ثورة متواصلة في خارطة البث التلفزيوني

الأربعاء 2016/12/07

حتى سنوات قليلة، كان يمكن أن يعيد أحدنا ترتيب مواعيده لكي يعود إلى البيت من أجل مشاهدة برنامج محدد يحرص على متابعته، وقد تتغير حركة الناس في الشوارع خلال ساعات بث بعض البرامج.

اليوم تراجعت تلك الظاهرة إلى حد بعيد، مع انتشار خيارات المشاهدة في أي وقت والمكتبات الهائلة من البرامج والأفلام والمسلسلات، التي يوفرها مزودو الخدمات التلفزيونية، إضافة إلى إمكانية تسجيل ما تود مشاهدته من خلال الهاتف الذكي الذي يتحكم عن بعد بأجهزة الاستقبال في المنزل.

لم يعد هناك ما يتطلب المشاهدة وقت بثه على القنوات التلفزيونية، باستثناء الأخبار ومباريات كرة القدم، وما عداها يمكنه الانتظار إلى وقت الفراغ.

قبل أيام لاحظت أن الأجيال الجديدة ابتعدت أكثر مما كنت أتوقع عن علاقتنا بالتلفزيون، حين وجدت أن ابنتي تتابع بشكل رئيسي قنوات تبث على الإنترنت من خلال موقع يوتيوب ومواقع أخرى. وهي تشاهدها من خلال الأجهزة المحمولة وأحيانا من خلال جهاز التلفزيون المرتبط بالإنترنت.

وقد عرضت علي قنواتها المفضلة من خلال الدخول إلى موقع يوتيوب على جهاز التلفزيون، والتي تقدم برامج متخصصة وفي غاية الاحتراف، وتحصل على تمويلها من الإعلانات على التسجيلات ذات المشاهدة المرتفعة، ولا وجود للبث المباشر فيها.

أصبح كل شخص يمكنه أن تكون له قناته الخاصة على موقع يوتيوب أو حتى فيسبوك، التي تتراكم فيها تسجيلاته بمرور الوقت أو التسجيلات المفضلة التي ينتخبها.

هناك اليوم عشرات الملايين من القنوات الخاصة وربما مئات الملايين بجهود ومحتويات متباينة الحجم. وهناك الملايين من الأشخاص الذين يسجلون بشكل دوري رسائلهم، ويتباين عدد متابعتهم بحسب شهرتهم وعدد المعجبين بهم.

أحد الأصدقاء الإعلاميين كان يقدم برنامجا على إحدى القنوات المغمورة، وحين خرج منها بدأ بتسجيل برامج قصيرة عبارة عن حديث عن قضايا سياسية وبمواصفات فنية جيدة.

وأصبحت رسائله “التلفزيونية” التي يسجلها بمفرده في بيته ويبلغ طول الواحدة نحو عشر دقائق، تحظى خلال ساعات بمشاهدة مئات الآلاف من الأشخاص بسبب جرأته في المواضيع السياسية الساخنة.

كما تضع يوتيوب إعلانات في بداية كل حلقة تناسب موقع المشاهد وبلده، وبات يحقق عوائد مالية تفوق راتبه الذي كان يتقاضاه من عمله السابق. وبمرور الوقت ترتفع العوائد مع تراكم العشرات والمئات من الحلقات وازدياد أعداد المشاهدين.

هناك اليوم آلية تلقائية لدى يوتيوب مثلا، تضع إعلانا مع بعض التسجيلات بمجرد ارتفاع مشاهدتها بطريقة سريعة، حتى لو كان قفشة طريفة. وهناك اليوم الملايين من المحترفين الذين يبحثون عن تسجيل فيديوهات تختطف الاهتمام.

قبل أيّام شاهدت برنامجا عن هذه الظاهرة، وردت فيه قصة تسجيل طريف لطفل لمدة دقيقة واحدة، وضعه والده لتشاهده العائلة، ولكن سرعان ما شاهده العشرات من الملايين، وحين فوجئ والده بعوائد الإعلانات تفرغ لتسجيل كل ما يصدر عن الطفل الذي أصبح نجما شهيرا.

ساعات المشاهدة على مختلف الأجهزة، أصبحت تتنافس عليها مئات الملايين من الأطراف، وهو ما يشير إلى ثورة عارمة ومستمرة في هوية البث “التلفزيوني” في سوق جديدة لا تعرف الحدود.

كاتب عراقي مقيم في لندن

18