جائزة نوبل للكيمياء من نصيب آليات تحمل فوائد للبشرية والعلم

يعتبر الفوز بجائزة نوبل تتويجا لمجهودات خاض أصحابها العديد من التجارب والأبحاث للخروج باختراعات لم يسبق لها العلماء من قبل، أو تطوير إنجازات موجودة بالفعل على أرض الواقع. ومن بين الحائزين على هذه الجائزة لهذا العام ثلاثة علماء في الكيمياء تمكّنوا من تصميم وتركيب الآليات الجزيئية المستخدمة في الهياكل الكيميائية التي يستعين بها الباحثون في جميع أنحاء العالم وقد اعتبرت من أصغر الآلات في العالم. هذا الحدث أعاد للأذهان سلسلة من الاختراعات التي أحدثت فرقا جذريا في العالم إلا أنها لم تحصل على جائزة نوبل.
الأحد 2016/10/09
النجاح والانتشار يولدان من رحم الفشل

لندن- يطرح فوز ثلاثة من العلماء بجائزة نوبل 2016 في الكيمياء بفضل "أصغر الآلات في العالم"، العديد من التساؤلات حول طبيعة هذه الآلات الجزيئية وفوائدها على البشرية والعلم. كما أنه يعيد إلى الأذهان تاريخ 10 اكتشافات عظيمة لم تفز بجائزة نوبل إلا أنها ساهمت في التطور التكنولوجي اليوم وكانت المحرك الأساسي للدخول إلى عالم الإنترنت والبرمجيات التي أخذت تتطور مع الوقت.

وأرجعت الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم التي تمنح الجائزة قرارها منح كلّ من العالم الفرنسي جون-بيير سوفاج والأسكتلندي جيه. فريسر ستودارت والهولندي برنار فرينخا الأربعاء جائزة نوبل في الكيمياء للعام 2016، إلى أن العلماء الثلاثة طوّروا جزيئات ذات تحركات يمكن التحكم فيها ويمكن أن تؤدّي مهام عند إضافة الطاقة لها.

وقالت الأكاديمية إن العلماء الثلاثة ساهموا في "تصميم وتركيب الآليات الجزيئية المستخدمة في الهياكل الكيميائية التي يستعين بها الباحثون في جميع أنحاء العالم، وعلى رأسها الروبوت الجزيئي".

ولفتت الأكاديمية إلى أن “الآليات الجزيئية ستُستخدم على الأرجح في تطوير أشياء مثل مواد وأجهزة استشعار، وأنظمة تخزين طاقة جديدة”. وتعتبر هذه الآليات أصغر آليات في العالم، فهي أصغر من حجم شعرة الإنسان بالآلاف من المرّات، ويمكن دفعها داخل جسم الإنسان لنقل عقار دوائي بداخله، وعلى سبيل المثال يمكن تطبيق علاج مباشر على خلايا سرطانية، كما يمكن أيضا لهذا المجال الخاص بتكنولوجيا النانو متناهية الصغر، أن تنتج عنه تطبيقات جديدة في تصاميم المواد الذكية.

10 اختراعات لم تفز بجائزة نوبل مهدت للتطور التكنولوجي وكانت وراء الدخول إلى عالم الإنترنت

وأضافت الأكاديمية “المحرّك الجزيئي بات اليوم على المستوى الذي كان عليه المحرك الكهربائي في العام 1830 عندما كان العلماء يعرضون أذرع محركات دوارة وعجلات مختلفة غير مدركين أنها ستؤدي إلى القطارات الكهربائية والغسالات الكهربائية والمراوح وخلاطات المطابخ”. وتابعت تنقسم هذه الآلات الجزيئية إلى فئتين: اصطناعية وبيولوجية.

وتعمل المحركات البيولوجية الجزيئية بواسطة التدرج الكيميائي، أو التحلل المائي، وهي الآلية التي لم تتوافر حتى الآن في أيّ محرك جزيئي صناعي.

