ثورة على القهر النسائي في عرضين مسرحيين بالقاهرة

"حريم النار" و"صبايا الكحل".. نسوة أعدم الانتظار أنوثتهن.
الثلاثاء 2020/07/14
الرجل يتحول إلى عورة وليس المرأة

تعرض مسرحيتا “حريم النار” و”صبايا مخدة الكحل” بشكل متتال على مسرح الطليعة في مصر، لتعطيا دورا مكملا لبعضهما البعض في التعبير عن الآلام والأحاسيس المكبوتة لنساء يتعرضن لانتهاك حقوقهنّ، وتأثيراتها النفسية، انطلاقا من أن ظلم ذوي القربى أشد مرارة على النفس من وقع السيف الباتر.

القاهرة - تتعدّد أطياف القهر التي تتعرّض لها النساء في مجتمعاتهن، بين قهر مصحوب بالفقر وآخر بالخوف، وثالث بالجهل، لتعيش المرأة وتموت دون أن تشعر بالأنوثة داخلها، أو تتذوّق جمال الدنيا ولذّاتها، تتسرّب من قلبها مشاعر الحب حتى يتحجّر، وتنطفئ مشاعر الأمومة المتّقدة داخلها مع تقدّمها في العمر.

تصدّر القهر الأنثوي اهتمام مسرح الطليعة، التابع للبيت الفني للمسرح بمصر، بعرضين مسرحيين “حريم النار” و“صبايا الكحل” اللذين يناقشان أنماطا من الظلم للنساء بين القهر “النسائي النسائي” بانتهاك المرأة لحقوق بنات جنسها ومنعهنّ من أبسط حقوقهنّ، والقهر الذكوري المتكرّر في مجتمعات تُعلي قيمة الرجل، وتمنحه سلطة التحكم والهيمنة سواء كان أبا أو أخا أو زوجا.

وتجمع بين العرضين اللذين تم اختيارهما كباكورة للعودة للنشاط بعد توقف استمر مئة يوم بسبب كورونا، السلطوية المعنوية التي تمارس أقصى صنوف الظلم للمرأة بحرمانها حتى من الحب والزواج ما يؤثر على نضارتها سلبا، وتتخشّب أنوثتها على طاولة الانتظار، بحجة عدم تناسب المتقدّمين لخطبتها مع مستواها الاجتماعي أو الاقتصادي أو طمعا في إرثها المستقبلي.

حرمان عاطفي

في “حريم النار”، بطولة مجموعة من الوجوه الشابة، يعيش الجمهور في أجواء صعيدية (عادات أهالي جنوب مصر) صرفة لمجتمع نسوي من خلال امرأة تتسيّد منزلها، تتحكّم في مصير بناتها الخمس وفوقهنّ خادمة، تتعامل معهنّ كقطعة أثاث وترفض أن ترى أعينهنّ الشارع، حتى بلغت ابنتها الكبرى رسمية 39 عاما دون زواج، بينما تخطّت الصغرى حاجز العشرين.

وفي أسرة يسودها الحرمان العاطفي تعيش الفتيات وكل واحدة منهنّ تحلم بشيء وتبحث عنه، ترتدي روح محبات دمية طفل صغير يذكرها بابنها المستقبلي، وترقص رسمية لنفسها في انتعاش لتتذكّر بأنها لا تزال قادرة على أن تكون امرأة، وترتدي رابعة ملابس نوم كاشفة أمام المرآة وتضع مسحوقا للتجميل لتذكّر نفسها بأنها أنثى.

يخلق العمل الذي كتبه المسرحي شاذلي فرح مقتبسا فكرته من قصة للمؤلف الإسباني غارسيا لوركا مع تمصيرها، رابطة بين القهر النسائي والمعتقدات الفكرية المعيبة لمن يمارسه، فالأم فتحية شلجم ترى أن الفقراء “بهائم” خلقهم الله من طينة مغايرة للأغنياء، وحين يمرضون يمكنهم التعافي بوجبة لحوم وطبق ساخن من الأرز، لا تنفي تكبّرها فهي ثرية ذات أصل يمنع أي فضيحة من الخروج بعيدا عن منزلها.

"حريم النار" تعالج قهر المرأة لبنات جنسها، من خلال أم تتسيد منزلها وتتحكم في مصير بناتها الخمس وفوقهن خادمة

وتخلق المسرحية صراعا أنثويا منذ لحظتها الأولى بوفاة زوج فتحية شلجم الذي ترك وصية يمنح فيها ابنتها الكبرى من زوجها الأول حصة من الميراث مثلها مثل بناته، لتصبح أغنى منهنّ لامتلاكها ميراثا من والدها الحقيقي، لتجذب بثروتها المستجدة أوسم شباب النجع أحمد علي الذي يصغرها بنحو 14 عاما فيتقدّم لخطبتها وسط غيرة شقيقاتها.

وهنا تصبح الصورة معاكسة للحياة، فالرجل هو مصدر للإغواء وليس المرأة كالمعتاد، هو الذي فرض حبائله على الشقيقات المحرومات عاطفيا، لتقول إحداهنّ إنها تعشقه “عشق الفراشات إلى النور”، أو بالأحرى الحرية، ليوقع ثلاث من أصل خمس في حبائله، وتنقل بين نوافذ المنزل ليحدّث كل واحدة منهنّ من وراء حجاب قبل أن تتطوّر به الجرأة لمعاشرة إحداهنّ في حظيرة الماشية.

تجد السلطة ممثلة في فتحية شلجم التي اعتادت على ترديد مقولة “أنا لا أفكر.. أنا أؤمر”، نفسها في مأزق مع تصارع بناتها على الرجل الأول الذي يطرق باب المنزل، إحداهنّ تسرق صورته وتخفيها وبنتها الصغرى تمنحه جسدها دون زواج، لتقتل الصغرى في اشتباك معها، وتنهار كاشفة عن أسباب ميراثها القديم من النار التي حرقت قلبها وأحرقت قلوب بناتها.

