة على أكمل وجه دون فواتير مالية ومنغصات مهنية وإدارية.

وبدا ذلك من تعامل الرئيس السيسي مع الصحافة الحكومية خلال الفترة الأخيرة، حيث كان يداوم على أن يختصها وحدها في مخاطبة الرأي العام الداخلي والخارجي ويتحاور لساعات مع رؤساء تحريرها على فترات، لكن ذلك لم يحدث منذ اختيار رؤساء تحرير وإدارات الصحف الحاليين في مايو من العام الماضي.

ويرى مراقبون أن عزوف السيسي عن توصيل رسائله من خلال الصحافة الحكومية، يعكس تراجع ثقته في مكانتها وقيمتها كمنابر إعلامية تحظى بقبول وثقل وتأثير لدى المجتمع المحلي والدولي.

واعتبر هؤلاء، أن علاقة السيسي بالصحافة القومية تكاد تكون وصلت إلى حد القطيعة بعكس الماضي، وهو ما يوحي باندثار المكانة التي كان يحتلها الخطاب السياسي على صفحاتها.

وقال صفوت العالم، أستاذ الصحافة بجامعة القاهرة لـ”العرب”، إنه لا بديل عن اختيار قيادات إدارية وتحريرية تتمتع بدرجة عالية من الكفاءة وليس أهل الثقة، لأن عكس ذلك يضاعف أزمات الإعلام الحكومي، كما أن الاعتماد على الإعلام الخاص للقيام بذات الدور، خطر داهم.

وأضاف أن المنافسة الحادة بين وسائل الإعلام، تفرض على الحكومة التفكير في حلول غير تقليدية لإعادة الاعتبار للإعلام المصري عموما، وسيؤدي استمرار الاعتماد على أهل الثقة إلى استمرار الإخفاقات الحالية.

18