جائزة الشيخ زايد للكتاب تكرم الفائزين وتشيد بمشروع ارتياد الآفاق

توزيع جوائز الشيخ زايد للكتاب لبنة في صرح التسامح والتعايش، والجائزة تثبت أن الثقافة والفكر يقربان المسافات بين البشر.
الجمعة 2019/04/26
المتوجون يجسدون مبدأ التسامح

تكرّم جائزة الشيخ زايد للكتاب في كلّ عام نخبةً من الكتاب والمفكرين والناشرين والمواهب الصاعدة الذين أسهمت مؤلفاتهم وترجماتهم في إثراء الحركة الفكرية والثقافية والأدبية والاجتماعية العربية وفي الميادين الإنسانية، وفي هذا الإطار تحتفي الجائزة هذا العام بكُتاب وأدباء عالميين وتسلّط الضوء على مركز بحوث عربي، تكريماً لنتاجهم الإبداعي والفكري المتميز في تسعة حقول.

تزامنا مع فعاليات معرض أبوظبي الدولي للكتاب 2019، وداخل قلعة الفن في أبوظبي متحف اللوفر أقيم حفل تكريم الفائزين بالدورة الثالثة عشرة لجائزة الشيخ زايد للكتاب، حيث قام الشيخ هزاع بن زايد آل نهيان نائب رئيس المجلس التنفيذي لإمارة أبوظبي بتكريم خمسة كُتاب وأدباء عالميين، تكريماً لنتاجهم الإبداعي والفكري المميز، وتسلّط الضوء على مركز بحوث عربي.

وسبق أن أعلن عن نتائج جائزة الشيخ زايد للكتاب في دورتها الأخيرة حيث فاز في فرع “الآداب” الكاتب والروائي بنسالم حمّيش من المغرب عن كتابه في السيرة الذاتية “الذات بين الوجود والإيجاد”، فيما فاز الكاتب حسين المطوع من الكويت في فرع “أدب الطفل والناشئة” عن قصته “أحلم أن أكون خلاط إسمنت”، وفاز الباحث الدكتور عبدالرزاق بلعقروز من الجزائر في فرع “المؤلف الشاب” عن كتابه “روح القيم وحرية المفاهيم نحو السير لإعادة الترابط والتكامل بين منظومة القيم والعلوم الاجتماعية”، وفاز الباحث الدكتور شربل داغر من لبنان بجائزة فرع “الفنون والدراسات النقدية” عن كتاب “الشعر العربي الحديث: قصيدة النثر”، أما في فرع “الثقافة العربية في اللغات الأخرى” فقد فاز الباحث الأكاديمي فيليب كينيدي من المملكة المتحدة عن كتابه “الانكشاف في الموروث السردي العربي”، في حين فاز المركز العربيّ للأدب الجغرافيّ “ارتياد الآفاق” في دولة الإمارات في فرع “النشر والتقنيات الثقافية”.

الثقافة والتسامح

في كلمته ضمن حفل تكريم الفائزين أشار الأمين العام للجائزة الدكتور علي بن تميم إلى أن جائزة الشيخ زايد للكتاب تحتفي بعائلة ستيتكيفتش، العالمين الكبيرين يروسلاف وزوجته سوزانالتي، التي  فازت بجائزة شخصية العام الثقافية وتحيي بذلك تقليدا ثقافيا عربيا أصيلا له امتداداته العميقة في الثقافة الإنسانية وهو تقليد يقدر دور العوائل التي تضيف جديدا للإنسانية في الفكر والفن.

ولفت بن تميم إلى أن هذه الظاهرة تعرفها العربية منذ ما قبل الإسلام، منذ أوس بن حجر وزهير بن ابي سلمى وابنه كعب، وعرفناها عند الطائييْن، أبي تمام والبحتري وعند عائلة بني سليمان التي أنجبت أبا العلاء المعري وشعراء وعلماء آخرين وعند أبناء موسى بن شاكر الذين برعوا في الترجمة وفي علم الفلك. أما في الأزمنة الحديثة فكلنا يعرف عائلات اليازجي والبستاني وتيمور وعائلة الشاعرة العراقيةالشهيرة نازك الملائكة، وعائلة مان الألمانية التي انجبت العديد من كبار المبدعين.

