ثورتان يتيمتان والعالم محكوم بالفوضى

الأربعاء 2014/03/19

لم تقد المعارضة السورية الثورة إلى نهايتها المفترضة أي إلى الانتصار. ولم تستطع إجبار النظام على عقد مفاوضات جديّة. ولم تستطع الحصول على دعم عسكري طيلة ثلاثة أعوام، ليتبين أنها معارضة فاشلة في فهم العالم وفي فهم الثورة. الآن يشعر السوريون؛ الثوار خاصة، أنهم تُركوا ليموتوا بسبب نظام لم يتوان عن فعل ذلك منذ عام 2011.

دخول الثورة الأوكرانية على خط الثورات لن يخفف من الدعم الروسي للنظام السوري، ولن يشجع الأميركان على فرض شروط جديدة على الروس وإحداث مبادلة ما مع روسيا، فتكون أوكرانيا لروسيا ويبدأ حل سياسي في سوريا. لا شيء من هذا القبيل، وستستمر اللعبة الروسية السابقة، أي تشدّداً مستمرا في سوريا وربما سحقا للثورة الأوكرانية، ولنقل إعادة الأوضاع إلى سابق عهدها مع فسحة أكبر للأوكرانيين، وها هي روسيا تقضم جزيرة القرم.

عالم ما قبل الثورات ومسببها، هو عالم رأسمالي غارق في أزمة اقتصادية مستمرة لا أفق لنهايتها. الثورات المندلعة لم تشكل أفقا للشعوب حتى الآن، وبسبب الأزمة هناك انسحاب أميركي من المنطقة العربية باستثناء الخليج وإسرائيل نسبيا، وهنا من الخطأ البحث عن موقف أوروبي مستقل عن الموقف الأميركي، فأوروبا كلها بما فيها فرنسا وألمانيا خارج الحسابات الدولية والأزمة تطالها كذلك، فهي دول لا تملك سياسة مستقلة عن أميركا. وحصيلة مواقفها في سوريا لا تُرى أبدا، فما فعلته فرنسا في ما يخص الثورة هو مجرد دعم إعلامي ومالي عديم القيمة ومحصور في جزء من المعارضة وبهدف إخضاعها أكثر مما هو لإسناد الثورة، وهذا موقف طبيعي من دولة كبرى إزاء ثورة شعبية، وبالتالي هدف الدعم إخضاع المعارضة بحثا عن المصالح الفرنسية المتضررة من النظام الحالي.

يُتم الثورات لا يأتي من عدم التبني الأميركي أو الأوروبي لها، فالدول لا تتبنى الثورات كما تتوهم بعض المعارضات، بل هي توظفها لمصالحها الجيوسياسية فقط، ولكن الأزمة المشار إليها تمنع حتى تلك الدول من ذلك التوظيف، وهو ما لم تفهمه المعارضة السورية أو الأوكرانية، وقد اندفعت بعيدا في طلب الحماية الأميركية أو الأوروبية، وهو ما قلل من نجاح تلك الثورات رغم أعوامها الثلاثة في سوريا ووصول المعارضة في كييف إلى السلطة.

اليُتم الحقيقي للثورات، يكمن في غياب معارضة تعي الشرط العالمي، وتتحرك فيه كما هو، وتعي الشرط المحلي ومصادر القوة والضعف. قلة الفهم هنا، هي ما يقود الثورة السورية والأوكرانية إلى ما يشبه الفشل، وفي أحسن الأحوال بعض التعديلات والتغييرات، بما لا يسقط النظام السابق نهائياً، وستعاد له الحياة من جديد.

إنهاء يتم تلك للثورات، يتم فقط بتشكيل قيادة فعلية لها، تعي مصدر التأزم المستمر للشعبين الأوكراني والسوري، وتعمل في هدي الممكن واقعيا واضعة برامج محددة لتلك الثورات، دون ربطها بطريقة مخزية بمصالح أوروبا أو أميركا؛ اللتين تعلنان أن الممكن الوحيد في دعم الثورات تلك هو الدعم الإعلامي والمالي، وأنه لابد للثورتين السورية والأوكرانية من العودة إلى روسيا لإنهاء ما يحصل في سوريا وأوكرانيا.

حصيلة ما يحدث، هو استمرار العالم المأزوم، واستمرار الثورات ولكنها لا تمتلك بديلا عن الذي يجري وبالتالي لا إمكانية للعودة إلى الخلف، ولو قضم الدب الروسي الثورة الأوكرانية وليس القرم فقط، واستعاد النظام السوري بعض المدن والبلدات. العالم إذن محكوم بفوضى كبيرة، والدول العظمى تبدو عاجزة عن الخروج من أزماتها؛ فهناك فوضى بسبب أزمة العالم المتقدم وبسبب وجود ثورات بلا أفق. ما سيتحقق من جراء ذلك، ستوضع أوكرانيا تحت الوصاية الروسية، مع فسحة أكبر جزئيا للشعب، لا أكثر ولا أقل. سوريا لن تستفيد من الثورة الأوكرانية كثيرا، حيث أوضحنا السبب أعلاه، وما يبقى الوضع على حاله رداءة المعارضة واختصار برنامجها للثورة بطلب الدعم الدولي بمختلف أشكاله.

أخيرا الثورات يتيمة بحق، ولكن يُتمها عائد إلى غياب معارضات تتقدم ببرامج وطنية جامعة، فلا في سوريا تحرك الشعب بأغلبيته وبقيت دمشق وحلب خارج المعادلة، ولا في أوكرانيا استطاعت المعارضة جذب سكان الشرق، وظلوا مرتبطين بروسيا، وأيضا لم يستطيعوا تحريك قطاعات شعبية كبيرة حتى في الجزء الغربي من أوكرانيا. إذن هناك احتلال روسي لشبه جزيرة القرم، وتهديد مباشر لكييف وللثورة وربما إنهائها، وفي سوريا الدعم الروسي مستمر للنظام، مع دمار في المدن ومعارك كارثية، وسلاح نوعي غير ممكن وفي حال وجد سيكون لإعادة التوازن العسكري فقط، والثورة تستنقع نحو قوى طائفية ومتشددة.

هذه هي الصورة القاتمة عما يجري في سوريا وأوكرانيا؛ ولن تتوقف المافيا الروسية عن مواقفها، ولن تتخلى الدول العظمى عن مواقفها. ليظل البديل هو تشكيل قيادات جديدة لتلك الثورات، تعي الواقع المحلي والدولي وتتقدم بالثورات نحو تحقيق ما تطمح إليه الشعوب. هذا هو الممكن الوحيد، وإلا فالعالم محكوم بفوضى التأزم الدولي كسبب، وبالثورات المتعسرة كنتيجة لها.


كاتب سوري

9