ثورة في علوم اللغة

الأربعاء 2016/07/13

تحتاج اللغة العربية إلى ثورة معرفية كبرى، تخرج بها من العقل التفسيري الملتبس الذي أنتج منظومة من المفاهيم والقواعد الجامدة، والكثير من القواميس والمعاجم المضللة في مطلع العصر العباسي، على يد لغويين لم تكن العربية لغتهم الأم، بل، إن معظمهم من الناطقين بالفارسية تحديدا!

لم تكن اللغة هي هدف واضعي المعاجم والقواعد، بل كانت الغاية تفسير القرآن بسبب دخول شعوب غير عربية في الإسلام، كانت تحتاج إلى كتب تشرح لها المعاني في الكتاب والسنَّة، فأنتجت، تلك الشعوب، علماءها وعلومها اللغوية التي نتعامل معها الآن بوصفها علوما مقدسة لا ينبغي الاقتراب من المسلمات والنتائج والقواعد والاجتهادات التي نجمت عنها.

ورغم ما يعتقده الكثيرون من أن تلك المرحلة هي عصر ذهبي ساهم في تقعيد اللغة العربية وحفظها من الضياع، تبدو من وجه آخر، أشبه بلجام ساهم في حصرها، أي اللغة العربية، ضمن مجموعة من المفاهيم والقواعد الجامدة التي حدَّت من تطورها ومنعت عنها أسباب الحياة، حين حولتها إلى لغة متحفية مقدسة.

ولعل المصيبة أكبر مع المعجميين الذين حددوا سياقات المعاني في اتجاهات محددة عزلت اللغة العربية عن محيطها الحضاري وتعاملت معها بوصفها حالة فريدة معزولة عن الزمان والمكان، ولذلك غابت السريانية والعبرية، وهما لغتان شقيقتان، عن مقارنات اللغويين، بينما حضرت الفارسية بقوة في مواضع لا يفترض أن تحضر فيها! فعلى سبيل المثال، حين صادفت اللغوي كلمة أركون، لم يجد إلا تفسيرها بكلمة دهقان الفارسية! مع العلم أن كلمة الأركون موجودة في السريانية والعبرية، وهي من التراث المشترك الذي يعود إلى جذر أقدم.

ومن غرائب الأمور، أن موضوع المقارنة كان دائما لصالح الفارسية، التي نسبت لها، من دون وجه حق، الكثير من الألفاظ الغريبة، ووصفت بأنها دخيلة على العربية، مثل كلمة تاريخ التي تعود بجذورها إلى الكنعانية القديمة، ومصدرها يرخ أي قمر، أو كلمة برق المشتركة بين جميع اللغات السامية القديمة، وغيرها الكثير الكثير.

أما موضوع المترادفات فحدث ولا حرج، فالكثير من الأسماء التي بدت غامضة للمعجميين أحالوها إلى الحيوانات، وخصوصا الأسد الذي فاقت أسماؤه في المعاجم العربية المئة اسم!

المشكلة الآن، وبعد تقدم العلوم، واكتشاف الأبجديات القديمة، التي تعد السلف المباشر وغير المباشر للغة العربية، لا نجد قواميس ومعاجم حديثة تقارن بين النبطية والآراميات عموما وبين العربية مثلا، أو بين الآكادية والعربية، فمثل هذه المقارنات، من شأنها أن تعيد الاعتبار للغة العربية بوصفها كائنا حيا، له أب وأم وأخوة وأخوال وأعمام.

وأيضا من شأن الدراسات العلمية المقارنة، إن تمت، أن تجلي الغموض عن غريب الحديث، ومستغلقات القرآن، وأن تصحح الكثير من المفاهيم المغلوطة الناتجة عن قصور ومحدودية اللغة المعجمية العباسية، فالقرآن في النهاية ليس أحاجي والأحاديث النبوية ليست طلاسم.

كاتب من سوريا مقيم في الإمارات

14