وتعتبر الآلات الجزيئية من العوامل الأساسية في حركة الكائنات الحية. أما المحركات الجزيئية الاصطناعية، التي لا تُرى بالعين المجردة، فيرتبط تطورها وفهم ميكانيكيتها أكثر فأكثر مع تطور علوم الكيمياء والفيزياء النانوي.

وتجدر الإشارة إلى أن جائزة الفيزياء منحت إلى البريطانيين ديفيد ثاوليس ودانكن هالداين ومايكل كوسترليتس لأعمالهم النظرية حول المادة “الغريبة” التي يتوقع أن تكون لها تطبيقات في مجال صناعة الكمبيوترات فائقة القوة.

وعن مبرّرات قرراها، قالت الأكاديمية السويدية، إن “العلماء الثلاثة فتحوا الباب على عالم جديد غير معروف من قبل، وأتاحت أبحاثهم إحراز تقدم في الفهم النظري للأسرار الغامضة للمادة، وفتحت آفاقا جديدة في تطوير مواد مبتكرة، يتم تصميمها حسب الحاجة”.

وقال العالم نيلس مارتنسن، رئيس لجنة نوبل “التقنيات الحديثة التي نراها اليوم ومنها الكمبيوترات الحديثة تعتمد على فهمنا لطبيعة المواد المكوّنة لها”.

مخترع الانترنت كان وراء تغيير حياة معظم البشر في العالم

وما نجاح مثال هذه التجارب إلا نتيجة عمل متواصل قد يكون فشل في السابق في الحصول على جائزة نوبل إلا أنه اليوم تمكّن من التغلغل أكثر في العالم الرقمي الذي لامس كل المجالات.وبالعودة إلى الوراء نجد أن من بين الاكتشافات التي فشلت في الحصول على جائزة نوبل ما ساهم في ولادة العالم الرقمي وما كان اللبنة الأولى وحجر الأساس في التكنولوجيا.

◄ الإنترنت: من بين أهم هذه الاختراعات التي غابت عنها هذه جائزة منذ قيام أول حفل لمنحها عام 1901، الإنترنت، إذ فشل باحثون أميركيون في بداية عام 1960، في الحصول على نوبل لإنشائهم شبكات اتصال حاسوبية، وهي ما تطوّر بعد ذلك ليتحول إلى شبكة الإنترنت.

وفشلت الشبكة العنكبوتية مرة أخرى في الحصول على الجائزة عن طريق عالم الكمبيوتر البريطاني تيم بيرنرزلي الذي كان صاحب فكرة بعث الشبكة العالمية، بالإضافة إلى أنه أنشأ أول موقع على هذه الشبكة في العام 1990. إلا أن هذا العالم لم ينل جائزة نوبل، على الرغم من أنه كان وراء تغيير حياة معظم البشر في العالم.

فشل أصحاب اختراع الشبكة العنكبوتية قابله انتشار كبير للإنترنت في كامل أنحاء العالم وسيطرتها عليه وعلى كل المجالات والبحوث التقنية والعلمية والأدبية.

◄ "دي أن إيه": لا يعد التغاضي عن تسليم مخترعي الإنترنت جائزة نوبل الحدث الوحيد في تاريخ هذه الجائزة فقد فشل مشروع الجينوم البشري عام 2001 في الحصول على هذه الجائزة، علما وأن الجينوم البشري لم يكن عبارة عن اكتشاف أو اختراع، بل كان مشروعا هندسيا تطلب رفع مستوى تسلسل الحمض النووي إلى الحجم الصناعي.

◄ الثقوب السوداء: كشف العالم ستيفن هوكينغ في العام 1970 عن اعتقاده بأن الثقوب السوداء التي قد تكون أقل أو أكثر خلودا، يمكن أن تنفجر في ومضة من أشعة غاما بدلا من فقدانها كتلتها ببطء لتتبخر في نهاية المطاف.

