جائزة نوبل للسلام وانتصار المدنية في تونس

الثلاثاء 2015/10/13

تحصلت تونس مؤخرا على جائزة نوبل للسلام الخامسة في تاريخ العرب، ومنحت الجائزة للرباعية التونسية أي المنظمات الوطنية التونسية الأربع التي رعت الحوار الوطني السياسي، وهي الاتحاد العام التونسي للشغل، واتحاد الصناعة والتجارة والصناعات التقليدية، والهيئة الوطنية للمحامين، والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان.

الحوار الوطني جمع اتحاد الشغل واتحاد الأعراف جنبا إلى جنب لأول مرة في تاريخ تونس، وهما المنظمتان المتعارضتان دائما، إذ تدافع الأولى عن الأجراء والثانية عن أصحاب المال والأعمال. وكان ذلك دليلا على وعي التونسيين بخطورة لحظتهم التاريخية وبالتهديدات الموجهة إلى وطنهم.

ومُنحت قيادة الرباعي للاتحاد العام التونسي للشغل نظرا إلى حجمه وتاريخه الكبيرين وانتشار قواعده النقابية في كل أرجاء تونس ودوره الكبير في احتضان الثورة والثائرين وفي حماية الدولة ومؤسساتها خلال الأيام الأولى للثورة وطيلة الفترة التي تلتها إلى حدود انتخابات نهاية 2014 التشريعية والرئاسية.

وللتاريخ فإن أول من دعا إلى إقامة حوار وطني في تونس ينقذها من ورطة الترويكا كان الشهيد شكري بلعيد. ولم يهتم الرأي العام الوطني بدعوته إلا بعد اغتياله يوم 6 فبراير 2013. ثم كان تشكل جبهة الإنقاذ إثر الندوة الوطنية للجبهة الشعبية في يونيو 2013 من العوامل الحاسمة في انطلاق الحوار الوطني، وكان ذلك في يوليو 2013.

ولكنّ الحوار الوطني سرعان ما تعثّر ولم يتمّ استئنافه فعليا إلا بعد وضع خارطة طريق في أكتوبر 2013 بعد اعتصام الرحيل وتوقف أشغال المجلس التأسيسي. واستمرّ إلى غاية يناير 2014، حيث تمت المصادقة على دستور الجمهورية الثانية في 27 يناير 2014 وإعلان الوزير الأول النهضوي علي العريض استقالة حكومة الترويكا التي كان يرأسها.

وواصل الرباعي نشاطه ضمن خارطة الطريق للإشراف على سلاسة تسليم الحكم من الترويكا إلى حكومة كفاءات مستقلة. وبعد ذلك بدأ الشروع في انتخاب الهيئات الدستورية وعلى رأسها الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، ثم الإعداد للقانون الانتخابي، فتذليل الصعوبات أمام تضارب المواقف حول أولية التشريعية على الرئاسية أو العكس. وفي الوقت نفسه حافظ الرباعي على دوره الرقابي لمؤسسات الدولة ولأداء حكومة المهدي جمعة ومدى التزامها بما طلب منها لا سيما مراجعة تعيينات الترويكا، وتنفيذ الاتفاقيات العالقة الممضاة مع الحكومات السابقة، ومقاومة الإرهاب واستعادة الأمن والحفاظ على السلم الاجتماعية وتحريك الركود الاقتصادي.

لقد كان الحلم التونسي على شفا الضياع والتحول إلى كابوس مفزع بعد أن بدأت معالم الانتكاسة تظهر للتونسيين من خلال إعلان الترويكا عن تمسكها بالحكم دون شرعية انتخابية، وتواتر إعلان الاستيلاء على الحكم على ألسنة قادة حزبيْ النهضة والمؤتمر من أجل الجمهورية منذ أكتوبر 2012 بعد انقضاء الشرعية الانتخابية (23 أكتوبر 2011 – 22 أكتوبر 2012).

ردد راشد الغنوشي وحمادي الجبالي وعلي العريض، وقادة كثيرون من النهضة، أنهم لن يتنازلوا عن الحكم وبدأ الحديث عن الشريعة أصلا من أصول الدستور وتوظيف الميليشيات وأئمة المساجد لترهيب التونسيين وإخضاعهم إلى وهمهم بأن حكم حركة النهضة أمر واقع ومخططها رباني لا يناقش.

قاطعت حركة النهضة الحوار الوطني ولم تلتحق به إلا في أكتوبر 2013 بعد سنة كاملة لفقدانها الشرعية الانتخابية، وإثر تعطل أشغال المجلس التأسيسي بسبب انسحاب نواب المعارضة وفشلها في تمرير نسخة يونيو 2013 من الدستور التونسي التي كان الشريك الثالث للترويكا مصطفى بن جعفر رئيس حزب التكتل ورئيس المجلس التأسيسي، حينها قد اعتبرها نسخة عظيمة ولم يعترف بما فيها من هنات خاصة ما اتصل منها بباب الحقوق والحريات.

ولا بد من التذكير بأن عودة حركة النهضة للحوار الوطني كانت بعد لقاء باريس في أكتوبر 2013 الذي انعقد بين الباجي قائد السبسي رئيس حركة نداء تونس إحدى مكونات جبهة الإنقاذ المعارضة، وبين راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة التي كانت تقود الترويكا الحاكمة. وبعد لقاء باريس، عادت النهضة للحوار وأعلن علي العريض استقالة حكومته مباشرة بعد التوقيع على الدستور الجديد، وكان ذلك في 27 يناير 2014.

لقد كان عمل الرباعي الراعي للحوار الوطني مضنيا جدا في مناخ سياسي متوتر ومتحول وملتبس. وكان الرباعي يواجه عقلية سياسية لحزبي النهضة والمؤتمر معادية أصلا للعمل المدني، باعتبار تنظيرها للمجتمع الأهلي كما ردد حمادي الجبالي الأمين العام السابق لحركة النهضة وأحد قياداتها التاريخية وأول رئيس لحكومة الترويكا.

وتمثل العداء في اعتداءات إجرامية استهدفت مقر الاتحاد العام التونسي للشغل ومناضليه كان أخطرها إلقاء الفضلات على دور الاتحاد واعتداء 4 ديسمبر 2012 من قبل ميليشيات رابطات حماية الثورة الموالية للنهضة وحزب المؤتمر. كما كان الخطاب السياسي للنهضة وللمؤتمر، رأسيْ الترويكا، تحريضيا على الاتحاد ومسنودا بالتحريض المسجدي.

لهذا تعد جائزة نوبل للسلام التي حصل عليها الرباعي الراعي للحوار في تونس تكريما للشعب التونسي الذي تمسك بالمدنية ولم يسقط في المخططات التي كانت تريد جره للعنف. ودفع الشعب التونسي ثمن مدنيته غاليا متمثلا في الشهيدين شكري بلعيد ومحمد البراهمي، أيقونتيْ الحوار الوطني الذي يتلخص في قيم المدنية والسلم الاجتماعية والخيار الوطني التقدمي الذي يراهن على العلم والحرية والحقوق والواجبات والعدالة والأمن. لقد انتصر الحوار الوطني على المخطط الرجعي الخطير. وانتصرت تونس على أعدائها من الداخل ومن وراءهم من الخارج.

كاتب وباحث سياسي تونسي

8