ثورة في الثقافة وفي الأفكار السياسية

الاثنين 2017/01/09

بغض النظر عن مآلات الثورات العربية، ومشكلاتها وتعقيداتها، فإن ما ينبغي ملاحظته، أو إدراكه، أن ثمة وعيا متزايدا بقصور أو ربما أفول البعد الأيديولوجي، سواء تعلق الأمر بالأيديولوجيا القومية أو اليسارية أو الإسلامية، وأن ثمة ملامح قطيعة في الثقافة العربية المجتمعية السائدة مع هذه الأيديولوجيات، التي أضحت بمثابة هويات أو “أديان” بشرية مغلقة وجامدة ونهائية.

والفكرة هنا أن الثورات العربية زعزعت اليقينيات الأيديولوجية الجاهزة التي كانت تدّعي التقدم والتطور واحتكار المعرفة، والتي كانت تأخذ على الجماهير سكونها وسلبيتها، وإذا بأصحابها، والكيانات السياسية المعبّرة عنها، ينحازون إلى السلطات، أو يأخذون موقفا سلبيا من الحراكات الشعبية، التي حصلت في أكثر من بلد عربي، واصمين إياها بالتخلف، وعدم الخضوع لتصوراتهم عن الثورة والحزب الطليعي.

طبعا نحن لا نقصد هنا أن الأفكار الأيديولوجية الكبرى انهارت أو انتهت، فهي ستبقى وتستمر بطريقة أو بأخرى، لكننا نتحدث هنا عن انحسارها أو أفولها، بعد أن ثبت بالتجربة عقمها وقصورها.

مثلا، فقد بدأت أيديولوجيا القومية العربية مسار انحسارها مع هزيمة 1967، إذ لم يستطع بلدان عربيان هما مصر وسوريا تتحكم بهما هذه الأيديولوجية، من صد عدوان إسرائيل، وبعدها ذهبت هذه الأيديولوجيا إلى الأفول بسبب الأنظمة الاستبدادية التي حكمت باسمها في سوريا والعراق وليبيا، والتي أبانت عن أنظمة دكتاتورية لا علاقة لها بالقومية العربية ولا بالحداثة.

وبالنسبة إلى مسار انحسار الفكرة اليسارية فقد بدأ مع انكشاف ذيلية الأحزاب الشيوعية العربية للأنظمة القائمة، لكن تسارع الانحسار والأفول حصل مع انهيار الاتحاد السوفييتي (السابق) مطلع التسعينات، بحيث بيّن ذلك، أيضا، هشاشة تلك الأحزاب ومدى اعتمادها على الدولة السوفياتية في دعمها وتعزيز نفوذها.

أما بشأن الأحزاب الإسلامية ففي حين بدا أنها باتت تكسب مع انحسار وأفول التيارين القومي واليساري، منذ الثمانينات ولا سيما في التسعينات، ولا سيما مع بدايات الربيع العربي، إذا بها تجد نفسها في مواجهة مشكلة كبيرة تمثلت بصعود التيارات الإسلامية السلفية والجهادية والإرهابية والتكفيرية. ومشكلة الأحزاب الإسلامية الوسطية أنها لم تقم بما عليها لنقد التيارات الأخرى، ودحض منطلقاتها، الأمر الذي أضر بها وبشرعيتها في مجتمعاتها، وهو ما كان على هذه الأحزاب إدراكه والعمل على تلافيه.

نحن اليوم إزاء إفلاس كل هذه التيارات، القومية واليسارية والإسلامية، باعتبارها تيارات أيديولوجية أو هوياتية، الأمر الذي يفترض بها تجديد حيويتها للتحول إلى تيارات سياسية حقيقية، تعنى بالمسائل الملموسة، وبالحقوق الفردية للبشر، وليس بمجرد الحديث المرسل عن أيديولوجيا نظرية.

هذا التحول هو أحد إرهاصات الثورات العربية، إذ لا يمكن للثورات أن تكتمل من دون بعد ثقافي، أي من دون أن تحدث نقلة في الثقافة وضمنها الأفكار السياسية، هذا ما بينته التجارب التاريخية من الثورتين الفرنسية والأميركية أواخر القرن الثامن عشر، وصولا إلى الربيع العربي.

معنى ذلك أن للثورات الشعبية أهمية تاريخية أخرى، غير تلك التي تتعلّق بإزاحة الأنظمة التسلّطية، وهي تتمثل في التغيّرات التي تحدثها في الثقافة السائدة؛ بما في ذلك فتح إدراكات الأفراد على أهمية إمساك مصائرهم بأيديهم، وإحضار أوسع قطاعات منهم إلى ميادين المشاركة السياسية.

هكذا، وإضافة إلى تعبيرات الحرية والعدالة والمساواة والديمقراطية، فإن تعبيرات المواطنة والدستور ودولة القانون والمؤسسات وفصل السلطات والتعددية، لا تعود حكرا على نخب المثقفين، وإنما تصبح من التعبيرات المتداولة في الخطابات السياسية لعموم الناس؛ ولعل هذا ما حدث في المجتمعات التي شهدت “الربيع العربي”.

كاتب سياسي فلسطيني

9