وأكد بن تميم على أنّ جميع الأعمال الفائزة بالجائزة لهذا العام تندرج ضمن هذا السياق الإنساني العميق، المتحضر، أما التسامح فيتجلى بأبهى صوره فيها. فهي أعمال تحتفي بالإرث الإنساني، وتعظم نقاط التلاقي بين الأفراد والمجتمعات وتطرح أسئلة تسعى إلى إيجاد الوحدة في التعدد والمشترك في التنوع، فكتابات يروسلاف وسوزان تصدر عن روح بحثية علمية تمتاز بالتسامح وعدم الانصياع للمركزيات، وأعمال بن سالم حميش حوار حضاري عميق مع الماضي والحاضر والذات والآخر، وكتابات فيليب كندي تصدر عن احترام صادق للثقافة العربية وعن حوار منفتح مع إبداعاتها. ودراسات شربل داغر تضيء النص الشعري وتبرز حضوره دون تعصب لشكل أو نوع، وقصص حسين المطوع تبني عالما حيا للأطفال يعلمهم حركة البناء وكتابات بلعقروز تعلي من أهمية القيم وتبين دورها الإيجابي الفاعل.

وأضاف إن عام التسامح، كما سبق للشيخ هزاع بن زايد آل نهيان أن أشار، هو تتويج للمسار الحضاري لدولة الإمارات وهو رسالة إلى العالم تقول إن مواجهة التحديات الراهنة وبناء مستقبل الأجيال لا يكونان إلا بترسيخ قيم التعايش والحوار عبر جعل التسامح أسلوب حياة وتفكير. وهو ما نجعله نبراسا لنا في الجائزة.

ورأى عبد الله ماجد آل علي المدير التنفيذي لقطاع دار الكتب بالإنابة في دائرة الثقافة والسياحة بأبوظبي أن الإمارات اختارت تحمُّل دورها العالمي في نشر التسامح، وهي المهمة التي لم تتوقف عن أدائها يوماً منذ تأسيسها. وقال “أدركت الإمارات دور الثقافة والفكر في تقريب المسافات بين البشر أينما كانوا. ونحن إذ نحتفل اليوم بتوزيع جوائز الشيخ زايد للكتاب، إنما نضع لبنة في صرح التسامح والتعايش الإنساني، ونعزز جهوداً متواصلة تبذلها الدولة تشجيعاً لتبادل الأفكار والإبداعات والرؤى بين بني الإنسان، وسعياً إلى فتح كل قنوات التواصل وإيجاد الأرضيات المشتركة التي تسمح بإرساء قيم السلام والمحبة بين الجميع″.

وأضاف آل علي أن “جائزة الشيخ زايد للكتاب” في عامها الثالث عشر تواصل مسيرتها الناجحة، وتؤكد مكانتها التي احتلتها عن جدارة، بوصفها الأهم من نوعها في العالم العربي. وقد فتحت التجربة الرائدة للجائزة الطريق أمام شيوع ثقافة التكريم والمكافأة للأدباء والمبدعين في العالم العربي، ولفتت النظر إلى أهمية صنع حوافز للنخبة المثقفة والمبدعة لتقديم أفضل ما لديها، وبالقدر نفسه تشجيع البحوث والدراسات التي تتناول الثقافة والفكر والإبداع العربي باللغات الأخرى في أي مكان من العالم.

وتابع “إننا في هذا العرس الثقافي البهيج، نُكرِّم كوكبة متميزة من الباحثين والمبدعين، وفي الوقت ذاته نحتفي بما يمثلونه بأشخاصهم، وبما تمثله أعمالهم من قيم إنسانية عليا عبروا عنها كلٌّ من زاويته، في أصالة مشهودة، ودأب لا يفتر، ونفاذ إلى جوهر الموضوعات التي يقاربونها، ويسري في هذه الأعمال كلها مسرى الروح يقينٌ بالرسالة التي يتحملها المثقف والمبدع والأديب، والمسؤولية التي يتحملها إزاء مجتمعه وإزاء الإنسانية”.

