جائزة الأركانة للشاعر الفرنسي إيف بونفوا

الأربعاء 2014/02/19
تجربة بونفوا زاوجت بين التجديد الشعري والعمل الفكري

الدار البيضاء- العرب - الأركانة شجرة فريدة لا تنبت إلا في المغرب، وتحديدا في منطقة محصورة بين الأطلس الكبير وحوض ماسة، وهي تشبه من بعيد شجرة الزيتون لكنك عندما تقترب منها تُظهر كونا غامضا مستقلا بذاته. لهذا التفرد اختار بيت الشعر في المغرب أن يجعل اسم جائزته السنوية مشتقا من هذه الشجرة، لتكون جائزة الصداقة الشعرية. جائزة سنة 2013 نالها الشاعر الفرنسي “إيف بونفوا”.

قبل تسليم جائزة الأركانة إلى الشاعر الفرنسي “إيف بونفوا” (91 عاما)، تداول على منبر التكريم عدد من الأسماء الثقافية المغربية التي أشادت بخصال الشاعر وأحقيته بنيل الجائزة لما في شعره من خصوصية متفردة ومعان سامية، يقول وزير الثقافة محمد الأمين الصبيحي: “هنيئا لهذه الجائزة باسم من عيار الشاعر الفرنسي الكبير إيف بونفوا، وتحية صادقة إلى بيت الشعر في المغرب على هذه المجهودات المتواصلة لتعزيز المغرب الثقافي”.


تجربة متفردة

تجربة إيف بونفوا زاوجت الممارسة الشعرية بالعمل الفكري، عبر الفلسفة والنقد الأدبي والفن والميثولوجيا، مع جهد بارز في الترجمة نقل به إلى الفرنسية شكسبير وبيتس وجون دون وقصائد الهايكو. يقول رشيد خداري رئيس بيت الشعر المغربي: “لا شك أن جائزة الأركانة التي واكبت ثماني دورات كرمت خلالها رموزا من الشعر المغربي والعربي والعالمي، قد رسخت معنى جميلا جديدا من عطاء شجرة الأركانة المغربية وقراءتها”.

ويتابع خديري قوله: “تتيح لنا جائزة الأركانة، في نسختها الثامنة، فرصة ثمينة لمحاورة جغرافية شعرية أخرى هي الشعرية الفرنسية، من خلال تجربة الشاعر إيف بونفوا، المرشح الدائم لجائزة نوبل، وأحد أبرز القامات الشعرية في فرنسا وفي العالم”.

شاعر وفنان

إيف بونفوا شاعر وناقد ومترجم أدبي فرنسي، يعتبر من أهمّ شعراء العصر الحديث، ولد في مدينة تور عام 1923. بدأ الكتابة حوالي عام 1945، نشر مقالة “عازف البيانو”، ثم أسس مجلة “ثورة الليل”، التي نشر فيها جزءا من قصيدته السريالية “القلب-فضاء”، ليحدث بذلك قطيعة مع السريالية سنة 1947. من أعماله “دوق حركة وثباتا” و”سائدة أمس الصحراء” و”حجر مكتوب” و”في خديعة العتبة” و”بداية الثلج ونهايته” و”الحياة التائهة” وغيرها من الدواوين.

إلى جانب الشعر اهتم إيف بونفوا بتاريخ الفن الحديث، حيث أنجز بحوثا حول الرسومات الجدارية لفرنسا القوطية، و”روما 1630″ و”أفق الباروكية الأولى”. نشرت هذه الأعمال على شكل مجموعة مقالات نقدية، بالإضافة إلى ذلك نذكر “اللامحتمل” و”السحابة الحمراء” و”حقيقة الكلام” و”حوارات حول الشعر” و”الشعر والفن المعماري” و”تحت أفق الله”.

كتابة المغامرة

حاز بونفوا عديد الجوائز منها الجائزة الكبرى للشعر للأكاديمية الفرنسية والجائزة العالمية سينو ديل دوكا وجائزة فرانز كافكا والجائزة الكبرى بييرت ميشلو للشعر. كما تم منحه دكتوراه فخرية من عدة جامعات من بينها: الجامعة السويسرية نيوكاسل والكوليج الأميركي بفرنسا وجامعة شيكاغو وروما وأكسفورد.

من جهته عبر امحمد اكرين، الرئيس المنتدب لمؤسسة الرعاية صندوق الإبداع والتدبير عن سعادته بوجود شاعر مثل بونفوا في المغرب اليوم. يقول اكرين: “إننا إذ نقف تقديرا لعطاء هذا الشاعر الفذّ. شاعر الحكمة والتجديد ندعو الجميع في بيت الشعر إلى تأمل تجربته الفريدة التي استمدت من اللغة مادة لشعره الحسي القريب من الكائن والأشياء، كما مكنّه انخراطه المبكر في أفق السرياليين الفرنسيين من تقديم صورة شاعر حقيقي مهوس بكتابة تتحدّى وتغامر”.

وفي ختام الحفل عبّر الشاعر الفرنسي إيف بونفوا على سعادته بهذه الجائزة الكبيرة التي مثلت له إضافة في مسيرته، وقرأ للحضور مقاطع من أشهر قصائده منها قصيدته “الساعة الحاضرة”.

وقد أجمع الحضور على أحقية بونفوا بهذه الجائزة وعلى التوفيق في الاختيار، لأنه الاختيار الجمالي والوجودي الذي حقق به بونفوا تحديا عظيما، فقد استطاع أن يجمع في شعره مجمل التجارب الإنسانية التي لا ترضى لنفسها إلا أن تصبح حضورا ذا جدوى للأشياء دون أن ينكر حضورها.

ولأن الشعر هو الذي ينقذ الإرث الإنساني من الضياع، فإن بونفوا يثبت أكثر من غيره على أنه شاعر الإنسانية، أينما يشاء وأينما يمكث. هذا هو درس الأمل الذي يقدمه بونفوا دون قصد أو عن دراية، في شكل أشبه باحتفالية الهبة والعطاء.

14