جائزة نجيب محفوظ لسعودية تنادي بنشر المعرفة وحرية الاعتقاد

أميمة الخميس تنبش الذاكرة وتواجه العرب بما يحاولون نسيانه، و"مسرى الغرانيق في مدن العقيق" تكشف التاريخ المسكوت عنه.
الخميس 2018/12/13
كاتبة تنتصر للمستقبل باستذكار الماضي

بدأت الكتابة الروائية السعودية في حفر مساراتها الخاصة في المشهد العربي، انطلاقًا من التشبث بقضايا متجذرة في الواقع السعودي، على رأسها قضايا الحريات والإشكالات النسوية، وتصدت أقلام نسائية لهذه الأمور، كما بتنا نلاحظ قراءات تاريخية جديدة تخوضها كاتبات سعوديات بكل جرأة، كما هو حال الكاتبة أميمة الخميس المتوجة أخيرا بجائزة نجيب محفوظ.

القاهرة - جاء فوز الكاتبة السعودية أميمة الخميس بجائزة نجيب محفوظ للأدب 2018 التي تمنحها الجامعة الأميركية بالقاهرة، مساء الثلاثاء، حاملا أكثر من دلالة، فهذه الجائزة، كتتويج لما بلغته الرواية السعودية من تطور ونضج خلال الفترة الماضية، وإشارة على بلوغ الكتابة النسوية وعيها الخاص.

في إطار من الحنكة والوعي بالقضايا الحقيقية التي ينبغي طرحها في المجتمع السعودي، جاءت رواية “مسرى الغرانيق في مدن العقيق” للسعودية أميمة الخميس (دار الساقي 2017) الفائزة بجائزة نجيب محفوظ، وتتصدى للحريات، وفي مقدمتها حرية الاعتقاد والتجديد الديني ومواجهة تيارات التشدّد والظلام.

الطرح والجسارة

في إشارة إلى هذا القصد نحو التجديد في الطرح والجسارة في الكتابة منذ نعومة أظافرها، عزت أميمة الخميس فوزها بجائزة نجيب محفوظ إلى تشابه اسمها مع اسم “أميمة” زوجة “أدهم الجبلاوي” بطل رواية “أولاد حارتنا” الشهيرة لنجيب محفوظ، واستَدرجها التماهي بين الاسمين إلى القراءة والوعي منذ الصغر، لتصبح جزءا من الحكايات الكونية الباذخة.

ومثلما أوضحت أميمة الخميس (52 عاما) في حفل تسلمها الجائزة، فإن سحر السرد أوصلها إلى متعة الحدوتة ومحاولة نظم فوضى العالم من حولها، ثم اتسعت جماليات الرواية أمامها لتشتبك مع الأسئلة الفلسفية والوجودية الكبرى.

ووصفت الخميس تجربتها مع الكتابة بـ”محاولات امرأة تود الانتصار للمستقبل”، كما وصفت السرد بأنه “أرض أنثوية، وغابة مغيّبة وراء المحتمل والممكن”.

حكاية بائع كتب يتجول بين شبه الجزيرة وبغداد والقدس والقاهرة والقيروان والأندلس، بحثا عن المعرفة حتى يهلك
 

وتشكّل رواية “مسرى الغرانيق في مدن العقيق” ارتحالا في الأمكنة وإبحارا في الزمن، وفيها تتجلى مناصرة أميمة الخميس لحرية الاعتقاد وحق المعرفة، فهي رواية تستعرض التنوع الثقافي والديني في العالم العربي في القرن الخامس الهجري، من خلال بائع كتب يتجول بين شبه الجزيرة وبغداد والقدس والقاهرة والقيروان والأندلس، بحثا عن المعرفة، وينتهي مطافه بالتهلكة لعدم توفر حرية الرأي والمعتقد كما كان ينشد.

