جائحة كوفيد – 19 تضاعف العبء الذهني لدى الأمهات

ما تبذله النساء من قدرة نفسية وجسدية لرعاية أسرهن لا يجد التقدير.
الأربعاء 2020/05/20
مهام لا تنتهي

تصرخ الملايين من الأمهات اللاتي يتقمصن أكثر من دور وأكثر من مهنة في الحياة اليومية بشكل هستيري أو بصمت “لم أعد قادرة”، فالأم هي العاملة والمعيلة في الخارج والمسؤولة عن الأبناء والزوج الذي قد لا يفهم في غالب الأحيان الأسباب وراء كل هذا التعب فيقول بكل تلقائية ‘كان عليك أن تطلبي المساعدة’.

لندن – تمنح المرأة الحياة لأطفالها وهي المدرسة وعاملة النظافة والممرضة والمربية والمحاسبة والمشرفة على التموين والمعنية بتنظيم الأسرة ووسائل منع الحمل وهي أيضا الطبيبة النفسية، في هذا السياق سلط تقرير لبرنامج “هي الحدث” المذاع على قناة فرانس 24 الضوء على تضاعف العبء الذهني لدى الأمهات بسبب جائحة كورونا، مشيرا إلى أنه عندما نفكر في كمية المهام التي تقوم بها الأمهات وخاصة العاملات سنكتشف مدى تعقيدها وتشعبها.

ولفت إلى أن هناك الملايين من الأعصاب التي تعمل في الدماغ كل دقيقة لتؤمن وجبة على مائدة الطعام ولتنهي مهمة في مكان العمل ولتقلق على مصير الأطفال ولتداوي جروحهم عندما يلعبون وعندما يحبون وعندما يتعرضون للتنمر.

وقال التقرير إن هذا المشهد المتكرر هنا وهناك أطلقت عليه في منتصف القرن الماضي أخصائية علم الاجتماع مونيك هيكولت عبارةَ “العبء الذهني المعرفي” وعرفه علماء الاجتماع بأنه اضطرار الفرد إلى التفكير في مجال أو أمر معيّن عند وجوده جسديا في مجال آخر.

وارتبط المفهوم في البداية بتداخل الحيزين العملي والشخصي. ويختلف عن متلازمة “اليوم المزدوج” فالعبء الذهني يعني الوجود في عالميْن مختلفيْن في الوقت نفسه؛ وهو ما يعني ضرورةَ حمْل ثقليْن في الوقت نفسه، على سبيل المثال لا الحصر عندما تفكر الممرضة خلال دوامها بنوع الحساء الذي يجب أن تعده لأطفالها عند عودتها إلى البيت.

وأضاف أنه قد لا يكون العبء الذهني حكرا على المرأة ولكنه بكل تأكيد يطالها أكثر من الرجل لعدة أسباب منها ما هو علمي وبعضها ما هو اجتماعي أفرزته السلطة الأبوية والذكورية وأسباب أخرى لا تزال قيد الدراسة والمراقبة.

الملايين من النساء وجدن أنفسهن بحاجة إلى تكثيف أدوارهن في المنزل مع انتشار فايروس كورونا المستجد

وأوضح أن “السوبر وومن” والنساء الحديديات شخصيات خيالية وعندما نقابلها في أرض الواقع يجب أن نعي تماما أنها تدفع ثمن قدراتها الخارقة من صحتها النفسية والجسدية. وتلخص هدى حافظ من مدينة صيدا جنوب لبنان تجربتها مع العبء الذهني الذي يبدأ ولا ينتهي، هدى حافظ أم لـ3 أطفال في أعمار متباعدة، ومدرسة ترى في مهنتها رسالة جدية وليست فقط مصدرا للعيش وأيضا ناشطة في المجال الحقوقي والسياسي في بلد يصارع أبناؤه من أجل ألف باء الحياة الكريمة.

وقالت حافظ المدرسة والناشطة في الشأن العام إن “العبء الذهني نعيشه يوميا دون أن نعرف حقيقة هذا المصطلح ولكننا نحسه عندما نخلد إلى النوم”.

وأكدت أنه بعد هذه الجائحة التي عصفت بالجميع وغيرت حياة العالم، أجبر الروتين المختلف النساء على الانسياق فيه داخل البيت، وازدادت المهام بسبب العزل المنزلي، منبهة إلى أن المرأة خلقت قادرة على تعدد المهام والقيام بالعديد من المهارات في نفس الوقت. وتابعت “العبء الذهني سيف ذو حدين فمن جهة يعطي المرأة راحة نفسية لأنه يملء أوقاتها، إلا أنه في المقابل يجهدها جسديا وفكريا”.