الحفر بشغف

باسم الفائزين تحدثت الدكتورة سوزان ستيتكيفيتش قائلة “في الحقيقة يشرفنا ـ أنا وياروسلاف ـ حضورنا هنا في لوفر أبو ظبي احتفالا بفائزي جائزة الشيخ زايد للكتاب، كما يشرفنا تشريفا خاصا وجودنا من بين هؤلاء الفائزين، وقد طلب منا الدكتور على بن تميم كلمات قليلة في هذه المناسبة الجميلة. فلنبدأ بالشكر والتقدير لهذه المؤسسة التي تحيي ذكرى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان من جهة، ومن جهة أخرى تسعى إلى امتداد رؤياه للتقدم البشري والتسامح والتعايش، وهذامن خلال الدعم والتشجيع للإبداع الأدبي وما يصاحبه من النقد والترجمة والنشر”.

وأكدت أنها وزوجها يجمعهما الحب المشترك للتراث الثري للشعر العربي، هذا التراث جزء لا يتجزأ من الوراثة البشرية العالمية. لقد كرست أنا أعمالى النقدية في الأغلب على الشعر العربي القديم ابتداء بالشعر الجاهلي. وكثيرا ما أسمع السؤال: لماذا تبذلين كل هذه الجهود في أصعب ما يكون من الأدب العربي؟  وتأتي الإجابة: إن ورثت كنزا مدفونا فهل تتركه تحت الأرض لأن الحفر شغل شاق؟!

لا.. أبدا ـ بل تحفر، فتستثمر. وقد حذرنا أبو العلاء المعري في نبرته المتشائمة من أننا دون معالم الشعراء القدامى من أمثال امرئ القيس ولبيد بن ربيعة سنفقد الطريق، فقال أبو العلاء وكأنه يصف لنا الأزمة الثقافية الراهنة: مضى الواقف الكندي والسقط غابر/ وصاحت ديار الحي أين لبيد/ تولى ابن حجر لا يعود لشأنه/ وطالت ليال والمعالم بيد”.

وفي تصريح خاص قال الشاعر نوري الجراح مدير عام المركز العربي للأدب الجغرافي “ارتياد الآفاق” أن هذه الجائزة هي بمثابة تقدير وتكريم لمشروع عربي يربط الشرق بالغرب والعرب بالعالم، هذه الجائزة الآن موعد يمكننا من أن نشير إلى أن المشروع يتقدم بدءا من هذا العام والأعوام المقبلة لينقل عشرات النصوص التي جرى تحقيقها من أدب الرحلة إلى اللغات الآخرى الانكليزية والفرنسية والأسبانية والإيطالية، وهي اللغات التي كتب الرحالة العرب خصوصا في القرون الثلاثة الأخيرة يومياتهم وانطباعاتهم عن شعوبها فيما يسمى الرحلة العربية إلى أوروبا، على اعتبار أن هذه النصوص هي كانت بمثابة سفر في عوالم هذه الثقافات وانطباعات ثقافة كاملة هي الثقافة العربية عن الآخر الأوروبي.

وأضاف الجراح “سنركز في المرحلة القادمة على الرحلات العربية إلى أوروبا بوصفها جسرا للتواصل وفضاء للحوار والتعارف بما يكشف عن همة العربي واستعداده للحوار والتواصل، وهو ما يميز جل كتابات هؤلاء الرحالة الذين أسسوا خزانة كاملة هي خزانة الرحلة العربية في برهة السفر والاكتشاف وهو ما حققه مشروع ارتياد الآفاق في شطر من اهتماماته إلى جانب اهتمامات بجغرافيات آخرى آسيوية وأمريكية وغيرها. ونعتبر ترجمة هذه الأعمال هي الخطوة المقبلة بالتعاون مع عدد من المترجمين إلى اللغات المتوسطية ثم إلى لغات أخرى. وأخيرا فإن جائزة الشيخ زايد مفصل مهم يكرم مشروع عربي رائد انطلق من الامارات وبريطانيا وحقق ما نعتبره الآن خزانة الرحلة العربية ويؤكد انفتاح الثقافة العربية”.

15