جائزة نجيب محفوظ لكاتبة تستعيد فلسطين بالحكاية

فازت الكاتبة الفلسطينية حزامة حبايب أخيرا بجائزة نجيب محفوظ للأدب لعام 2017، والتي تمنحها سنويا دار نشر الجامعة الأميركية بالقاهرة باسم الكاتب المصري الراحل. وخلال حفل أقيم في القاعة الشرقية بمقر الجامعة في التحرير، حضره عدد من الكتاب والأدباء والمثقفين، تسلمت الكاتبة الفلسطينية الجائزة عن روايتها "مخمل".
الأربعاء 2017/12/13
نساء روايتي قادرات على اقتناص البهجة من وسط القهر

انهمرت دموع الكاتبة الفلسطينية حزامة حبايب في حفل تتويجها بجائزة نجيب محفوظ للأدب 2017، الذي انعقد بمقر الجامعة الأميركية في القاهرة مساء الإثنين الماضي 11 ديسمبر، الموافق للذكرى الـ106 لميلاد نجيب محفوظ، الحائز على جائزة نوبل للآداب في العام 1988.

وغالبت حزامة دموعها طوال إلقائها كلمتها بالحفل، إلا أن الدموع غلبتها وهي تقول وسط تصفيق الحاضرين “أنا ابنة اللاجئ الفلسطيني حامد محمد حبايب، الذي غادر قريته طفلا في السابعة، ممسكا يد أمه، لاهيا عن مآل البلاد وناس البلاد، غير واعٍ أنه استحال رمزا لأكبر نكبات العصر”.

عمارة الخسارات والفقد

مضت الفائزة بجائزة نجيب محفوظ تقول بصوت ضعيف متقطع من وراء دموع الأسى جراء قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب القاضي بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل؛ والذي يلقي بظلاله السوداء على المنطقة "أنا حزامة حبايب، إنما أستعيد البلاد وناس البلاد بالحكاية. في كل حكاية أعود إلى وطني، قد لا أكون منتصرة، لكنني بالتأكيد أكون مهزومة أقل، فالمجد للحكاية".

وبدوره، حضر صوت الأديب الراحل نجيب محفوظ (11 ديسمبر 1911-30 أغسطس 2006) عبر تسجيل نادر أذيع في الحفل، ليثمّن قيمة الكلمة، ويعلي شأن السرد، ويقول بلهجة الواثق إن الكد والاجتهاد من شأنهما أن يأتيا للإنسان بثمار عظيمة، من حيث لا يحتسب.

وحيّا فرانسيس رديتشاردوني رئيس الجامعة الأميركية بالقاهرة، أديب نوبل نجيب محفوظ، مبرزا أن هذا الحفل هو أحد انعكاسات نجيب محفوظ على الأرض كنجم ثقافي يستحق الخلود، ورمز للدفاع عن التنوير وحرية الرأي والحرية السياسية وحقوق المرأة وحقوق الإنسان.

ومنحت دار نشر الجامعة الأميركية بالقاهرة الكاتبة الفلسطينية حزامة حبايب جائزة نجيب محفوظ للأدب للعام 2017 عن روايتها “مخمل”، وضمّت لجنة التحكيم كلا من: تحية عبدالناصر أستاذة الأدب الإنكليزي والمقارن بالجامعة الأميركية بالقاهرة، وشيرين أبوالنجا أستاذة الأدب الإنكليزي بجامعة القاهرة؛ ومنى طلبة الأستاذة المساعدة للأدب العربي بجامعة عين شمس، والمترجم همفري ديفيز، ورشيد العناني أستاذ الأدب العربي الحديث بجامعة إيكستر.

وولدت الكاتبة الفلسطينية حزامة حبايب وترعرعت بالكويت، وحصلت على بكالوريوس آداب اللغة الإنكليزية من جامعتها، ومن أعمالها الروائية “أصل الهوى”، “قبل أن تنام الملكة”، و”مخمل” الصادرة في العام 2016 عن “المؤسسة العربية للدراسات والنشر”، ومن أعمالها القصصية: “الرجل الذي يتكرر”، “التفاحات البعيدة”، و”شكل للغياب”.

"مخمل" رواية المرأة عاشقة ومعشوقة، المرأة التي أنهكها الضيم والحياة وجبروت الرجال الذين نخرتهم هزائم التاريخ

وتُمنح جائزة نجيب محفوظ لرواية عربية حديثة في حفل سنوي يوافق ميلاد نجيب محفوظ، وتبلغ قيمتها ألف دولار مع ترجمة الرواية الفائزة ونشرها بالإنكليزية.

وتعد دار نشر الجامعة الأميركیة بالقاهرة، الناشر الرئیسي لأعمال نجیب محفوظ باللغة الإنكلیزیة لأكثر من ثلاثين عاما والمالكة لحقوق نشر أكثر من 600 طبعة باللغات الأجنبية الأخرى لأعمال الأدیب لأكثر من 40 لغة في جمیع أنحاء العالم منذ فوزه بجائزة نوبل.

