جائزة نوبل للحماقة العلمية تطارد الرداءة غيرة على قداسة العلم ورقي الفن

السبت 2015/10/31
كيف تتجنب الحصول على جائزة نوبل بقراءة مقال واحد فقط

اسطنبول- تقول السردية العربية “دخل رجل على هارون الرشيد، وقال: إني أستطيع أن أعمل عملاً يعجز عنه كل الناس. فقال الرشيد: هات ما عندك. فأخرج الرجل علبة فيها كثير من الإبر، فغرس إحداها في الأرض، ثم أخذ يرميها إبرة إبرة، فتشبك كل إبرة في ثقب الإبرة التي سبقتها. ثم وقف الرجل مزهوًّاً بما عمل، وانتظر من الخليفة جائزة عظيمة.. نظر له الرشيد مليًّاً، ثم اتخذ قراراً عجيباً، أمر بضرب الرجل مئة جلدة عقوبة، مع منحه مئة دينار مكافأة، دُهش الحاضرون لموقف الخليفة، فقال لهم: أعطيته مئة دينار تقديراً له على حِذقه ومهارته. وضربته مائة جلدة لأنه يصرف ذكاءه فيما لا يفيد”.

وعلى غرار هذه الحكاية، تأتي “جائزة إيج نوبل” أو جائزة نوبل للحماقة العلمية، الأمر هنا ليس طريفاً كما يظنّه البعض، بل هو جديٌ وصارمٌ أيضاً، فلا مزاح في قضايا العلم، ولا هزل في ضرورة وضع الجهد الإنساني والعلمي والثقافي، في “ما ينفع الناس”.

لا تفعلها ثانية

جائزة نوبل في أصلها تذهب سنوياً نحو أهم الإنجازات في مواضيعها، وبالمقابل جائزة إيج نوبل، التي تعرف بكونها “جائزة تمنح كل عام للأبحاث العلمية عديمة المضمون، والفارغة من أدنى فائدة تُرجى وللإنجازات غير المحتملة التي يجب منعها؛ والتي لا يجب تكرارها أبدًا؛ لعدم جديتها ولعدم جدواها”.

أي أن هناك من يراقب ويتابع وبمعايير علمية محددة، سوية الأبحاث، ليقررها، أو ليرشحها كي تكون في مصاف الأبحاث الهامة، ولكن حين يعثر على أبحاث تتناقض نتائجها بشكل كامل مع غاياتها، أو تكون نتائجها بلا قيمة، فإن الجمهور يكون معنياً بمعرفتها، ليس تشهيراً بأصحابها، بل تنبيهاً لهم ولغيرهم لضرورة إصلاح البوصلة، ومثال ذلك عالم الفيزياء الهولندي من أصول روسية أندريه غييم الذي فاز بهذه الجائزة في العام 2000 مناصفة مع شريكه والسير مايكل بيري عن تجربة حملت عنوان “ضفدع مرفوع مغناطيسيا”، ثم فاز في العام 2010 بجائزة نوبل الأصلية مناصفة مع كونستانتين نوفوسيلوف وذلك لتجاربهما الرائدة في مادة الجرافين، فأصبح أول من يفوز بجائزة نوبل وجائزة إيج نوبل الاثنتين معاً.

عالم الفيزياء الهولندي أندريه غييم يحقق معجزة بفوزه بجائزة الحماقة العلمية في العام 2000 عن تجربة حملت عنوان {ضفدع مرفوع مغناطيسيا}، ليفوز بعد عشرة أعوام، بجائزة نوبل الأصلية وذلك لتجاربه الرائدة في مادة الجرافين، فأصبح أول من يفوز بجائزة نوبل وجائزة إيج نوبل معا

الأسوأ ثم الأسوأ منه

هنا لا أحد يرغب في أن يتنافس مع أحد، فالتقييم يبنى على تبيان الأسوأ ومن بعده الأسوأ منه، ولكن ثمة فئة من هواة الشهرة يقومون بترشيح أعمالهم ونسبة هؤلاء لا تتعدى الـ20 بالمئة من المرشحين لنيلها في أكثر من عشرة أنواع من الأبحاث والمساهمات.

الطرافة في أمر جائزة نوبل للحماقة، تعود إلى عناوين ومضامين الأبحاث التي تفوز بالجائزة، فمنذ أن أسست في العام 1991 على يد البروفيسور مارك إبراهامز عالم الرياضيّات السابق وعالم الكومبيوتر ورئيس تحرير مجلة “سجلات الأبحاث المستبعدة” (غير المحتملة) بالتعاون مع جامعة كامبردج البريطانية، ولجنة الجائزة التي يرأسها إبراهامز ذاته، تصدمنا بالأبحاث التي تمنحها إياها، ولكنها سرعان ما تقودنا إلى الضحك، والسخرية من الفائزين، فقراءة القائمة الطويلة من عناوين الأبحاث الفائزة تبدو مسلّية فعلاً، وبما يذكر الجمهور بجوائز مشابهة تقام لها احتفاليات سنوية، كجائزة “التوتة الذهبية” المخصصة لأسوأ الأفلام والممثلين والمخرجين، والتي تمنح بالتوازي مع جوائز الأوسكار في السينما، وأيضاً جائزة “القدم في الفم” التي تمنح لأسوأ تعليق أو عبارة أو قول.

