جاء مودعا

الاثنين 2014/07/21

قبل أشهر من رحيله جاء إلى عمان ليحيي أمسية شعرية، وقد سبق وأن زارها عدة مرات، وهو يعتمر الكوفية الفلسطينية مرة، والأردنية مرة أخرى، بدعوة من عدد كبير من معجبيه في الأردن، حيث يحيون في كل سنة ليلة يتلون خلالها قصائد نجم ويرددون أغانيه مع الشيخ إمام الذي يحظى بشعبية لا تقل عن شعبية أحمد فؤاد نجم.

كنت أراه في فضائيات متنوعة في سنواته الأخيرة، وخاصة بعد أن تفجرت انتفاضتان كبيرتان في مصر شارك فيهما، بطبيعة الحال، جنبا إلى جنب مع ابنته نوارة، الكاتبة الصحفية والناشطة السياسية وهي، أي نوارة، ثمرة زواج لم يدم طويلا بينه وبين الكاتبة صافيناز كاظم. والحقيقة أننا لا نذهب بعيدا إذا قلنا إن نجم كان بصوته الشعري الشجاع والجارح واللاذع، أحد أوائل المبشرين بالانتفاضة، بل أحد عرابيها التاريخيين.

كنت أراه كثيرا على الفضائيات وكأنه بعدما رفع عنه الحظر أصبح أشبه بفاكهة لذيذة، ومعلم فلكلوري يثير من البهجة والمتعة وحتى التسلية والفكاهة أكثر مما يثير من مشاعر أو حماسات ثورية.

وكنت أفكر، إنه لطويل العمر هذا الشاعر الشقي، تجاوز الثمانين ولا يزال يبدو نشيطا مفعما بالعناد والجرأة في أن يقول على الهواء كلاما مكشوفا، بشكل عادي، كأنه يتحدث مع صديق له في المقهى. لم أكن أحسده، ولكنني كنت أتساءل عن سرّ هذه الحيوية، خصوصا أنه أصيب قبل سنوات بسكتة دماغية كادت تقضي عليه، لولا أن تولى رعايته على الفور صديقه القديم منذ أيام الدراسة رجل الأعمال نجيب ساويرس، الذي وضعه في أفضل المستشفيات، وقد استغل كثيرون من خصومه هذه الواقعة ليتساءلوا ساخرين: ترى ما الذي يمكن أن يجمع شاعر الشعب الفقير برجل أعمال مليونير؟ لكن ساويرس نفسه أوضح بأنه معجب بنجم منذ أن كان يحيي حفلات شعرية وهو طالب في الجامعة.

ومن الصدف الطريفة أنني تعرفت عليه وعلى رفيقه الشيخ إمام أول مرة في باريس عام 1971، عندما ذهبت هناك مع زوجتي الأولى في رحلة علاج، بضيافة الصديق الشهيد محمود الهمشري، الذي كان ممثلا لمنظمة التحرير في فرنسا، حيث استمعت مبهورا ومبتهجا إلى بعض أغانيهما التي تلت هزيمة يونيو 67، والتي كان الهمشري قد حصل عليها بطريقة ما “الحمد لله خباطنا تحت بطاطنا، يا محلى رجعة زباطنا من خط النار. يا أهل مصر المحمية م الحرامية، الفول كتير والطعمية…إلخ”، أدهشتني جرأة الكلمات. وضدّ من؟ ضدّ عبدالناصر الذي كان أشبه بإله في ذلك الزمان، ثم بعد يوم واحد من عودته إلى القاهرة قادما من آخر زياراته إلى عمان، أدركه الأجل فرحل، وكأنه جاء ليودعنا.


شاعر وكاتب من فلسطين

15