ثورة 25 يناير الفاشلة تغيظ أعداءها.. ذكريات جزائرية

الثلاثاء 2018/02/06

هل أفاجئ أحدا بفشل ثورة 25 يناير 2011، إلى الآن على الأقل؟ ولكن هذا الفشل لا يمنع الاعتراف بأن الثورة “حقيقة”، وأنها في حالتها السريرية تزعج أعداءها، ويغيظهم تذكر مرورها الحاسم قبل سبع سنوات، ريحا اقتلعت حسني مبارك، وأزالت اسمه من محطة للمترو وأكاديمية للأمن حوكم فيها، ومن سلسلة للمكتبات ومواقع اجتماعية وثقافية حمل البعض منها اسم زوجته سوزان أيضا.

لو كانت الثورة من الموبقات الشعبية العابرة لما استحقت من ضواري السكك هذا “الكفاح” المضني في الانقضاض عليها، والطعن في شرفها، والتفنن في إلصاق خطايا سياسية واجتماعية وأخلاقية بها، وهي اتهامات تنال من شرعية الحكم الحالي، وتدين المجلس الأعلى للقوات المسلحة بالتستر على “مؤامرة 25 يناير”، والانقلاب على شرعية مبارك. ولإنعاش الذاكرة لا ننس أن بيانات الجيش، خلال 18 يوما هي الأبهى في تاريخ مصر الحديث، سجلت انحيازه إلى “الإرادة الشعبية”، وبعد خلع مبارك خطب المشير حسين طنطاوي في الشباب “قمتم بثورة عظيمة”، في بداية الالتفاف على الثورة وتبريدها، والإيحاء بأنها تمرد شبابي بعد أن كان يراها تجسيدا لإرادة عموم الشعب.

زلزال الثورة خلخل موازين القوى في مصر، وكمونها الحالي لا يحول دون انفجار لن يتحلى ببراءة 25 يناير ونبل الذين فاجأهم الكابوس، ثم يلاحقون بتهمة تقويض الاستقرار. والأخطر من هذه الملاحقة مدفوعة الثمن لإعلاميين ومثقفين، أن نسمع يوم الأربعاء 31 يناير 2018 أن ما جرى قبل سبع سنوات “مش هيتكرر تاني” على لسان عبدالفتاح السيسي، في إيحاء بمؤامرة لم تكتمل في يناير 2011، وهو تصريح عصبي يهينُ ثورة أرادت إنهاء الاستبداد ومنع التوريث وإرساء العدل، باعتراف المجلس العسكري ودستور 2014. تكلم الرجل فرأيناه، كما تابعنا مسلسل الانتقام من 25 يناير، وأبطال هذا الهجوم نجوم عادوا من الماضي لكي يشمتوا ويشتموا.

لم يكن للينين وقادة ثورة أكتوبر 1917 أن يأتوا بوجوه قيصرية لإدارة شؤون البلاد بحجة الاحتياج إلى كفاءاتهم. جرى شيء قريب من هذا حين استولى الضباط الأحرار على الحكم في 23 يوليو 1952. كانوا شبانا متوسط أعمارهم 34 عاما، فكلفوا علي ماهر بتشكيل الحكومة. الرجل قادم من زمن آخر، ينوء بعدة مناصب وزارية شغلها بين ثورتي 1919 و1952، والأهم من رئاسته لمجلس الوزراء قبل الثورة أنه تولى رئاسة الديوان الملكي في عهديْ فؤاد وفاروق.

وفي ارتباك السقوط السريع للثمرة الناضجة بين أيدي الضباط الشبان، فاجأوه بتشكيل الحكومة. دعوة لم يتوقعها، ولعلها أسكرته فتخيل ثبات الزمن، ولم يضبط إيقاعه ليتزامن مع عقول لا يثقلها ماض، ولا تصوغها تجارب أحزاب ما قبل الثورة، بل تبحث عن شرعية شعبية، من خلال قانون الإصلاح الزراعي الذي عارضه ماهر، فأقصي في 7 سبتمبر 1952، وصدر القانون بعد يومين اثنين، وصار 9 سبتمبر عيدا للفلاح المصري.

المشهد الآن تتصدره وجوه قطعت شوطا تمهيديا مع جمال مبارك، وظلت تراهن على أبيه في مقالات أبرزتها صحيفة الأهرام في أكتوبر 2010، على مرمى حجر من ثورة يكفي للتدليل على فشلها عودة هذه النماذج البشرية.

ليس الغرب وحده الذي تغنى بالثورة، فالحالمون بالحرية من العرب كانوا أكثر حماسة لها، وعلقوا بالسقوط السريع لمبارك آمالا على التخلص من الدكتاتوريات، وفي الجزائر رأيت الثورات يذهبن السيئات

قبل الثورة قال مصطفى الفقي سكرتير مبارك السابق للمعلومات “الرئيس مبارك وأسرته يعلمون أنني عشت بينهم وولائي لهم”، ثم تولى مناصب متعددة في مصر وخارجها، وكان ختامها رئاسته للجنة العلاقات الخارجية والشؤون العربية بمجلس الشورى، وبهذه الصفة قابل وفدا برلمانيا من مجلس العلاقات الخارجية الأميركية، مساء 24 يناير 2011 عشية اندلاع الثورة، وأبلغه ترحيب مصر “بما يحدث في تونس، ولا يمكن أن نقول إن بن علي مثل مبارك”. الآن صار الفقي مديرا لمكتبة الإسكندرية التي يترأس مجلس أمنائها الرئيس المصري.

