ثورة ماركسية في حزب ديمقراطي

الجمعة 2016/09/23

لم تعد هناك أي معوقات أمام جيريمي كوربين لتنفيذ رؤيته لحزب العمال الجديد. الانتخابات التي ستجرى السبت على زعامة الحزب البريطاني العريق، تبدو محسومة لصالحه.

لم يكن كوربين مبدعا بما فيه الكفاية، بل عمل وفقا للمبادئ الماركسية التقليدية التي انتهجها قبله كل من حاول بناء تنظيم يساري شمولي.

صار الحزب الآن حبيس مواجهة بين سياسي مغمور وقائد عقائدي يسعى للتحول إلى زعيم لينيني. صار الحزب مشطورا أفقيا بين القيادة والقاعدة. صار ينظر إلى النشطاء الراديكاليين كقادة، وإلى القادة كنشطاء.

بعد أكثر من قرن على تأسيس الحزب يواجه كل المؤمنين به حراكا صداميا حاسما. الانتقال من اليسار إلى الوسط، ثم الارتداد بعنف إلى اليسار مرة أخرى أدخل هذا الكيان العتيق في طاحونة الأيديولوجيات البالية. اليوم يجد الحزب الذي كبر في السن كثيرا نفسه في مرحلة إعادة الولادة من جديد.

لم يكن أعضاء الحزب ليجدوا أنفسهم في ورطة لو لم يمتلك كوربين رؤية واضحة. على عكس أقرانه من الماركسيين المهمّشين في النقابات العمالية وداخل صفوف الحزب نفسه، خرج كوربين من القمقم بخطة لاختطاف الحزب لصالح الأقلية المتشددة.

لا أحد يستطيع لوم كوربين على خطته لإطلاق “ثورة ديمقراطية”. لم يصل حزب العمال إلى هذا المنحدر في ذات اليوم الذي جاء فيه كوربين في موقع قيادته.

تمر أوروبا اليوم بما يشبه معركة مع الذات من أجل إعادة رسم هوية جديدة. الظروف الحاكمة لهذه المعركة هي نفسها تلك التي خلقت ثورة البروليتاريا مع توسع النظام الرأسمالي في أوروبا الغربية.

انظر مثلا إلى الظروف التي قادت إلى قيام الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني الذي أنشأته عام 1875 مجموعة من النشطاء الماركسيين الذين كانوا يحلمون بمواجهة توحش الرأسمالية الجديدة.

كان هؤلاء النشطاء يؤمنون بمقولة لينين بأن “جدلية التاريخ تجعل الانتصار النظري للماركسية، يجبر أعداءها على التنكّر كماركسيين”.

أراد الماركسيون في ألمانيا الخروج من عباءة الماركسية التنظيرية إلى الفعل المباشر.

لا تختلف الظروف القاسية وقتها عن ظروف اليسار في أوروبا اليوم. مشكلة حزب العمال البريطاني في نظر النقابيين الذين يمثلون بوصلة خارجية من المفترض أن توجهه دون الانخراط المباشر في صفوفه، أنه لم يعد ممثلا للعمال.

هذا الواقع الجديد كان المولد الذي حرّك العقل الباطن لهؤلاء اليساريين الباحثين في شخصية كوربين عن فك الارتباط شيئا فشيئا مع أفكار يمينية تسرّبت إلى عقل الحزب. كانت الانتخابات العامة التي أجريت في يوليو 2015 لحظة حاسمة في تاريخ اليسار.

اليوم يدفع كل من صوّت لصالح كوربين ثمن اللحظة التاريخية ومتطلباتها. وجد هؤلاء أنفسهم فجأة أمام شخص تنظيمي “غير ديمقراطي” يحاول القيام بـ”ثورة ديمقراطية”.

قال لي أحد أعضاء البرلمان الذين صوتوا على مذكرة لحجب الثقة عن كوربين، إن “الحزب أقدم على خطأ تاريخي. لقد أعطينا النمل مفتاح مخازن العسل، وسيقضي على كل ما تبقى فيها”.

يتمثل الثمن الذي يسدده حزب العمال اليوم في نقل مركز القرار من نخبة حزب العمال إلى “عمال الحزب”. باتت البلوريتاريا والنشطاء يهيمنون على قواعد الكيان المتهاوي بعد انضمام 300 ألف من الراديكاليين وأعضاء النقابات العمالية وجماعات الضغط خلال العام الماضي وحده من أجل دعم كوربين.

سحب الرجل البساط بضربة واحدة من تحت السياسيين وسلمه إلى النشطاء الذين يشبهونه أكثر. حوّل كوربين حزب العمال من حزب سياسي ناضج إلى جماعة ضغط تستند إلى الغوغاء.

ما عاد النقاش مرتبطا بانكماش طال أمده لليسار البريطاني فقط. المشكلة الحقيقية هي صعود اليمين.

اليوم عندما تسير في شوارع لندن لن تحتاج إلى بذل مجهود كبير كي تكتشف تحول العقل الجمعي البريطاني إلى اليمين الراديكالي. لم يعد الحجاب مهمّا بالنسبة إلى المسلمات كتعبير عن الهوية في مواجهة اعتداءات قد تحصل لهن نتيجة هذا الزي في أي وقت.

التلفّت والحذر والسير بجانب الحائط صارت منهجا لحياة العمال القادمين من بولندا ودول أخرى في شرق أوروبا.

حتى حزب المحافظين الحاكم صار يلهث من أجل اللحاق بالجماهير التي سبقته باتجاه اليمين كي يضمن الفوز بأصواتها في الانتخابات المقبلة.

صارت الفوارق بين حزب الاستقلال المتطرف، الذي تأسس على فكرة كره الهجرة والأجانب، وحزب المحافظين ضبابية. تمكنت أيديولوجيا متطرفة من الناس العاديين دون أن يشعروا بذلك.

كان الحصاد النهائي أن صوتت الغالبية لصالح خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. هذا الشعور العام بالرغبة في الانعزال كان مصدر عزلة مقابلة في معسكر اليسار.

اليوم يدرك المعتدلون والمتشددون اليساريون أن حزب العمال على أعتاب نفق مظلم طويل قد يستغرق الخروج منه (إن حصل) سنوات. الاختلاف هو أن المعسكرين يؤمنان بأن هناك بصيص ضوء في نهاية هذا النفق. المتشددون يقولون إن هذا هو ضوء المخرج، والمعتدلون يصرون على أن هذا هو ضوء القطار القادم من بعيد كي يهرس ما تبقى من الحزب.

في النهاية بات ضمان المحافظين الاستئثار بالحكم لسنوات قادمة من المسلمات. أما خيارات حزب العمال فصارت منحصرة فقط في الانفجار من الداخل إلى عدة كيانات، أو التحول إلى ناد يقضي فيه “عواجيز الماركسية” أوقات فراغهم بعد التقاعد.

كاتب من مصر مقيم في لندن

7