تلقنهم درسا

يحدد إبراهامز طبيعة الجائزة التي اخترعها والمعايير المتبعة في منحها في هذا التصريح الذي ننقله عن أحد منتديات الشبكة العنكبوتية فيقول إنها “تمنح لعدة أسباب منها أن الكثير من الناس يعتقدون أنهم يجب أن يتم تكريمهم لعمل شيء ما، ويحاولون لفت الأنظار بأبحاث تأخذ شكلا علميًّا ولكنها بلا مضمون وبلا فائدة بالرغم من حسن نواياهم البحثية”، وحول الغاية من الجائزة يؤكد إبراهامز أنها طريقة مؤثّرة نوعاً ما لتلقّن مثل هؤلاء العلماء درساً لن ينسوه، وتحثهم لتوخي الحذر في تخطيط وتنفيذ وعرض أبحاثهم العلمية والبعد كل البعد عما هو غث ورديء.

وحول علاقة الجمهور بهذه الجائزة يضيف مخترعها “إنها طريقة سرّيّة جدًّاً لإغواء الناس بالتّفكير والتدبر في دور وأهمية العلم، وبالرّغم من أنّ الجوائز قد تبدو انتقاديّة، فإن الجائزة لا تعرض تفاصيل النقد العلمي للأبحاث، بل تكتفي بإعطاء الجوائز دون تعليق، ويذكر المقال العلمي المنشور ومكان نشره فقط، ومن الممكن أن يرشّح العلماء أنفسهم للجوائز المرغوبة أو بالأحرى يرشحون أحد أعدائهم. وقد يلتمس الكثير من العلماء الفائزين بهذه الجوائز العذر للجنة الجوائز بعد مراجعة أنفسهم، ورؤيتهم لأخطائهم الفادحة، بالرغم من سوء السّمعة العلمية التي تلتصق بمعظم الفائزين بمثل هذه الجوائز التي لا يريدها أحد”.

جائزة نوبل للحماقة في حقل علم الاجتماع يحصل عليها صحفي لكتابته أغرب مادة في العالم ليس لها أي معنى، ولم يفهمها أحد نشرت في مجلة "النص الاجتماعي"، يؤكد فيها أن الواقع ليس موجودا، وجاءت تحت عنوان "الورق كان ينتهك الحدود: نحو تحول هيرمينيتاكيسي لخطورة الكم"

التأمل في فكرة هذه الجوائز ذاتها، يقودنا إلى طرح استخلاص مهم، يقوم على نزع “السلطة” من المنتجات التي تؤطر ضمن مسميات يفترض بها أن تكون عميقة، فعبارة “بحث علمي” تفرض على الجمهور نوعاً مؤكداً من الاحترام، وكذلك فإن وضع اسم شركة مشهورة على مقدمة فيلم ما هو فعل يمنحه نوعاً من الرصانة أو القيمة في البداية، ولكن تقييم هذا المنتج بحثاً كان أم فيلماً، من قبل المختصين سيكشف قيمته، وعليه فإن إحالته إلى مساحة هذه الجائزة، يكشف قدرة المؤسسات والأفراد على ممارسة النقد الشديد واللاذع والساخر، من سلطة البحث وسلطة الفيلم، وسلطة العبارات أيضاً، وبالتأكيد فإن وجود هذا السياق يؤشر إلى جهد يبذل في سبيل حصانة العلم أو رقيّ الفن، وهو أمر يجعلنا نتساءل حول الأمر ذاته في واقعنا العلمي وكذلك الفني في المنطقة العربية كلها، فإذا ما تم إنشاء لجنة للبحث في أسوأ الدراسات والأبحاث العربية، وكذلك لجنة تبحث في أسوأ الأعمال الفنية في السينما والتلفزيون وفي المسرح، فإن السؤال سيكون: كم من هذه الأشياء تستحق أن ترمى في سلة المهملات، بينما يتم الاحتفاء بأصحابها كباحثين وفنانين وغير ذلك؟

لنتأمل في طرافة الأبحاث التي استحقت جائزة إيج نوبل، على مدى سنوات طويلة:

* جائزة الفيزياء:

للدكتور لين فيشر بسبب أبحاثه الرائدة حول “الوقت المطلوب لغمس قطعة البسكويت في الشاي قبل ذوبانها”.