وأضافت أن القيام بالأنشطة التطوعية والعمل في الشأن العام يشعر الأمهات بالتقصير مع العائلة والزوج والأولاد ويزيد من العبء الذهني الذي تعيشه. وقال التقرير إنه في كل هذه الصورة عندما نسأل المرأة عن الأمور يغيب الحديث عن الرجل الذي لا يعاني من العبء الذهني.

وبينت حافظ أن تركيبة الدماغ عند المرأة مختلفة عن تركيبة الدماغ عند الرجل، ويمكن أن يكون دماغ المرأة مصمما على حمل أكثر من سلة في يد واحدة إلا أن الرجل يقوم بمهمة واحدة إلى الآخر وقد يتمكن من القيام بها أحسن من المرأة لكنه يستلم مهمة واحدة ولا يستطيع القيام بعدة مهام في آن واحد.

رعاية الأسرة مرهقة جسديا ونفسيا
رعاية الأسرة مرهقة جسديا ونفسيا

وقدمت أمهات من ألمانيا مؤخرا فواتير مفصلة تتراوح بين أكثر من 22 ألف يورو وأكثر من 1 مليون و200 ألف يورو إلى صندوق الضمان الاجتماعي وصندوق العمل، فيها تفاصيل كل أعمالهن والمهام التي أنجزنها مع أولادهن خلال فترة الحجر الصحي الواقعة بين 17 مارس و15 مايو الجاري. وتغطي هذه المبالغ المهام التي أنجزنها والتي تتحدد بين عملهن الأساسي وتربية الأطفال وتعليمهم ومتابعة الدروس عن بعد، والطبخ والتنظيف، والتمريض، وقضاء الاحتياجات المنزلية ما يجعلنهن ينجزن مهام أكثر من ستة أشخاص على الأقل في الوقت ذاته. وجاءت مبادرة الأمهات الألمانيات في إطار وسم “الأولياء يتحدون فايروس كورونا” احتجاجا على عدم التقييم الذي يعانينه من أرباب العمل الذين يعتبرون أن عمل الأمهات عن بعد هو أريحية يعشنها السيدات بعيدا عن ضغط العمل، ويطلبون منهن جهدا إضافيا.

كما جاء هذا التحرك الجماعي الذي شاركت فيه سيدات من كل المهن وأيضا مدونات مشهورات في ألمانيا، لتسليط الضوء أيضا على أهمية ربات البيوت، وعاملات المنازل اللاتي لا تتجاوز مرتباتهن الحد الأدنى للأجور، وتثمين عمل المعلمات أيضا.

وأحدثت هذه المبادرة ضجة كبيرة بين من يعتبر عملهن عملا جبارا وبين من يرى أن هذه الصرخة تنم عن تململ الأمهات من دورهن الطبيعي.

وأكدت تقارير حديثة أن الأعباء المنزلية أثقلت كاهل النساء تزامنا مع أزمة كورونا، مشيرة إلى أن معظم الأعمال المنزلية عادة ما يتحملنها لكن هذا الوضع بدأ يتفاقم ويصبح أكثر إرهاقا بسبب التداعيات الكارثية لجائحة كوفيد – 19.

وأشارت دراسة حديثة إلى أن الملايين من النساء وجدن أنفسهن بحاجة إلى تكثيف أدوارهن في المنزل مع انتشار فايروس كورونا، منبهة إلى أنه حتى مع تقدّم فرص النساء في القوى العاملة، فإنهنّ لا يزلن يتحمّلن الجزء الأكبر من الأعمال المنزلية.

وأفادت كريستي والاس، الرئيس التنفيذي لشركة “Ellevate Network”، التي تدعم الأمهات العاملات “النساء يلعبن في العادة دور: رئيسة الرعاية الصحية، وكبيرة موظفي الترفيه، ومديرة التعليم في منازلهن، وفي وقت الأزمات ليس لدينا دليل استخدام واضح يعيننا، وفي المقابل لدينا الكثير من الذعر والقلق وهذه الأدوار كلّها مرهقة للغاية”.

وأكد تقرير حديث للأمم المتحدة أن أعباء الأمهات العاملات سوف تتفاقم في مواجهة جائحة كورونا، حيث يحتاج المسنون الذين تتحمّل النساء رعايتهم في المقام الأول أيضا إلى رعاية أكثر من أي وقت مضى، خاصة مع تكاثر موجة العدوى.

21