ثورة 30 يونيو: إخفاقات تغطي على المكاسب

النظام المصري الراهن يواجه مشكلة عميقة، لأن غالبية من شاركوا في ثورتي 25 يناير و30 يونيو اعتقدوا أن حال مصر سيتغير إلى الأفضل، لكن بداية 2015 بدأوا يستفيقون من حلمهم على كابوس.
السبت 2018/06/30
غلاء الأسعار يبدد كل الآمال

القاهرة – لا يتذكر الشاب المصري أحمد سليم، المشغول بخروج منتخب بلاده من مونديال روسيا خالي الوفاض، أن ثورة 30 يونيو حققت انجازا سوى أنها قلمت أظافر الإخوان، لأن نتائجها خلال السنوات الماضية لم تكن في مستوى تطلعات من خرج في يوم 25 يناير 2011 ثم في يوم 30 يونيو 2013.

مرت خمس سنوات على  ثورة 30 يونيو وسقط نظام الإخوان، ماذا بعد، وما الذي تغير وإلى أين وصلت أحلام 25 يناير؟، يطرح قطاع كبير من المصريين، وخصوصا الشباب، هذه الأسئلة الاستنكارية، وهم يراجعون مسار السنوات الماضية، وماذا تحقق. اعتقدوا أن ثورة يونيو ستصحح أخطاء ثورة يناير، وتمنحهم أفقا للمزيد من الحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة، لكنهم فوجئوا بواقع آخر، جزء منه فرضته الظروف الإقليمية والدولية، ويمكن تفهمه، ولكن الجزء الأكبر والمتعلق بالسلطة والشؤون الداخلية، هو الذي يسبب حالة الإحباط المستشرية.

 

يستقبل المصريون اليوم الذكرى الخامسة لانتفاضتهم ضد حكم الإخوان، التي دعمها الجيش وانتهت بعبدالفتاح السيسي رئيسا للبلاد، مشيرين إلى أن فترة السماح والقبول بالتبريرات التي رافقت السنوات الماضية من عمر ثورة 30 يونيو قد انتهت، بعد أن بات الطريق الذي يسلكه النظام واضحا، وإذا كانت ثورة 30 يونيو قد حققت هدفها بخصوص إجهاض مشروع الإخوان، ومن وقفوا خلف الجماعة، فإن أهدافها الأخرى المحلية لا تزال محل شك، بل لم تحظ باهتمام كبير لدى من تولوا السلطة بعدها وحتى الآن.

عند النظر إلى المشهد السياسي، تيلوح عدد كبير من الرموز السياسية والاقتصادية التي تصدرت المشهد قبل سقوط نظام الرئيس الأسبق حسني مبارك. وتحت بند الحرب على الإرهاب وقطع الطريق أمام الإخوان تمّ تقليص هامش الحريات. من جهة، تعلن الحكومة عن مشاريع اقتصادية وتنموية وإعمارية ضخمة ومن جهة أخرى يستفيق المصريون كل فترة على زيادة جديدة في الأسعار وقرارات تضاعف من أعباء المواطنين.

في مشهد لا يخلو من سخرية أليمة، يقول سليم إن السبب الوحيد الذي يجعله مسرورا بذكرى ثورة يونيو هذا العام أنها تأتي متزامنة مع يوم العطلة الرسمية (السبت) وقد منحت الحكومة يوم الأحد عطلة إضافية، وبالتالي حصل المصريون على ثلاثة أيام متتالية (الجمعة والسبت والأحد)؛ وهذا مكسب كبير، في نظر سليم ورفاقه، لأنه يوفّر لهم ثمن تذاكر المترو التي ارتفعت أثمانها مؤخرا بشكل يعتبره المصرين مشطّا.

وتبدو الحكومة المصرية بحد ذاتها لا تريد منح الذكرى الخامسة اهتماما كبيرا، وعدم المغامرة بتنظيم احتفالات قد يفتح عليها صيحات غضب من الشباب عبر مواقع التواصل الاجتماعي، والتركيز على تفشي الفساد والتضييق على الحريات وأحكام الإعدام الأخيرة وتدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.

بدوره، استعدت جماعة الإخوان لهذا اليوم من خلال حشد كوادرها لتذكير الناس بما يعتبرونه “مظلومية” ثورة يونيو، وهي التي درجت على الاستثمار السياسي والدعائي لهذا النوع من المناسبات لتوجيه سهامها للرئيس عبدالفتاح السيسي الذي أسقط حكمها، عندما كان على رأس الجيش وبتأييد شعبي كبير.

لكن، اللافت أيضا، أن الجماعة، على غير العادة، لم تمارس هوايتها في الحشد الكبير للخروج في مظاهرات، والدعوة إلى “جمعة الغضب” هذه المرة، واتجهت نحو التصعيد الكلامي من خلال مواقع التواصل الاجتماعي والمنابر الإعلامية التابعة لها.

وردّ ذلك فشل محاولاتها في المناسبات السابقة، كما أن الغضب الشعبي الراهن مهما كانت حدته وقوته لن يصل إلى مرحلة تأييد أي تحرك للإخوان أو القبول بأي دور احتجاجي لهم، وحتى من انصرفوا عن دعم الرئيس عبد الفتاح السيسي لم يكن لانصرافهم علاقة بالتعاطف مع الإخوان، لكن احتجاجا على الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية وبعض الإجراءات السياسية التي يختلف تقييمها من قبل النظام والشعب.