أصغر الآليات في العالم يمكن دفعها داخل جسم الإنسان لنقل عقار دوائي بداخله، كما يمكن أن تنتج عنها تطبيقات جديدة لتصاميم المواد الذكية

وكانت المشكلة حينذاك تتعلق بعدم وجود وسيلة للتحقق من هذه الفكرة، وقام هوكينغ بتوحيد نظرية النسبية مع نظرية الكمّ، الأمر الذي حفّز التقدم بشكل كبير في نظرية المعلومات، ورُسّخ بحث هوكينغ بقوة في الفيزياء النظرية لكنه لم يمنح جائزة نوبل.

◄ الجدول التسلسلي للإلكترونيات: بالبحث في عالم الإلكترونيات والبروتونات نجد أنها عائدة إلى العالم الكيميائي الروسي ديمتري مندليف الذي وضع جدولا ترتيبا أساسيا لبروتونات وإلكترونيات جميع العناصر الكيميائية المتواجدة في كل مادة، وتعريفا للعناصر الكيميائية.

كما قام ديمتري مندليف في العام 1869 بترتيب العناصر بالاعتماد على السلوك (الدوري) للخصائص الكيميائية للعناصر. ورُشّح لجائزة نوبل عامي 1905 و1906 ولكنه لم يحصل عليها، حيث اعتبرت لجنة التحكيم أن إنجازه أصبح قديما ومعروفا.

◄ المصباح الكهربائي: من بين الاختراعات التي أحدث عدم منحها جائزة نوبل صدمة بين مختلف الشرائح الاجتماعية اختراع توماس أديسون للمصباح الكهربائي الذي طوره العالم البريطاني جوزيف سوان فيما بعد.

فعدم حصول المصباح الكهربائي على نوبل لم يمنع تاريخيا من تسجيله كأهم اختراع منح العالم أول مجال ضوئي عرف في ما بعد العديد من التطورات.

المصباح الكهربائي أهم اختراع منح العالم أول مجال ضوئي

◄ الكوارك: فاز موراي جيل مان بجائزة نوبل للفيزياء في العام 1969 لاكتشافاته المتعلقة بتصنيف الجسيمات الأولية وتفاعلاتها، ولكنه لم يحصل على جائزة نوبل عن اكتشافه للكوارك رغم أنه يعدّ من أصغر مكونات الذرة التي يتحد بعضها ببعض لتشكيل البروتونات والإلكترونات والجسيمات الأخرى.

وعندما انطلق حفل تسليم جوائز نوبل عام 1901، كان علم الأحياء التطوري ما يزال في بداياته، حيث لم يكن علماء الأحياء يعرفون الكثير عن التفاصيل الدقيقة لكيفية تغير الحياة على مرّ الأجيال.

◄ التركيب التطوري الحديث: كشفت مجموعة من علماء الوراثة بين عامي 1920 و1950، عن آلية تشكل الطفرات وانتشارها بالإضافة إلى تشكل المواد الخام للتطور.

وعُرف هذا الاكتشاف لاحقا باسم “التركيب الحديث المتطور” أو “الاصطناع الحديث” ولم يحصل على جائزة نوبل للأسف الشديد.

◄ المادة المظلمة: بالإضافة إلى مجموعة هذه العلوم التي لم تحظ بالجائزة، يوجد العديد من الاكتشافات الفلكية التي تستحق جائزة نوبل ومن بينها المادة المظلمة التي لم تلق أيّ اهتمام يذكر من قبل لجنة جوائز نوبل.

وفي العام 1970، شهد كل من فيرا روبين وكينت فور وجود النجوم على حواف المجرات وهي تتحرك بنفس سرعة النجوم المتواجدة في الوسط. وبعبارة أخرى، إن السرعة العالية للمجرات يمكن أن تكون سببا لابتعادها ولكن تساهم المادة المظلمة في استبقائها بمساعدة الجاذبية.