ومن ملامح تفوق “مسرى الغرانيق” أنها رواية تكشف المسكوت عنه في التاريخ، وهذا ما توقف عنده أعضاء لجنة التحكيم، فهي تمنح المُهمشين صوتا لم تُرد له السلطة أن يُسمع، وهو صوت يسعى إلى إعلاء شأن العقل في مقابل النقل، والباطن في مقابل الظاهر، وينتصر للشعر والمعرفة والتأمّل والاجتهاد.

وضمت لجنة التحكيم كلا من: تحية عبدالناصر أستاذة الأدب الإنكليزي والمقارن بالجامعة الأميركية بالقاهرة، وشيرين أبوالنجا أستاذة الأدب الإنكليزي بجامعة القاهرة؛ ومنى طلبة الأستاذة المساعدة للأدب العربي بجامعة عين شمس، والمترجم همفري ديفيز، ورشيد العناني أستاذ الأدب العربي الحديث بجامعة إيكستر. وسلم الجائزة للخميس، إيهاب عبدالرحمن عميد الجامعة الأميركية بالقاهرة.

تفضح الكاتبة الواقع وتعرّيه بامتياز، بالاستناد إلى التاريخ، فهي تكشف كيف أن المدن التي جابها الرحّالة، بطل الرواية، لم تتحمل هذا الصوت المغاير، وكان لا بد من إسكاته، في واقعة مؤلمة تنبش الذاكرة وتواجه الواقع العربي الراهن بما يحاول نسيانه. وتحيل الرواية إلى الكثير من مآزق الحاضر، الذي يسوده التطرف الديني ويتمادى فيه أصحاب الفتاوى في تكفير الفلاسفة والمفكرين والعلماء.

حركة الحياة

ارتحال في الأمكنة وإبحار في الزمن
ارتحال في الأمكنة وإبحار في الزمن

وتكتسب الرواية أهميتها، فضلا عن لغتها الرصينة العذبة وصياغتها المحبوكة، بتقديمها مفهوما جديدا للرحلة الفكرية أكثر من كونها رحلة جغرافية أو تاريخية، حيث تهتم بتصوير القضايا الثقافية والدينية المؤثرة في تطور الشخوص والأحداث، وتبرز سلبيات التفسيرات الاستبدادية للدين.

لقد أرادت أميمة الخميس أن تكون كتابتها الروائية صيغة أكثر نضجا لاختزال الفنون كلها، ومنها الشعر بجموحه وعوالمه المتوهّجة، والمسرح بحواره وفلسفته وبعده الدرامي، والبصريات الحديثة من خلال السيناريو والتقطيع و”الفلاش باك” والاتكاء على الحوار للمعالجة الفنية.

وجعلت هذه المداخل الرواية النمط الفني الأكثر اقترابا من حركة الحياة، ومن خلالها يتم رصد الكثير من التحولات الاجتماعية والسياسية والتاريخية للشعوب.

وعرفت أميمة الخميس مبكرا أن اقتراف الشعر داخل الخدر ليس أمرا يسيرا، فهو رحلة غامضة بلا ذاكرة نسوية أو خارطة طريق، فالشعر كشف وبوح وافتضاح، وانتهاك للمتدثر بالسمت والوقار، وترانيم البوح التي تتحدى عتمة الخباء القديم. وبعد عدد محدود من القصائد لا يتجاوز بضع غيمات صيف تمر لاهثة عجلى، وجدت ذاتها “تستجير بالحكاية من الشعر”، لتقول كلمتها بحرية وجرأة.

يُذكر أن الكاتبة أميمة الخميس، ولدت ونشأت في الرياض، وحصلت على بكالوريوس الأدب العربي من جامعة الملك سعود، ودبلوم اللغة الإنكليزية من جامعة واشنطن، ومن أعمالها الروائية: “البحريات”، و”الوارفة”، وترجمت أعمالها إلى الإنكليزية والإيطالية.

وتبلغ قيمة جائزة نجيب محفوظ ألف دولار بالإضافة إلى ميدالية وترجمة الرواية الفائزة ونشرها بالإنكليزية، وتأسست الجائزة عام 1996.

14