ثورة لاستعادة الثورة في تونس

الاحتجاجات الأخيرة تحمل رسالة واضحة على أن الشباب يائس ولا يعنيه أن يكون نظام الحكم برلمانيا أو رئاسيا، وأن الطبقة السياسية كلها في نظره واحدة تتحمل مسؤولية الالتفاف على شعارات 2011.
الخميس 2021/01/21
مطالب الشباب لم تتغير منذ عشر سنوات

حملت الاحتجاجات التي تعيشها بعض مناطق البلاد، والتي يقودها شباب، رسائل واضحة إلى الطبقة السياسية الحاكمة، فهي تأتي في الذكرى العاشرة لثورة 2011 لتقول إن الثورة لم تحقق مطالبها ولم تكن وفية لعمقها الاجتماعي الذي قادها لإسقاط نظام الرئيس الراحل زين العابدين بن علي.

كانت مطالب الشباب في 2011 هي نفس مطالبه في 2021: “إسقاط النظام”، و”شغل حرية.. كرامة وطنية”، وشعارات أخرى ضد الفساد، مع فارق واضح في أن الوضع مختلف بين 2011 والوضع الراهن. فنظام بن علي كان قد خطا خطوات نحو بناء منظومة اجتماعية لرعاية الفئات محدودة الدخل، وكذلك توفير مواطن العمل لأبناء الفئات الضعيفة، وعمل اتفاقيات من أجل هجرة نظامية للشباب الذي يمتلك خبرات في مجالات حرفية مطلوبة في بعض الدول الأوروبية.

بن علي أطاح به الفساد، والعجز عن فهم المتغيرات التي حملتها مواقع التواصل الاجتماعي وتأثيرها القوي على الشباب، ما فتح الباب أمام حملات إعلامية أربكت النظام.

الآن الصورة مختلفة تماما، فمواقع التواصل الاجتماعي تضج بالشعارات التي تهاجم الطبقة السياسة الحاكمة وفشلها في إدارة البلاد، وخاصة تحقيق الشعارات التي جاءت بها ثورة 2011، لكن الأحزاب، التي حكمت بمختلف ألوانها وحساباتها، لا تهتم كثيرا لتلك الشعارات، وتضع أذنا من طين وأخرى من عجين.

جاءت الاحتجاجات الجديدة لتقول للأحزاب والبرلمان ومختلف مؤسسات الحكم إن الشباب هو من حملها إلى الكراسي، وهو القادر على إسقاطها منها. وبقطع النظر عن الاختلاف في درجة المسؤولية عما وصلت إليه البلاد من يأس وغياب الأفق، فإن الطبقة السياسية التي ظهرت بعد الثورة لم تكن تحمل أي بدائل للتغيير، وهي تسوّق لشعارات عامة، وكان همّها الوحيد تثبيت وضعها في السلطة.

لا تسمع من الشخصيات السياسية، التي تتكلم في كل مكان ووقت، أفكارا للتغيير أو برامج جديدة، فقط تركيز حملاتها على نظرية المؤامرة واتهام الخصوم. وبالنتيجة، فهي أحزاب ولدت لتكون أحزاب معارضة وليست أحزاب حكم، وهذا ما يفسر اللجوء إلى حكومات التكنوقراط والعودة إلى الكادر الإداري الذي درس وتدرّب في فترة بن علي من خريجي المدرسة الوطنية للإدارة، أو الأكاديمية السياسية للتجمع الدستوري (الحزب الحاكم قبل 2011).

أغلب الوزراء والولاة (المحافظين) والمسؤولين المحليين الذين لجأت إليهم أحزاب الثورة لإدارة شؤون البلاد هم من “المنظومة القديمة”، في المقابل يكتفي أبناء “منظومة الثورة” بإطلاق الشعارات في البرلمان وأمام وسائل الإعلام، وهذا هو أحد أسرار فشل ثورة 2011 في تحقيق شعاراتها الخادمة للشباب.

لم تبحث الطبقة السياسية المنحدرة من المعارضة التقليدية، القائمة على إصدار بيانات التنديد، عن خدمة الناس من خلال إقرار قوانين وتكوين مؤسسات اجتماعية وخدمية للفئات الضعيفة، مثلما كان يفعل النظام الذي أسقطته، بل ركزت كل جهدها على إدارة اللعبة السياسية بشكل يجعل الوضع القائم مؤقتا وغير مستقر، ويحتاج إلى قوانين وتعديلات وتوافقات وحسابات، وقد تستمر اللعبة سنوات أخرى إن لم يتم إنهاؤها عبر انتفاضة جديدة من الشارع.

