جاد المالح نجم فرنسي يهودي يعتد بأصوله العربية المغربية

السبت 2017/10/14
جاد المالح كوميديان عالمي يشارك آل باتشينو وصوفي مارسو أفلامهما

عمان- واحدٌ من النجوم القلائل الذين استطاعوا أن يضعوا بصمتهم في تاريخ العروض الكوميدية المسرحية المعتمدة على أسلوب “وان مان شو”، بعدما قدم العديد من الشخصيات التي جعلته محط أنظار الملايين وأثبتت هيبته التمثيلية التي جذبت كبار مخرجي هوليوود.

جاد المالح الذي يجمع بين ثلاث جنسيات، المغربية بلده الأصلي والفرنسية والكندية، يبدو أن هذا المزيج الثقافي منح لشخصيته أبعادا عظيمة ينهل منها حسه الكوميدي الذي يجمع الفرنسيون على أنه قد حوّله إلى نجم شباك أول في المسرح الكوميدي.

ولد المالح عام 1971 في أسرة مغربية تنتمي إلى طائفة اليهود السفارديم، كان لوالده الأثر الكبير في حياة جاد الفنية، حيث كان يمارس في أوقات فراغه فن التعبير المسرحي الصامت. وعُرف بشغبه عندما كان تلميذا، وبهروبه من مدرسة البعثة الفرنسية مرافقا المشاغبين أمثاله في الأحياء الشعبية. حينها تنبأ له أساتذته بالفشل لكنه خيّب ظنهم، حيث أصبح من كبار الكوميديين في العالم.

مساعدة عربية "يهودية"

توجه المالح إلى كندا لدراسة العلوم السياسية في العام 1988، لكنه لم يستفد من ذلك لأنه اختار الانتقال إلى باريس بهدف احتراف الفن، والتحق بمدرسة فلوران، أرفع معاهد تكوين الممثلين المحترفين، وقضى بها سنتين ونصف السنة، وهناك تعلم أصول فنون التمثيل والمسرح.

أول ظهور احترافي للمالح كان على خشبة المسرح عام 1996 برفقة الممثل الكوميدي الفرنسي اليهودي التونسي الأصل أيلي كاكو، بعدها بعام واجه جاد الجمهور بعرض فردي بعنوان “ديكالاج” الذي كان عملا فكاهيا متكاملا بحسب رأي النقاد الفرنسيين، وهو ما مهد له الانطلاق في عالم عروض “الستاند أب كوميدي” أو “وان مان شو”.

لم يتأخر المالح باستثمار نجاحه الجماهيري في عالم السينما، حيث شارك في نفس العام بدور في فيلم “سلاما ابن العم” للفنان الجزائري مرزوق علواش.

نجاحه المرسخ في المجتمع الفرنسي كان في كوميديا “شوشو” التي استقطبت أربعة ملايين مشاهد، وتلاحقت عروضه الفردية التي بوّأته صدارة النخبة التي تضحك الملايين من الفرنسيين، والناطقين أيضا باللغة الفرنسية.

قناة المنار التلفزيونية التابعة لحزب الله تبث تقريرا تتهم فيه المالح بأنه دافع عن الجيش الإسرائيلي، وقد عرض التقرير صورة له وهو يرتدي بدلة عسكرية إسرائيلية، لكن اتضح فيما بعد أن الصورة مزورة عن طريق برنامج "الفوتو شوب"

وضع المالح كامل اهتمامه في العروض الكوميدية المسرحية، حيث قدم عروضه “الحياة العادية” و”الآخر هو أنا”، ثم “بابا فوق” الذي قدمه على مسارح حاشدة على مدى ثلاث سنوات حافلة بالنجاحات.

أما السينما فقد عاد إليها حاملا معه ثقلا كبيرا من النجاح الشعبي عام 2009 بفيلم “كوكو”، وفي العام 2012 تقاسم مع النجمة صوفي مارسو بطولة فيلم “السعادة لا تأتي بمفردها”، ليعود بعد ذلك إلى خشبة المسرح بعرض “دون طبل” الذي تواصلت جولاته عبر العالم.

حزب الله يهاجم المالح

لدى هذا الرجل إمكانيات هائلة على استلهام مشاهد من تجاربه الشخصية ومزجه بين ثقافة الإضحاك المغربية والفرنسية وقدرته الحركية، فضلا عن توظيفه لتقنيات الرقص، وإتقانه العزف على البيانو والغيتار، وهو ما جعله ينال صفة الفنان الشامل.

قدم في هوليوود أدوارا متفاوتة الأهمية، مثل دوره في فيلم “منتصف الليل بباريس” للمخرج الكبير وودي آلن، و”تانتان” للعبقري ستيفن سبيلبيرغ، كما استطاع الوقوف أمام الممثل العملاق آل باتشينو، في فيلم “جاك وجولي”.

