جائزة ابن رشد.. استحضار قيم التعايش والانفتاح للثقافة الإسلامية

الثلاثاء 2013/11/19
المستشار الملكي أندري أزولاي.. فكر ابن رشد رمز للانفتاح والتواصل الإنساني

شكل الحفل الذي نظمته مؤخرا بمدينة مراكش في جنوب المغرب كل من جامعة القاضي عياض، وجامعة مدينة قرطبة الأسبانية، والمرصد المتوسطي بإيطاليا، لتسليم جائزة ابن رشد الدولية، مناسبة لاستحضار القيم النبيلة والمتجددة للثقافة العربية الإسلامية القائمة على التسامح والتعايش والانفتاح.

وجرى تسليم هذه الجائزة لمفكرين معاصرين ينحدران من ضفتي حوض المتوسط ويتموقعان ضمن الخط الفكري لابن رشد، هما الأمير الحسن بن طلال (الأردن) ، وجان دانيال، مؤسس مجلة «لونوفيل أوبسيرفاتور « الفرنسية، بحضور عدد من السفراء المعتمدين بالمغرب.

وأبرز أندري أزولاي، رئيس مؤسسة آنا ليند للحوار بين الثقافات، أن هذه الجائزة الدولية تحمل دلالات عميقة بالنظر إلى مسار وأعمال وإنسانية الشخصيتين المتوجتين بها، وهي أيضا تكريم لرائد من رواد الفكر العربي الإسلامي استطاع الربط بين العقل والإيمان.

وقال إنه «في زمن القطيعة والتراجعات هناك حاجة ماسة إلى إعادة قراءة وإحياء فكر ابن رشد.»

من جانبه، قال الأمير الحسن بن طلال، «إن الصراعات المتحدث عنها الآن ليست صراعات العقل والمادة، ولكنها صراعات المادة وكرامة الإنسان»، مبرزا أن «استحضار ابن رشد اليوم هو من أجل تجديد الثقافة العربية الإسلامية من الداخل، في مواجهة دعوات الانغلاق والتزمت والإقصاء التي تفرق ولا توحد».

وأضاف أن «العودة إلى فكر ابن رشد ، المنتشر في العالم اللاتيني والذي اقتبس عنه الفلاسفة من مسائل الوجود والنفس والمعرفة، يمثل انحياز الثقافة العربية إلى إعطاء الأولوية للعقل والبرهان والانفتاح على الثقافات والآخر والتسامح ونبذ التطرف».

ووجه دعوة من أجل ميثاق أخلاقي يجمع بين الشعوب والثقافات والأديان، مبرزا أن التكامل بين الإشراق والتنوير يعتبر صورة من صور التكامل الفكري الأخلاقي الإنساني.

وفي هذا الصدد، قال: «عندما يقولون الإسلام والغرب أقول هذه مفارقة فالإسلام دين عظيم وعقيدة عالمية والغرب غرب البوصلة على الأقل لمن يحتفظون بالبوصلة هذه الأيام».

وأشار إلى أن إحداث جائزة ابن رشد الدولية يشكل مناسبة لتعظيم أفكار الحوار بين ضفتي حوض المتوسط، داعيا إلى ميثاق أخلاقي يجمع بين الشعوب والثقافات والأديان. وتساءل عن مدى إمكانية «التغلب على المفارقة الرشدية التي تشير إلى المصير المتباين لابن رشد في عالمي الشمال والجنوب».

وقال: «لقد تلاقت في فلسفة ابن رشد مناحي الفكر العربي، إذ رجع إلى مصادر الفلسفة الإغريقية، فاستقصاها وشرحها وفسرها بعقل نير مستنير؛ وعاد إلى جوهر الشريعة؛ ووقف على نزاع المتكلمين؛ وتتبع المشادة التي قامت بين العقل والإيمان في الإسلام حتى أصولها؛ محاولا التوفيق بين الحكمة والشريعة».

وثمن الأمير حسن بن طلال جهود القائمين على جائزة ابن رشد الدولية، وقادة الفكر والثقافة في المغرب، الذين سطعوا منذ سنين في سمائنا العربية وفي الفضاء المتوسطي والعالمي بريادتهم وإشراقاتهم التنويرية، فأسهموا في إحياء الأمل وتجديد الرجاء بعصر نهضوي ما فتئنا نسعى إليه منذ بواكير القرن الفائت.

المغرب التي تشهد منذ سنين حراكا فكريا مهما أنتج الكثير من الكتاب الذين اشتغلوا على الثقافة العربية الإسلامية وعلى دور ابن رشد تحديدا مثل محمد عابد الجابري. وأعرب عن أمله في أن تشكل مثل هذه اللقاءات مناسبة للتذكير بمسؤوليتنا الفكرية إزاء حكمة الإشراق، حيث أن تجديد حكمة الإشراق تقتضي منا الإسهام بالرؤى والأفعال في سبيل النهوض بالفكر والمشاركة الفاعلة في الحضارة الإنسانية.

ولفت إلى أنه عند الحديث عن التواصل الثقافي عبر التاريخ، فإننا لن نجد مثالا أروع من الحضارة الإسلامية في الأندلس التي كانت جسرا للتواصل بين الثقافتين العربية والغربية، فهي تمثل التقاء الحضارات بين الشرق والغرب، والتأثر والتأثير في الحضارات.

ولم يكن الفكر في المشرق بمعزل عن نظيره في المغرب والأندلس، ومن ثم كان التفاعل قائما والعطاء متصلا. واستذكر مقولة الإمام الشاطبي التي تدعو إلى «تعظيم الجوامع واحترام الفوارق» باعتبارها مبدأ عاما وهدفا أساسيا من أهداف الحوار بين الثقافات التي تتلاقى في بوتقة الحضارة الإنسانية الواحدة.

ودعا في ختام كلمته إلى الاستناد إلى عدد من قواعد السلوك التي تعزز الحوار بين الثقافات وبين أتباع الديانات، والمتمثلة في ضرورة البدء بالقواسم المشتركة والانسياب الحر للمعلومات، إضافة إلى وضع أطر مناسبة لتفهم الاختلافات في الرأي، والأخذ بمبدأ «عدم الإكراه» والإقرار بالأبعاد السياسية والاقتصادية لحوار الديانات مع أهمية قبول الاضطلاع بمسؤولية الأقوال والأفعال على الصعد كافة.

من جهته، أعرب السيد جان دانيال عن سعادته الغامرة بهذه الجائزة، التي ترمز إلى شخصية حرة أسست لمفهوم الأنسنة، وتميزت خلال حقبتها بفلسفتها وفكرها اللذين شكلا الجسور الأولى للحوار والانفتاح بين الغرب والشرق.

كما تطرق منظمو الجائزة إلى القيم التي تمثلها شخصية ابن رشد البارزة في تاريخ الفكر العربي الإسلامي، مؤكدين أنه ليس هناك مرجع أفضل منه لتكريم شخصيات ساهمت في النهوض بأنسنة جديدة بضفتي حوض المتوسط. وتسعى جائزة ابن رشد الدولية، التي تم إطلاقها بالتنسيق بين المرصد المتوسطي وجامعتي القاضي عياض بمراكش وقرطبة بأسبانيا، تحت رعاية الملك محمد السادس، إلى أن تكون مناسبة متميزة لتخليد واستعادة كيف كانت منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط مع مفكرين من أمثال ابن رشد وابن ميمون.

13