ثورة سعودية لإصلاح سوق العمل واستئصال الترهل الاقتصادي

الاثنين 2013/12/30
ضبط سوق العمل وترحيل العمالة السائبة يضبط إيقاع الاقتصاد السعودي

لندن- شهدت السعودية عام 2013 الكثير من الأحداث الاقتصادية على صعيد سياساتها النفطية وخطط تأمين الطاقة في المستقبل ومشاريع النقل العام العملاقة. وحققت فوائض مالية كبيرة بفعل ارتفاع أسعار النفط، وأطلقت الكثير من برامج الانفاق الواسعة، لكن الحدث الأبرز هو ثورة إصلاح سوق العمل، التي يجمع المراقبون أنها ستغير بنية الاقتصاد، بل وبنية المجتمع السعودي.

لم يكن أحد يتوقع أن تذهب السعودية الى هذا المدى الحازم في إصلاح بنية سوق العمل خلال عام 2013. وتجمع الآراء بأن تلك الاصلاحات ستكون لها تأثيرات بعيدة المدى لا تقتصر على بناء الاقتصاد على أسس مستدامة، بل تمتد الى بنية المجتمع ومعالجة الكثير من الترهل والأمراض الاقتصادية والاجتماعية.

وأدركت السعودية بعد أحداث الربيع العربي أن عليها ترتيب بيتها الداخلي بمعالجة الخلل في الاقتصاد ومعالجة الترهل عبر تنظيم سوق العمل بطريقة صارمة لمعالجة مشكلة البطالة، وساعدتها في ذلك برامج الانفاق الهائلة التي وفرتها الفوائض المالية الكبيرة نتيجة ارتفاع أسعار النفط العالمية.

ولم تتورع الرياض عن اتخاذ بعض العلاجات التي يمكن أن تكون لها أعراض جانبية مؤقتة لكنها تجعل الاقتصاد والمجتمع أكثر استدامة وقدرة على مواجهة التحديات في المستقبل البعيد.

وكان من أسوأ أمراض الاقتصاد السعودي اعتماده المفرط على العمالة الرخيصة وغير الماهرة، التي تقطع الطريق على العمال السعوديين لدخول نحو نصف الوظائف المتاحة في السعودية. وبلغ عدد العاملين الأجانب في بداية العام نحو 9 ملايين، ما يعدل 30 بالمئة من سكان البلاد.

ثورة إصلاح سوق العمل التي بدأت في أبريل الماضي، سبقها سن قانون لا يقل أهمية عنها، وهو فرض رسوم قيمتها 2400 ريال (640 دولار) سنويا على كل عامل أجنبي يزيد على عدد السعوديين العاملين في شركات القطاع الخاص.

وتتوقع السلطات أن تجني نحو 15 مليار ريال (4 مليارات دولار) سنويا من تلك الرسوم، ستوجهها لتدريب السعوديين العاطلين وتهيئتهم للدخول في سوق العمل. وواجه القانون معارضة واسعة من قبل الشركات لأنه يفرض عليها أعباء مالية إضافية، لكن الرياض مضت بتطبيقه قبيل بداية عام 2013.

وكما هو متوقع فان القانون وإجراءات إصلاح سوق العمل أدت الى ارتفاع تكلفة السلع والخدمات، لكنها أتاحت الكثير من فرص العمل للمواطنين ويقول محللون إن إصلاح سوق العمل سيؤدي الى معالجة الكثير الخلل في بنية الاقتصاد.

وبحسب محمد العقيل رئيس مجلس إدارة شركة جرير للتسويق إن العامل الأجنبي ينفق أقل من ربع راتبه داخل المملكة ويرسل ما تبقى لوطنه، بينما ينفق المواطن السعودي معظم راتبه في داخل الاقتصاد، الامر الذي ينعش الحياة الاقتصادية.

وتشير التقديرات الرسمية الى أن تحويلات العمالة الأجنبية ستصل خلال العام الحالي الى نحو 39 مليار دولار، وأن خفض أعدادها سيقلل من هذا النزيف. وبدأت حملة تصحيح أوضاع العمال بزخم كبير بداية أبريل الماضي بإعلان العاهل السعودي مهلة لمدة 3 أشهر لتصحيح أوضاع المخالفين، وتم تمديدها لأربعة أشهر أخرى انتهت في الثالث من نوفمبر الماضي، لتبدأ حملة صارمة لتعقب المخالفين.

عوامل انتعاش الاقتصاد السعودي
- تراجع البطالة لأدنى مستوياتها في 3 أعوام.. أولى ثمار “ثورة” إصلاح سوق العمل وهي مرشحة لمزيد من التراجع في السنوات المقبلة.