كان المالح قد اضطرّ في العام 2009 إلى إلغاء حفل له في لبنان وتحديدا بمهرجانات بيت الدين الشهيرة، بعد أن تعرض لحملة على مواقع التواصل الاجتماعي، نسبت إليه مساندته لقوات الاحتلال الإسرائيلي، في تغريدة له عبر موقع تويتر، وهو ما اعتبره جانب من الإعلام الفرنسي الرسمي، حربا إعلامية قادها حزب الله على الكوميدي المالح.

القضية بدأت بعد التقرير الذي بثته قناة المنار التلفزيونية التابعة لحزب الله والذي اتهم فيه المالح بأنه دافع عن الجيش الإسرائيلي، وقد عرض التقرير صورة له وهو يرتدي بدلة عسكرية إسرائيلية، لكن اتضح فيما بعد أن الصورة مزورة عن طريق برنامج “الفوتو شوب”.

هوليوود يبرز فيها المالح مقدما أدوارا مختلفة، مثل دوره في فيلم "منتصف الليل بباريس" للمخرج الكبير وودي آلن، و"تانتان" للعبقري ستيفن سبيلبيرغ، كما استطاع الوقوف أمام الممثل العملاق آل باتشينو، في فيلم "جاك وجولي"

ذلك التقرير كان كفيلا بإعلان جيلبير كولييه مدير أعمال المالح إلغاء الحفلات الثلاث التي كان من المزمع إحياؤها ضمن فعاليات “مهرجانات بيت الدين” الدولية، كما جرَّ التقرير ذاته ردود فعل عديدة اتخذ بعضها طابعاً سياسياً على خلفية الانقسامات السياسية الحاصلة في لبنان.

أول السياسيين المدافعين عن المالح كان النائب المنتخب سامي الجميل ابن رئيس الجمهورية الأسبق ورئيس حزب الكتائب اللبنانية أمين الجميل، كما عقدت رئيسة لجنة مهرجانات بيت الدين السورية نورا جنبلاط زوجة الزعيم الدرزي وليد جنبلاط، مؤتمراً صحافياً في وزارة السياحة ردّت فيه على الاتهامات التي طالت المالح، مذكرة بحرص لجنة المهرجانات على أن تكون مؤسسة ثقافية وتلعب دوراً حضارياً في لبنان، وتحاول إضافة قيمة نوعية جديدة في بلد متنوع يتميز بمناخ حريته وديمقراطيته.

وتحدث حينها أيضاً إيلي ماروني الذي كان وزيرا للسياحة، قائلا “إن المالح نال موافقة لدخول لبنان ولا يحتاج أصلاً إلى موافقة مسبّقة كونه يحمل الجنسية الفرنسية”، معتبراً أن ضرب حرية الإبداع هو بمثابة تقديم هدية لإسرائيل، ومن الواجب فصل الفن عن السياسة.

زوج أميرة موناكو

كان للمالح موعد آخر مع الشهرة الاجتماعية، عندما ارتبط اسمه مع إحدى أشهر سليلات العائلات الملكية في أوروبا، أميرة موناكو الحسناء تشارلوت كازيراغي، وهي العلاقة التي استغربها الكثيرون في فرنسا وأوروبا، لكونها بين أميرة أوروبية وشاب من أصول عربية، خاصة وأنه يكبرها بـ15 سنة.

تشارلوت كازيراغي هي الابنة الصغرى للأميرة كارولين، وهي أيضا حفيدة أمير موناكو السابق رينييه الثاني وزوجته الممثلة الأميركية غريس كيلي، ولدت تشارلوت في العام 1986، وشقيقاها هما الأميران أندريا وبيير.

أحدث ظهور للمالح في البرامج الحوارية الأميركية مع المذيع الشهير كونان أوبراين، وخلال البرنامج تحدث المالح، بطريقة مرحة عن جنسيته المغربية قائلا "أنا فخور جدا بأصولي، ولكن هذا ليس الوقت المناسب لتقديمها إلى السلطات الأميركية على جواز سفر مكتوب باللغة العربية"

لم تقم العائلة الأميرية في موناكو بأي تعليق مباشر على هذه العلاقة في بادئ الأمر، إلا أن والدة تشارلوت الأميرة كارولين وبعد مرور سنة ونصف على بدء قصة الحب هذه، دعت المالح إلى مشاركتها مع ابنتها في رحلة بحرية على متن أحد اليخوت الفاخرة التابعة للعائلة.

نشأت العلاقة بين تشارلوت وجاد حين التقته لأول مرة في حفلة خاصة دعي إليها الاثنان في العام 2011، فكانت الشرارة الأولى التي أسست لعلاقة مثيرة تطورت بعد ذلك فاجتمعا مجددا في حفلة خاصة لدار الأزياء الشهيرة غوتشي، واحتفلا سرا ببداية العام 2012 في مدينة مراكش المغربية.