ويواجه النظام الراهن مشكلة عميقة، لأن غالبية من شاركوا في ثورتي 25 يناير و30 يونيو اعتقدوا أن حال مصر سيتغير إلى الأفضل، لكن بداية 2015 وبعد أشهر قليلة من صعود عبد الفتاح السيسي للحكم، بدأوا يستفيقون من حلمهم على كابوس، لم يستوعبه من كانوا صغارا، ولم يتعايشوا مع أوضاع كانت أشد فسادا.

لا ينكر المصريون أن سقوط الإخوان والتخلص من جزء كبير من قوة الجماعات الإرهابية يمثلان إنجازا، وهم يرون شعوب دول عربية حولهم تكابد في الحفاظ على وحدة ترابها، لكنهم يرفضون، بعد خمس سنوات من ذلك، أن تبقى هذه الورقة كقميص عثمان. فمع أن أجهزة الأمن فككت البنى الرئيسية (المادية والمعنوية) للجماعة وأجهزت على غالبية أذرعها الأمنية الباطشة، إلا أنها توظفها سياسيا لتمرير إجراءات وقرارات ينتج عنها تململ وغضب شعبي.

المصريون لا ينكرون أن سقوط الإخوان والحرب ضد الإرهابية يمثلان إنجازا، لكنهم يرفضون أن يوظف النظام هذه الورقة عند الحاجة إلى تمرير قرارات

ويجعل مُضي ثورة يونيو في طريق مغاير، الكثيرين يعتقدون أن النظام ارتد على أهداف وثوابت ثورة يناير، وتزايدت شواهد الردة وبعد المسافات مع ظهور رموز سياسية عديدة ثار عليها شباب 25 يناير، وتقدّمت وجوه لعبت دورا مهما في عهد نظام الرئيس حسني مبارك، ومنهم من أصبحوا وزراء ومسؤولين كبارا حاليا.

لم تفلح خطابات الدعم والتأكيد على الالتزام بمبادئ ثورة 25 يناير والتي ظهرت ضمن تصريحات السيسي في تبديد مخاوف عدة، لأن المشهد العام يوحي بعكس ذلك وكأن هناك تربصا بثورة يناير، من خلال تعظيم منجز ثورة 30 يونيو، على حساب الأولى، عبر شخصيات تصدرت مشهدي الدفاع والهجوم، وخطوات سلبية اتخذتها الحكومات المتعاقبة حيال مؤيدي يناير من الشباب ووضعهم في سلة واحدة، باعتبارهم جماعة من المتآمرين.

لم يتمكن السيسي من الحفاظ على الزخم الشعبي الكبير الذي حصده بتأييده ثورة 30 يونيو، عندما كان قائدا للجيش، والذي وظفه في اتخاذ مجموعة كبيرة من الإجراءات السياسية والاقتصادية والأمنية، لم يستطع من سبقوه الإقدام عليها، مستغلا شعبيته والمخاوف التي انتابت شريحة من المواطنين عقب شيوع عمليات عنف لجماعات إرهابية تمركزت في سيناء وانتشار الفوضى في بعض الدول المجاورة.

وأدت إجراءاته الحاسمة وتشييد عدد من المشروعات العملاقة والإصرار على عدم تأخير الإصلاحات الاقتصادية إلى التأثير سلبا على ما حققه من شعبية بموجب موقفه الداعم لثورة 30 يونيو.

أقام السيسي تصوراته على تقديرات ذهبت إلى أن قلق المصريين مما يجري في دول عربية أخرى ورفضهم القطعي لعودة الإخوان يمكن أن تكون ثمنا لتحمل الظرف الاقتصادي الصعب وغلاء المعيشة. واعتقد أن حالة الطوارئ التي يفرضها الإرهاب يمكن أن تؤجل العمل على تحقيق مبادئ أي من ثورتي يناير ويونيو، المتعلقة بالحريات وحقوق الإنسان والديمقراطية.

لكن، خيب المسار الذي انتهجه الرئيس المصري آمال المصريين، وثمة من يرى أنه فوت فرصة تاريخية لبناء دولة عصرية بحد أدنى من الديمقراطية والكرامة وبما يسمح بتجاوز الصعوبات دون احتقان اجتماعي وغضب شعبي وبرؤية تراعي الظرف الإقليمي والدولي. لكن، يرد مؤيدون للرئيس المصري على هذه الانتقادات بقولهم إن السيسي ابن الدولة الوطنية وخرج من المؤسسة العسكرية ويدرك حجم وخطورة التحديات التي تواجه مصر، لذلك ليس لديه مجال أو رفاهية للقيام بتغيير يمكن أن يهز هياكل دولة بنيت على قواعد بيروقراطية يصعب التضحية بها.

وتوقع هؤلاء أن يكشف تزامن دخول ثورة 30 يونيو عامها السادس مع فترة رئاسية ثانية للسيسي عن وجه آخر له، ينحاز فيه إلى جزء من أهداف ثورة يناير، بعدما تمكن خلال فترة رئاسته الأولى من تحقيق أهداف ثورة 30 يونيو.

وتبقى المشكلة أن هناك تقاطعات بين يونيو ويناير، وهناك من يرى أن دوائر كثيرة في الحكم تفضل تغييبها باعتبار أن ثورة 25 يناير مرادف للإخوان والإرهاب، وأن لا ثورة سوى 30 يونيو. لكن، بالنسبة للشعب العكس هو الصحيح.

ثورة يناير موجودة في وجدان قطاع كبير من المواطنين لأنها تذكرهم بالحنين للحرية الكاملة والكثير من المعاني التي يريدون رؤيتها في الواقع. وبعد عشر سنوات سيتذكر الناس 25 يناير، لأنها ارتبطت بالحلم، بينما ارتبطت يونيو بتكسيره، بحجة القضاء على الإخوان.

6