جاذبية سري التي قدمت مصر إلى العالم

الأحد 2015/05/03
جاذبية سري فنانة ريشتها مغموسة في مياه النيل

إذا كان محمود سعيد (1897ــ1964) يعتبر أبا لفن الرسم، التصوير حسب التقليد الفني المصري الحديث، في مصر فإن جاذبية سري هي أمّه. فتلك المرأة التي أقامت أكثر من سبعين معرضا فرديا عبر سنوات عمرها المديد، كانت حريصة في تنوعها الأسلوبي على اختزال المسافة التي تفصل بين الرسم وبين الحياة اليومية للمصريين، حرصها في الوقت نفسه على رقي فنها وإبقائه بعيدا عن المتداول الفلكلوري.

اللحظة الشعبية

لم تكن رسامة شعبية، غير أنها استطاعت أن تقبض على جماليات اللحظة الشعبية لتعلو بها، من خلال النفاذ إلى حقيقتها الصافية. وهو ما انعكس جليا في مرح الخطوط وصخب المساحات اللونية التي كانت صدى للحكايات التي أسرتها وللأصوات التي سحرتها وللروائح التي حلّقت بها.

جاذبية سري التي ولدت في العام 1925 هي ابنة الأرستقراطية المصرية في عز ازدهارها وتألقها كانت قد انتقلت في عمر مبكّر من طفولتها من حيّ منيل الروضة، حيث بيت جدها لأبيها إلى حيّ الحلمية الشعبي، حيث بيت جدتها لأمها بطبقاته الثلاث. فكان ذلك الحدث بمثابة تمهيد للحظة وعي، كان قد تمحور حول السؤال الذي صارت حياتها تدور في فلكه “ما الذي يعنيه أن يكون المرء مصريا؟”.

كان لطبيعة تركيبتها الاجتماعية تأثير واضح في خياراتها الفنية والفكرية. فابنة الأرستقراطية كانت قد أجادت في وقت مبكر من حياتها لغة الشعب، بعد أن تعرفت عليه عن قرب، مباشرة أو من خلال حكايات جدتها الساحرة.

كانت تلك الحكايات تسبقها إلى الرسم، فكانت تبذل جهدا كبيرا من أجل إيقاف تدفقها والتقليل من سطوتها. فالرسم الذي عرفته منذ طفولتها كان بالنسبة إليها فنا يقع دائما خارج حرفة التوضيح.

الشغف بالفن عائليا

نشأت جاذبية سري في عائلة تهوى الفن. كان أحد أعمامها صديقا للرسام الرائد أحمد صبري. وكان عمها الثاني شغوفا بتقليد اللوحات العالمية، وهو ما درجت عليه أمها. كان الهواء من حولها ممتلئا برائحة الزيت، فكان ذلك سببا لانغماسها في الرسم من غير أن تشغلها أسئلته. كان الرسم جزءا من الحياة اليومية، تمارسه فعلا يوميا من غير أن تعي ضرورته. وهو ما جعلها تلقائيا تتجه إلى دراسته لتنال شهادتين. الأولى في الفنون الجميلة عام 1948 والثانية في التربية الفنية عام 1949، بعدها ذهبت إلى باريس ومن بعدها إلى روما ومن بعدهما إلى لندن لتكون بعد كل ذلك الجهد على يقين من أنها صارت مؤهلة لتدريس الفن في مصر.

الصحراء تبدو كتبسيط للأشكال عند جاذبية سري، الأمر الذي دفعها إلى أن تمزج بين الصحراء والبيوت، فتصنع عالمها المفكر به سلفا، وهو عالم تجريدي انتهت إليه الرسامة لتستأنف رسالتها في الرسم من جديد

هي مهمة تنويرية شاقة أخلصت إليها سري في مختلف المستويات التعليمية التي مرت بها معلمة للرسم. مَن درس على يديها من الفنانين المصريين والعرب يشهد لها لا بالكفاءة وحدها بل وأيضا بقدرتها الخلاقة على اكتشاف نوع وموضع موهبة طلابها. غير أن ذلك الدور الذي لعبته في تطوير الحياة الفنية قد لا يشكل إلا هامشا في سيرة فنية تميزت بعطاء استثنائي.

جاذبية سري هي أول فنانة مصرية تعرض أعمالها في متحف المتروبوليتان في نيويورك حيث جاء اختيار المتحف المذكور عام 2010 للوحتها (الطيّارة) المرسومة عام 1960 لتكون جزءا من مقتنياته بمثابة تكريم متأخر، غير أنه كان ضروريا.

يهتم المصريون بالتفاصيل التي يملؤونها بالحكايات. لذلك فإنهم لا ينظرون إلى تحولات رسامة كبيرة من نوع جاذبية سري إلا من جهة تمثلها لتلك الحكايات. لذلك تدرجوا في تجزئة سيرتها الأسلوبية على النحو التالي: مرحلة الواقعية الزخرفية حين اهتمت بالخط أساسا للرسم، وكان السطح مليئا بالتفاصيل والزخرفة. فمرحلة الواقعية التعبيرية وهي عبارة عن حوار بين التشخيص والتجريد.