بعد ذلك أصبحت تشارلوت لا تفوّت أيّا من الحفلات الكوميدية والمناسبات العامة التي يشارك فيها المالح، وكذلك فعل الأخير معها، لكن ظهورهما معا في الحفل الشهير “روز بل” في إمارة موناكو حيث الدعوة عادة تشمل النخبة من الأثرياء ورجال السياسة والفن، كان الحدث الأبرز بالنسبة إلى وسائل الإعلام الفرنسية التي بنت على هذا الحفل قصة خطبتهما معا، بعد أن تناقلت صورا لتشارلوت وهي تلبس خاتم خطوبة.

يقال إن علاقات الحب تفرض نفسها في إمارة موناكو، فوالدة تشارلوت ارتبطت عاطفيا وتزوجت من رجل الأعمال الإيطالي الراحل ستيفانو كازيراغي، وكذلك أمير موناكو الحالي ألبرت الثاني الذي تزوج سابقا من السباحة الأولمبية السابقة الجنوب أفريقية تشارلين وينتستوك، وأيضا الأمير السابق رينييه الثالث الذي تزوّج من الممثلة الأميركية الشهيرة غريس كيلي، غير أن أصل المالح العربي والمغربي شكل حساسية ملفتة، إلا أن أصوله اليهودية شفعت له وسهلت له الارتباط الرسمي بالأميرة تشارلوت.

لكن الطلاق بين المالح وأميرة موناكو كان مقدراً، في شهر نوفمبر 2015 بعد زواج دام لثلاث سنوات، وبحسب الصحافة الفرنسية، فإن المالح كان قد تعرض قبل حادثة الطلاق، لضغوط من العائلة الأميرية في موناكو، منعته من ختان ابنه، ليقوم بتعميده في ظل دين دولة موناكو أي الكاثوليكية، وهو ما أثار غضب عائلة المالح، خاصة والده ديفيد المالح وعمه ألبرت المالح، اللذين لم يحضرا حفل التعميد.

يذكر أن المالح لبّى أكثر من مرة دعوة التلفزيون الفرنسي اليهودي للحديث عن أعماله الفنية فقط لا أكثر، وقدم نفسه كمغربي يهودي يعيش في فرنسا، ولم يتنكر لمغربيته ولا ليهوديته، ولا للبلد الذي أصبح فيه نجما “فرنسا”.

السينما يدين لها المالح بقسط كبير من نجاحه الشعبي، وهي التي قدمته في العام 2009 بفيلم "كوكو"، وفي العام 2012 تقاسم مع النجمة صوفي مارسو بطولة فيلم "السعادة لا تأتي بمفردها"

مغربي دون جدال

في الفترة الماضية حل المالح، ضيفاً على العديد من البرامج الحوارية الأميركية، وآخرها كان مع المذيع الأميركي كونان أوبراين، وخلال البرنامج صرح المالح، بطريقة مرحة حول جنسيته المغربية قائلا “أنا فخور جدا بأصولي، ولكن هذا ليس الوقت المناسب لتقديمها إلى السلطات الأميركية على جواز سفر مكتوب باللغة العربية”، في إشارة إلى قرارات ترامب الخاصة بمنع بعض مواطني الدول العربية من دخول أميركا، كما دعا جاد كلا من كونان أوبراين وصديقه الحميم أندي رشتر إلى زيارة المغرب.

يقول الكوميديان الفرنسي المغربي جمال الدبوز عن صديقه جاد، إنه فنان واع بشكل جيد لوضعه كيهودي مغربي يتقاسمه حبه لوطنه الأم، وحبه لرفاقه ومعجبيه المغاربة المسلمين، وصلة الدم مع أقربائه الذين دُفعوا إلى الهجرة دون أن ينسيهم ذلك بلدهم المغرب، لأنه لم يقفل باب العودة في وجوههم ولم يتابعهم بتهم الجاسوسية والعمالة، ووعي المالح بهذا الأمر يجعله حريصا على التوفيق بين الطرفين، وعدم إدخال نفسه في متاهات خلقتها الصراعات الإقليمية، ولذلك هو نجم محبوب من دول كثيرة حول العالم.

المالح مغربي قبل أن يكون يهوديا أو حتى فرنسيا، واعتزازه بمغربيته حاضر بقوة في حفلاته وأغلب لقاءاته التلفزيونية، وأيضا في زياراته المتكررة للمغرب، الذي يعيش فيه عدد من أفراد عائلته في أمان بالدار البيضاء حيث نشأ جاد، وحيث لم يجرف والداه وأجداده تيار الهجرة إلى إسرائيل، بل بقوا في أرض وطنهم المغرب إلى يومنا هذا.

14