"اليوم، أقف هنا لأحتفل معكم بالحكاية، كأرقى وأرقّ ما يمكن أن يكون عليه فعل الكتابة، وكأشقى ما يمكن أن يستتبع عن هذا الفعل".. هكذا تحدثت الفلسطينية حزامة حبايب في كلمتها بالحفل، متسائلة “كيف تأتينا الحكاية؟ كيف يطرق ناس الحكاية عتباتنا؟ كيف تتناسل الوجوه والروائح والأصوات والطرقات وحقب التاريخ الشخصي، الحقيقي جدّا، والتاريخ السري والتاريخ المهمَل؟ كيف تحتمل صفحات السرد كل هذا الضجيج البشري؟ كيف يمكن أن تتسع المرويّة لحياة عظيمة؟".

وهذه الأسئلة وغيرها لا تذكر الكاتبة الفلسطينية حزامة حبايب أنها توقفت عندها كثيرا، ربما لأنها عاشت في “قلب محكية كبرى”، بحد تعبيرها، وتقول "إياكم والاعتقاد أن هذا يدخل في باب التبجّح أو الادعاء. لا شيء هنا يدعو إلى التفاخر، فمحكيتي تنهض فوق عمارة شاهقة من الخسارات، وتستمد مشروعيتها من إرث مُضنٍ من الفقد، والمزيد من الفقد".

قراءة جديدة للحياة في المخيمات الفلسطينية بحروف عذبة

واللحظة التي يستطيع فيها الكاتب أن يقبض على الإحساس الأول في النص هي لحظة ثمينة، أن يشهد تفتح أوراق الحكاية، أن ينحاز للفكرة المتوهجة في الضلوع. وهكذا جاءت رواية “مخمل” على هيئة هجوم مباغت على حواس حزامة حبايب، إذ نامت ذات ليلة على عطش كبير في قلبها، قبل أن تصحو في الفجر على رائحة عنيفة، وتقول "لقد كانت رائحة طين طازج، تراب صبر على الجفاف طويلًا وبلله أخيرا مطر متمنّع”.

مشقة الحياة

تصف الفلسطينية حزامة حبايب روايتها “مخمل” بأنها رواية المرأة، عاشقة ومعشوقة، مشيرة إلى أن المرأة التي وإن أنهكها الضيم والمرارات وأزقة الحياة الوعرة وجبروت الرجال الذين نخرتهم هزائم التاريخ، فإنها تتقن صنع الحب وعيش الحب والموت كُرمى للحب.

وترى حزامة أن نساء رواية “مخمل” قادرات على اقتناص البهجة من وسط القهر، وهن يتشهين الطعام والأقمشة المترفة، وينتظرن رجلا واحدا ووحيدا، حتى ضمن فضاء عريض من البؤس والانتهاك والكبت؛ عنوانه “المخيم” الفلسطيني”.

ومن جهتهم، أثنى أعضاء لجنة تحكيم جائزة نجيب محفوظ على رواية “مخمل” للفلسطينية حزامة حبايب، بوصفها تتميز بأسلوب شيق جميل في سرد قصة نساء المخيمات الفلسطينية في الأردن، والحياة في مخيم اللاجئين والمنفى، وتتركز الرواية حول البطلة “حوا” والعائلة في منزل متواضع بالمخيم، وترسم صورة لمعاناة النساء من القهر في المجتمع.

ولا تدور رواية “مخمل” حول القضية السياسية والمقاومة الفلسطينية وحلم العودة، لكنها تتمحور حول الفلسطينيين أنفسهم، الذين تمضي حياتهم دون أن يُلتفت إليها أو تُدوّن في الخلفية، في حين تحتل الدراما السياسية مركز الصدارة عادة، وتتميز الرواية بلغة غنيّة تتسق مع موضوعها، وتقدم وصفا دقيقا لمشقة الحياة يتدفق بحساسية ورقة.

وركزت لجنة التحكيم في حيثيات منحها الجائزة لرواية حزامة حبايب، على تعدد المعاني في النص الثري، إذ يتحول “المخمل” إلى هدف وحلم ووسيلة ورؤية وتاريخ وموطن للعيش والأمل، بما يجسد قراءة جديدة للحياة في المخيمات الفلسطينية بحروف عذبة تكاد تماثل المخمل.

وللمخمل دلالات عدة في رواية حزامة، إذ يمثل الحب للبطلة التي تحلم بالمخمل النقي عندما يتاح لها انتقاء أقمشتها، في حين يشكّل بالنسبة إلى نساء المخيمات الأحلام والاحتمالات والإمكانات التي قد يوفرها الواقع الخشن.

15