أما الفترة الثالثة فقد ركزت فيها الفنانة على البيوت، فكان أسلوبها مزيجا من الأسلوبين التجريدي والتكعيبي. في المرحلة الرابعة انتقلت الفنانة إلى الصحراء فكان هناك تبسيط في الأشكال، هو في حقيقته إنجاز فني. وهو ما دفع بها إلى أن تمزج بين الصحراء والبيوت، فتصنع عالمها المفكر به سلفا، وهو عالم تجريدي انتهت إليه الرسامة لتستأنف رسالتها في الرسم من جديد، كما لو أنها لم تكن ترسم من قبل.

الطفلة التي تعلمت الرسم مبكرا صارت تفكر بعد التسعين من عمرها في استعادة براءة ذلك التفكير.

عام 2014 أقامت الجامعة الأميركية في القاهرة معرضها استعاديا لجاذبية سري، كانت مادته تتألف من لوحات، كانت جاذبية سري قد تبرعت بها للجامعة المذكورة عام 2008.

وكانت تلك اللوحات تمثل بطريقة انتقائية أربعة عقود من الرسم، فسري حريصة من خلال انتقائها على تقديم صورة صادقة عن تحولاتها الأسلوبية. كان عنوان المعرض “التوق إلى الألوان” وهو عنوان يبعد عن الرسّامة شبهة رواية الحكايات، وهي شبهة لم تكن جاذبية سري تبعدها عن نفسها، بل قد تكون محببة إليها، لأنها تذكرها بجدتها وبحيّ الحلمية التي استوحت من صخبه خيال لوحاتها.
الجامعة الأميركية في القاهرة تقيم في العام 2014 معرضا استعاديا لجاذبية سري، لتأتي مادته من لوحات، كانت جاذبية سري قد تبرعت بها للجامعة المذكورة عام 2008. وكانت تلك اللوحات تمثل بطريقة انتقائية أربعة عقود من الرسم

الفنانة التي لا ترغب في أن تغادر الحلمية في فنها كانت قد رسمت كل شيء. من المناظر الطبيعية حتى الحياة الصامتة مرورا بالصور الشخصية، من غير أن تتوقف كثيرا عند التجريد.

كان لديها كلام كثير لا يقوى التجريد على أن يمثله. غير أنها في كل ما رسمته لم تكن مقتنعة بالأسلوب الواقعي. ربما لأنها كانت تعتبره خيانة للواقع. فالواقع بالنسبة إليها لم يكن محصورا بما نراه. كان معرض الجامعة الأميركية حدثا استثنائيا في حياة رسامة بلغت التسعين من عمرها، وهي لا تزال تقوى على الرسم. كان ذلك المعرض بمثابة رسالتها إلى أجيال من الرسامين، كانت قد علمتهم الرسم بشغف من يتعرف عليه لأول مرة.

المصرية التي اكتشفت عالميتها

جاذبية سري هي ابنة الرسم المصري، غير أن أهميتها تكمن في أنها كانت متمردة على جزء من تقاليد ذلك الرسم. لم تكن المرأة التي تعرفت على الحياة الغربية في باريس وروما ولندن فرعونية بالتمام. كانت ابنة حياة مصرية، لم يكن الغرب قد تعرف عليها. حياة هي مزيج من الأصالة والحداثة، من الواقع المشخص والمتخيل الذي يقترحه الفن.

كانت سري ابنة الرسم المصري المنفتح على الرسم في العالم، بكل ما يتميز به من تنويع في الأساليب والأفكار. قيل إنها ترسم بريشة مغموسة بمياه النيل، غير أنها كانت في الوقت نفسه تنظر إلى العالم بعيني فتاة، كانت تعرف أن قدرها يقع في مكان آخر، مكان يمزج بين مصريّتها وعالميتها. وكما أرى فإن عالمية جاذبية سري وإن كانت مستلهمة من مصريّتها، فإنها ستضعها في إطار مختلف.

فهي من خلال تنوع أساليبها لا تعبر عن طريقة شعب في العيش العام بقدر ما تجسد سلوكا فنيا شخصيا، قُدر له أن يكون أسلوبا في العيش. هذه الفنانة تعيش فنها ليقدمها إلى العالم. وهو فن يرقى بالحياة المصرية إلى مستوى الخيال. رسوم جاذبية سري تمثل الخيال المصري وهو يصل بالحكاية الشعبية إلى أقصى ما يمكن أن تصل إليه. إنه خلاصتها وهو كل ما يمكن أن تقوله.

كان حلم سري في طفولتها أن تكون مخلصة للحكاية فإذا بها من خلال الرسم تتخطى حدود تلك الحكاية لتصل إلى تجلياتها اللونية. إنها الرسامة التي قدمت مصر إلى العالم.
10