استدعاء جنود مبارك لا يقتصر على الفقي وحده، فقائمة “ملك اليمين” المزمنين طويلة، وكان متوقعا أن يتواروا، احتراما لذاكرتنا وذاكرتهم، وأن يصمتوا أو يتفرغوا لكتابة سيرهم الوظيفية؛ فمن المرهق لأعصاب الرجل أن يخدم سيدتين أو سيدين، ولكن جابر عصفور آخر وزير للثقـافة في عهد مبارك عاد ليصبح أول وزير للثقافة في عهد السيسي. ولا ينسيني تطاوله على مبارك المخلوع أنه قال في التلفزيون الحكومي مساء 30 يناير عام 2011 “لسنا ضد الرئيس مبارك… لا يوجد مصري عاقل ضد الرئيس مبارك”، ولكني أشهد أنه لا ينال الآن من الثورة التي تلعنها لميس جابر، وتراها كارثة على مصر، وقد كوفئت بالتعيين في البرلمان مع زميلها يوسف القعيد، وهو الآخر انحنى ظهره من ثقل ما لا يزهد فيه من مناصب وعضوية لجان وأسفار ومقالات يذكر فيها اسم السيسي أكثر من اسم الله في علاه.

لا يفاجأ زائر لمصر بفشل 25 يناير، يكفيه تعرية مطار القاهرة من جداريات وثقت مأثورات أطلقها زعماء العالم عن روعة الثورة، والفخر بشعب مصر. ومع صعود القوة المضادة للثورة، وحذف ما يتصل بالثورة من البرامج الإعلامية، وإطلاق الضواري من ساقطي القيد للنيل منها، فلن يكون الغرب بأحرص منا على ثورة لم ننجح حتى في حفظ ذكراها.

وليس الغرب وحده الذي تغنى بالثورة، فالحالمون بالحرية من العرب كانوا أكثر حماسة لها، وعلقوا بالسقوط السريع لمبارك آمالا على التخلص من الدكتاتوريات، وفي الجزائر رأيت الثورات يذهبن السيئات.

ففي يونيو 2011 دعيت إلى المهرجان الثقافي الدولي الرابع للأدب وكتاب الشباب. ولم أنس تدفق الإهانات للجزائر، لتأهلها لنهائيات كأس العام 2010 بجنوب أفريقيا، بعد فوز فريقها لكرة القدم على الفريق المصري، في مباراة بالسودان في نوفمبر 2009. واتفق على اتهام الجزائريين بالبلطجة علاء مبارك ويوسف زيدان وأحمد شوبير. وفي العاصمة الجزائرية رأيت واجهة مكتب شركة مصر للطيران محطمة، وتحمل آثار غيظ جماهير اعتدت على رمز مصري. وكلما سمع لهجتي أحد قال “سامحناكم بعد 25 يناير”. تجاوزوا عن أخطائنا في حق الجزائر وشهدائها، فالثورات يذهبن السيئات.

وفي لحظة براءة اعتذرت عن قبول دعوة أخرى إلى الصالون الدولي للكتاب في سبتمبر من العام 2011، وكنت أبديت موافقة، إلى أن قرأت خبرا عن مشاركة أربعة من وجوه دولة مبـارك للحديث عن الثورة، فاعتذرت إلى إدارة الصالون، وهاتفني المسؤول يطمئنني إلى أن وجودي لن يتقاطع مع أنشطتهم، وتبادلنا رسائل ربما أنشرها يوما، وفي إحداها قلت “لا أريد أن يتحول الاحتفال بالثورات في بلادكم إلى مشاحنات، أو مقاطعات بالصمت، بين مصريين وقف كل منهم على ضفة، وما زالت الثورة قائمة تتفاعل، وليس من الحكمة أن ننقلها إلى أرض أخرى”، ولم يعجبه كلامي، فرددت برسالة أنهيتها “لو وجه هؤلاء، في فتنة التأهل لنهائيات كأس العالم، إساءة إلى الجزائريين أو ثورتهم أو شهدائهم، فلن يسهل التسامح معهم، فما بالك بالاحتفاء بهم على نحو يسيء إلى الثورة المصرية، ويستخف بدماء الشهداء، ويستخف بذاكرتنا. لكم اختياراتكم، ولا أسعى لفرض وصاية أو إبداء تعليق. كل ما أستطيعه أن أنسحب بهدوء”. ولم أدع مرة أخرى.

الثورة، وإن لخصها كارهوها بأنها “يناير الأسود”، تجعلني أكثر تمسكا بمقولة جاليليو “ولكنها تدور”.

روائي مصري

9