 احتجاجات الشباب تنذر بثورة جديدة
 احتجاجات الشباب تنذر بثورة جديدة

يتباهى السياسيون بالثورة القديمة، التي مكنتهم من السلطة والقوة، لكن احتجاجات الشباب تنذر بثورة جديدة تستعيد الشعارات نفسها لثورة 2011، فأعداد الشباب العاطل تضاعفت مرات ومرات، كما أن ظاهرة الفساد والمحسوبية والرشاوى قد اتسعت دائرتها بشكل كبير، وصارت علنية ويتباهى بها أصحابها، وهم يعرفون أن الدولة باتت عاجزة عن مواجهتهم.

كما أن الحكومات التي يفترض أن تقوم بهذه المهمّة باتت تقرأ حسابا لمصالح اللوبيات المختلفة أثناء اختيار الوزراء، وخاصة في الوزارات الخدمية، وقد نجحت تلك اللوبيات في السيطرة على السياسيين، بمن في ذلك أولئك الأكثر قدرة على رفع الشعارات الثورية، وتطويعهم لتحقيق أجنداتها خاصة في تمرير قوانين البرلمان.

لقد سقطت منظومة الحكم الحالية في أعين الأجيال الشابة، وهذا ما تقوله استطلاعات الرأي المختلفة، وذلك لأنها كانت تنظر إلى الشباب كخزان انتخابي وبعد الانتخابات تستمر في إطلاق الوعود حتى تدفعه إلى اليأس.

والآن تحاول الأحزاب المختلفة، يمينها ويسارها، أن تظهر دعمها للاحتجاجات حتى تضمن لنفسها نفوذا في أي مرحلة قادمة، وهي تعرف أن الشباب المحتج قد ينجح في إسقاط أي حكومة لكنه لا يستفيد من التغيير لأنه لا يمتلك أحزابا تعبر عنه وتنتصر لمطالبه.

ولأجل هذا تقول بيانات الأحزاب إنها تتفهّم مطالب المحتجين وتقف معهم، وتحذرهم من “المندسين والمخرّبين”، وهو ما يعني أنها تراهن عليهم في خلق وضع جديد ستكون في كل الحالات مستفيدة منه. مع الإشارة إلى أن أغلب تلك الأحزاب قد شاركت في الحكومات السابقة سواء أكانت “ثورية” أم “حكومات وحدة وطنية”، وبان بالكاشف أنها لا تمتلك بدائل، وأنها سرعان ما تنزلق للصراعات السياسية للدفاع عن مصالحها المباشرة وتنسى مصالح الناس.

وتتشابه بيانات أحزاب الحزام البرلماني لحكومة هشام المشيشي (النهضة وقلب تونس) مع بيانات “الحزام الثوري” للحكومة السابقة (التيار الديمقراطي وحركة الشعب). وكلمة المشيشي مع كلمة الرئيس قيس سعيد كلها تشترك في خطاب واحد يريد إظهار التفهم والدعم، لكن لا أحد من هؤلاء الفاعلين الموجودين في الحكم منذ 2019 قاد مبادرات عملية لتحقيق مطالب الناس.

الشباب لم تعد تغريه الشعارات ولا اللغة الجذابة للبيانات والخطابات، وهو ما يفسّر ردة الفعل العنيفة في الاحتجاجات الليلية الأخيرة.. إنها تحمل رسالة واضحة على أن الشباب يائس، ولا يعنيه أن يكون نظام الحكم برلمانيا أو رئاسيا، أو أن يكون هذا في الحكم أو في المعارضة، وأن الطبقة السياسية كلها في نظره واحدة تتحمل مسؤولية الالتفاف على شعارات 2011 وتحويل الثورة من مطالب اجتماعية واقتصادية إلى مغانم سياسية.

وعلى الأرجح، فإن هذه الطبقة السياسية لم تستقبل الرسالة ولم تفهمها، في ظل حديث متزايد ودعوات لإصلاح النظام السياسي أو النظام الانتخابي كمقدمة لانتخابات مبكرة.

والنتيجة استثمار مطالب الشارع لتحقيق مكاسب سياسية جديدة للأحزاب بدل البحث عن إصلاحات تقود إلى مكاسب للفقراء والفئات الضعيفة وتوفر فرص العمل للآلاف من الشبان سواء من خريجي الجامعات أو أولئك الذين انقطعوا عن التعليم مبكرا لأسباب اجتماعية.

9