* جائزة الطب:

لبحث يدرس “تأثير طعم اللّبان (العلكة) على أمواج المخّ”.

* جائزة علم الاجتماع:

لجون ترنكيوس الذي راقب لسنوات تحركات الناس في الحالات الطارئة، وانتهى إلى نتيجة مفادها: إن الجموع المرتعبة تتجه بصورة عفوية نحو الأضواء القادمة من الأبواب المفتوحة.

* جائزة الطب البيطري:

فاز بها ثلاثة علماء من جامعة ستوكهولم، بسبب اكتشافهم أن الدجاج يبيض بشكل أفضل حين يتعامل مع فتيات جميلات.

* جائزة علم الأرصاد الجوية:

منحت لبحث يدعو لاعتماد صوت الدجاج كمقياس لسرعة الإعصار.

البروفسور مارك إبراهامز عالم الرياضيات السابق وعالم الكومبيوتر ورئيس تحرير مجلة "سجلات الأبحاث المستبعدة" (غير المحتملة) بالتعاون مع جامعة كامبردج البريطانية الأب الروحي ومؤسس جائزة نوبل للحماقة

* جائزة الصحة العامة:

فازت بها الدكتورة جوليان كلارك على جهودها في تحديد متى يجب/أو لا يجب أكل الطعام بعد سقوطه على الأرض.

* جائزة الكيمياء:

فازت بها ذات مرة شركة كوكاكولا/بريطانيا حين سوقت أكثر المياه نقاء-حسب دعاية الشركة- تحت مسمى pure، ثم اتضح لاحقاً أنها مياه مأخوذة من نهر التايمز بعد إضافة الكلور عليها.

* جائزة علم الاجتماع:

فاز بها البروفيسور جون ترنيكوس مرة أخرى، عن الإحصائيات التي قدمها حول نسبة من يلبسون القبعات الواقية من الشمس على شواطئ فلوريدا بطريقة مقلوبة.

* جائزة علم الفيزياء:

لفريق كيوشو مابوتشي البحثي الياباني حول كيفية احتكاك قشر الموز، والتعرف على السبب الذي يجعل قشر التفاح والبرتقال أقل خطورة من قشر الموز.

* جائزة علم الكيمياء:

حصل عليها العالم كولن راستون أستاذ الكيمياء بجامعة فلندرز بعد أن تمكّن من إرجاع بيضة من حالة مسلوقة إلى نيئة.

* جائزة علم الاجتماع:

حصل عليها صحفي لكتابته أغرب مادة في العالم ليس لها أيّ معنى، ولم يفهمها أحد في مجلة “النص الاجتماعي”، يبرهن فيها على أن الواقع ليس موجوداً تحت عنوان “الورق كان ينتهك الحدود: نحو تحول هيرمينيتاكيسي لخطورة الكم”.

* جائزة علم النفس:

حصلت عليها ذات مرة مجموعة من علماء النفس وهم أنيتا إيلاند ورولف زوان وتيلو جوادالوبي، لإنجازهم دراسة نفسية تقول بأنك عندما تميل برأسك لليسار قليلاً وأنت تنظر لبرج إيفل فإنه يبدو لك أصغر من الحقيقة!

* جائزة علم الاحياء:

حصل عليها عالمان نرويجيّان لدراسة قدّماها عن “تأثير الثّوم والبيرة والقشدة الحامضة على شهية الديدان الطّفيلية”.

الجائزة طريقة سرّيّة جدًّاً لإغواء الناس بالتّفكير والتدبر في دور وأهمية العلم

* جائزة علم الطب:

لبحث يدرس “تأثير صوت المصعد على الجهاز المناعي للإنسان”.

* جائزة علم الكيمياء:

حصل عليها كل من العلماء دوناتيلا مارازيتي، وأليساندرا روسي وجيوفاني ب. كاسانو من جامعة بيسا، وهاجوب س. أكيسكال من جامعة كاليفورنيا (سان دييجو) لاكتشافهم بأن “بيوكيمياء الحبّ الرّومانسيّ قد تكون غير مختلفة عن التعب المتسلّط المفرط الشديد”.

* جائزة علم الكمبيوتر والاتصال:

لكريس نيسواندر لاختراعه برنامج باوسينس الذي يكتشف متى مشى القطّ على لوحة مفاتيح الكومبيوتر.

* جائزة علم الأحياء:

لريتشارد واسيرسج من جامعة دالهويسى؛ لتقريره العمليّ عن “الأتابيليتي النّسبيّ لبعض الفصول الجافّة على بعض الضفادع من الكوستاريكا”.

* جائزة علم النفس:

لديفيد دنينج من جامعة كورنيل وجوستان كريجر من جامعة إيلينوي؛ لتقريرهما عن: “كيفية الصعوبات في تعرّف شخص ما على كفاءته الخاصّة يقود إلى تقييمات النفس المنفوخة”.

15