تمثل الثورة الحل أمام الفتيات الأربع بعد مقتل الشقيقة الصغرى وإعلان الأم الحداد سبعة أعوام يرتدين فيها الأسود دون فتح نوافذ أو رؤية الشارع مجددا، تنتفض الشقيقات ويخلعن ملابسهنّ، وتلقيهنّ على وجه القتيلة ليتمرّدن على الواقع وسنوات الانتظار الطويلة في حجرات كالسجن تمارس فيها الخادمة الصغيرة دور الأم المتسلطة.

قصة مكملة

تدور في الفلك ذاته مسرحية “صبايا مخدة الكحل”، “الريبرتوار” الذي تم إحياؤه من رحم عرض مسرحي قديم في نهاية التسعينات باسم “مخدة الكحل” مع تقديمه في صورة عصرية عبر المدرسة البوليفونية المعتمدة على تعدّد المواقف والأفكار كثرة الشخصيات والرواة والقائمين بالسرد، وكلها من العنصر النسائي باستثناء رجل واحد فقط يمثل الهيمنة على مجتمع المرأة، مع دمجه بأداء حركي وتعبيري راقص.

يجمع بين المسرحيتين توريث القهر النسائي، ففي “حريم النار” لم تكن فتحية شلجم في الماضي سوى فتاة رقيقة تم الدفع بها في عمر 15 عاما للزواج من رجل يكبرها بـ40 عاما، انتهك آدميتها وجرعها الحرمان العاطفي والجسدي وحينما مات وتحرّرت، وجدت نفسها تحت ضغط أسرتها في أحضان آخر لديه المواصفات ذاتها من أطيان وممتلكات.

كانت الجدة في “صبايا مخدة الكحل” الذي وضع رؤيته الفنية وإخراجه انتصار عبدالفتاح، نموذجا للقهر فتتحدّث عن مآسيها في الماضي باستمرار وفي الوقت ذاته تريد فرض الميراث ذاته على حفيداتها تصوّر لهنّ أن جمالهنّ خلق خصيصا لصالح متعة الرجل وأوعية لإنجاب أطفاله وتربيتهم واستمرار اسمه ونسله في الوجود، مع دلالات بأن القهر ذاته سوف يتسرّب في المستقبل إلى الأجيال القادمة عبر فتاة راقصة تداعب دميتها وتخاطبها بأسلوب عنيف يحمل قسوة وتنفيسا عن غضب مكتوم.

ويعرض العمل، الذي تقوم ببطولته الفنانة الشهيرة سميرة عبدالعزيز في دور الجدة، قضايا شديدة التعقيد في قالب نسائي، له خصوصية ترمز للجمال الأنثوي والدميات الصغيرة التي تقطن الجانب الطفولي في المرأة، مهما كبرت، تجمع بينهنّ عادات واحدة في طقوس الاستعداد للزواج من الزينة استعدادا لحفل الحناء أو الزفاف.

وتصنع المسرحية تصنيفا لعشر فتيات يشاركن في بطولتها كراقصات أو ممثلات في ثلاثة نماذج رئيسية ما بين المتمرّدات على العادات والتقاليد، أو مسلوبات الإرادة التي تسير وفق قيود المجتمع، أو الخجولات المعزولات على نفسها التي تغطي نفسيتها المأزومة بوجه مصطنع.

ويقدّم العمل الذي شارك فيه ممثلون من السودان بشكل تعبيري يصلح لتقديمه في أي مكان في الوطن العربي، باعتماده على مزاوجات بين الحوار التقليدي والرقص والغناء الفردي والجماعي، وهجين من الموسيقى المتداخلة المنسجمة مع تنقلات الحالات النفسية، وتوظيفها لمنح دلالات معنوية كاستخدام آلات النفخ مع الصوت الذكوري لمنحه المزيد من التفخيم والوجاهة الاجتماعية.

ويمتاز “صبايا الكحل” بثراء كبير في توظيف ملابس الممثلين التي طغى عليها الطابع الفلكوري لمنطقة الواحات بمصر، فالراقص الوحيد جاء عاريا بوشم ظاهر لكلمة أمي على ذراعه اليمنى لتحمل معها دلالات ملتبسة، ربما في دلالة على دور المرأة في ستر الرجل أو كهجوم مبطن بتوظيف قضية المرأة ظاهريا دون إيمان عميق نابع من الداخل بأهميتها ورسالتها.

ويحمل العمل مساحات عالية من الترميز فكل قطعة ديكور أو أثاث تتضمن دلالة، بماكينة الحياكة التقليدية التي تشبه آلة زمن تتنقل بين الماضي بذكرياته الأليمة والحاضر بصعوباته وآلامه والمستقبل المرهون بيد الفتيات الجالسات في صمت في غالبية العمل، والأواني النحاسية الضخمة ومعدات تقطيع أعشاب الملوخية، دلالة على أعباء المرأة المنزلية من الغسيل اليدوي والطهي، والمكحلة هي رمز للجمال الأنثوي منذ الفراعنة وحتى الآن.

يظل القهر البشري مترسخا منذ نشأة البشرية، لكنه يحمل طابعا أنثويا، يحتاج إلى من يناضل من أجله أو إلى من يتمرّد عليه مثل فتيات مسرحية “حريم النار” ويجعلن الأحلام التي لا تعرف حدودا صهوة جواد يهربن بها إلى الأفضل، أو أن يعتبرن أجسادهنّ ساحات تعبيرية يتحرّرن بها نفسيا من القيود والعادات البالية.

16