وتعتبر المادة المظلمة غير مرئية وتشكل 90 بالمئة من كتلة الكون، ولا ينبعث منها الضوء كما لا تعكسه. ولكن ما يزال البعض من الغموض يكتنف هذه المادة الكونية المظلمة، ويتابع العلماء استكشاف طبيعتها الخفية.

◄ شجرة الحياة: في الوقت الذي كان العلماء يصنفون فيه الميكروبات على أساس أشكالها، قام العالم كارل وويس باختراع وسيلة لتوقع العلاقة بين الميكروبات بناء على نوعية جيناتها.

كثرة التكهنات التي سبقت حصول الفائزين على جوائزهم لهذه السنة أعادت إلى الأذهان التساؤل عن أسباب فشل الاختراعات التي غيرت العالم

وقام العلماء باستخدام العديد من التقنيات لفهرسة أنواع الميكروبات التي تعيش في أجسامنا، والتي تؤثر على صحتنا، كما رسموا العلاقات التطورية للكائنات الحية الكبيرة منها والصغيرة.

وبفضل هذه الطريقة، اكتسبت شجرة الحياة جذعها الثالث الكبير بالإضافة إلى العديد من الفروع والأغصان الجديدة. وتوفي كارل وويس عام 2012 قبل نيله جائزة نوبل.

◄ علم الحفريات: لم ينل عالم الحفريات جون أوستروم جائزة نوبل لعلم المتحجرات أو أيّ فرع آخر من فروع التاريخ الطبيعي، على الرغم من اكتشافه لأبرز أنواع الديناصورات المكتشفة على الإطلاق، ويبلغ هذا الديناصور من العمر نحو 110 ملايين سنة.

كل هذه الإنجازات لم تكن بحاجة إلى جوائز لتثبت جدارتها ونجاعتها إذ يكفيها أنها ساهمت في تغيير مجرى العالم، وسهلت فهم الكثير من الغموض الذي يحيط به من كل جانب، بالإضافة إلى أنها مكنت من السيطرة على الكثير من الأمراض وأجهزت على العديد من العراقيل فعلى سبيل المثال مكن مشروع الجينوم البشري أو ما يسمى تسلسل الحمض النووي المعروف بـ"دي أن إيه" من العلاج بالجينات وتطوير طرق علاجية حديثة كما أدى إلى الحصول على أدوية جديدة. كذلك الشأن بالنسبة إلى الإنترنت التي اكتسحت العالم ووفرت المليارات من المعلومات ولا تزال توفر، كما أنها هيّأت المناخ المناسب لعمالقة التكنولوجيا الذين اتخذوا منها منصات كبرى لمحركات بحثهم.

وتحولت الثقوب السوداء التي لم يحاول أحد أخذها بعين الاعتبار إلى جزء لا يتجزأ من علوم الفيزياء النظرية، كما أنها حفزت إحراز تقدم كبير في نظرية المعلومات.

وأثبتت التجارب السابقة أن الجوائز وعلى رأسها نوبل ليست مقياسا للنجاح أو الفشل وإن كانت محفزا على مواصلة العمل لكن الاختراعات التي لم تلق حظا في الفوز عرفت انتشارا عالميا رسخ على مر العصور.

كثرة التكهنات التي سبقت حصول الفائزين على جوائزهم لهذه السنة أعادت إلى الأذهان التساؤل عن أسباب فشل الاختراعات التي غيرت العالم، عن نيل نوبل، ولكن الأهم من ذلك أنها أثارت بعض الانتقادات واختزنت في طياتها اقتراحات ضمنية لعل من بينها ألا يمكن تعديل بنود الجائزة بحيث يخصص قسم منها لتكريم الإنجازات التي فارق أصحابها الحياة وتكون عائدات الجائزة لدعم هذه الاختراعات.

18