- 5 ملايين عامل أجنبي تم إصلاح وتنظيم سجلات عملهم في السعودية. وغادر البلاد أكثر من مليون عامل أجنبي خلال عام 2013.

- 75 بالمئة متوسط ما يحوله العامل الأجنبي من دخله الى بلاده، في حين ينفق العامل السعودي معظم راتبه في الداخل ليسهم في انعاش الاقتصاد.

- 39 مليار دولار توقعات حجم تحويلات العاملين الأجانب في السعودية في مجمل العام الحالي استنادا الى أرقام رسمية.

- 25 بالمئة حجم المكاسب التي حققها مؤشر الأسهم السعودية خلال 2013 ليصل الى أعلى مستوياته منذ أكثر من 5 أعوام.

- 55 مليار دولار فائض ميزانية العام الحالي بعد أن حافظت أسعار النفط على مستويات أعلى بكثير من تقديرات الميزانية.

- 700 مليار دولار تقديرات حجم الاحتياطات التي تملكها مؤسسة النقد السعودية (البنك المركزي) في نهاية عام 2013.

وقد أدت المهلة الى تصحيح وتسجيل وتنظيم سجلات العمل لنحو 5 ملايين عامل أجنبي وأدت الى مغادرة أكثر من مليون عامل مخالف للبلاد لكن مراقبين يقدرونها بأكثر من الأرقام المعلنة.

وظهرت نتائج الحملة سريعا في تراجع معدل البطالة بين السعوديين الى 11.7 بالمئة في الربع الثالث من العام الجاري مقارنة بنحو 12.1 بالمئة في الفترة نفسها من العام الماضي، وبذلك يصل الى أدنى مستوياته في 3 أعوام.

ومن المتوقع أن يؤدي قانون رسوم تشغيل الأجانب وإصلاح سوق العمل الى رفع جدوى تشغيل المواطنين السعوديين بالمقارنة مع تشغيل العمال الأجانب. ورغم المتاعب الآنية يؤكد اقتصاديون وخبراء أن اقتصاد أكبر دولة مصدرة للنفط في العالم تنتظره مكاسب كبرى في المستقبل مع اكتمال إصلاحات سوق العمل.

وتلقى الحكومة في ذلك دعما من اقتصادها القوي بفضل تسجيل فوائض قياسية في الميزانية لسنوات متتالية. ووفقا لصندوق النقد الدولي نما الاقتصاد الفعلي بمعدل سنوي يبلغ في المتوسط 6.3 بالمئة على مدى السنوات الخمس الماضية.

ويتوقع الصندوق أن يبلغ نمو الاقتصاد السعودي في عام 2013 نحو 3.6 بالمئة، ويتوقع ارتفاعه في 2014 إلى 4.4 بالمئة، لكن مراقبين يقولون إن تلك الارقام متحفظة وأن النمو يزيد عن ذلك.


مؤشرات اقتصادية متينة


وقفزت الموازنة السعودية في عام 2013 قفزة قياسية لترفع الانفاق بنحو 19 بالمئة عن موازنة 2012. وبلغ حجم الانفاق المخصص في موازنة 2013 نحو 220 مليار دولار، لكن مراقبين يقولون أن الرياض أنفقت أكثر من ذلك بسبب الفائض الكبير الذي سجلته الموازنة وبلغ نحو 55 مليار دولار بسبب ارتفاع أسعار النفط عن التقديرات التي وضعت الموازنة على أساسها.

وبدأت السعودية في عام 2013 سلسلة واسعة من مشاريع البنى التحتية أبرزها مشاريع النقل العام التي خصصت لها نحو 80 مليار دولار. وقبل نهاية العام أقرت الحكومة موازنة قياسية جديدة لعام 2014 وبحجم إنفاق يبلغ 228 مليار دولار.

واستحوذ قطاع التعليم والتدريب لوحده على ربع الميزانية بتخصيص 56 مليار دولار، ما يظهر تركيز الحكومة على تعزيز الاقتصاد بالكفاءات على المدى البعيد. ويعكس أداء سوق الأسهم جانبا من النشاط الاقتصادي في السعودية خلال عام 2013 حيث حقق ارتفاعات كبيرة بلغت نحو 25 بالمئة، لتصل مؤشرات الأسهم الى أعلى مستوياتها منذ أكثر من 5 أعوام، أي أنها مسحت جميع آثار الأزمة المالية العالمية منذ عام 2008.

ومع كل ذلك الانفاق السخي ارتفعت الفوائض المالية التي تملكها السعودية بشكل كبير في 2013 وتشير التقديرات الى أن حجم الاحتياطات التي تملكها مؤسسة النقد السعودية (البنك المركزي) تبلغ نحو 700 مليار دولار.

11